img
img

سلسلة السياسة الشرعية وتطبيقاتها :فقه الواقع وأزمة بعض العلماء في خطابهم الديني في زمن الفتنة الكبرى حين تضيق زاوية النظر يتسع ميدان الخسارة

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

سلسلة السياسة الشرعية وتطبيقاتها :فقه الواقع وأزمة بعض العلماء في خطابهم الديني في زمن الفتنة الكبرى حين تضيق زاوية النظر يتسع ميدان الخسارة

الأستاذ الدكتور عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 


                                                      بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:كلمة لا بد منها قبل البدء عجبٌ لا ينقضي، حين تشتعل سماوات الأمة بالصواريخ وتُدكّ مدنها وتُستباح سيادتها، أن يخرج علينا بعض من يُنسبون إلى العلم والفقه بخطاب لا يرقى إلى مستوى الفتنة ولا يستوعب أبعاد اللحظة، بل يزيد الجرح عمقاً والبلبلة اتساعاً.فريقٌ منهم أسلم عقله وبوصلته لعدو الأمة الأول، فراح يُؤصّل للتحالف مع الصهاينة والصليبيين ويُزيّن الارتماء في أحضانهم، مُلبِّساً ذلك كله بعباءة "الضرورة الاستراتيجية" و"درء الخطر الصفوي"، كأن الداء يُعالَج بما هو أشد منه فتكاً وأبعد عن الأمة رحمةً.وفريقٌ آخر في الطرف المقابل أسلم قلمه ومنبره للمشروع الفارسي المجوسي الصفوي، يُزيّن للأمة الانجرار خلف أحفاد ابن العلقمي وأبي لؤلؤة المجوسي، ويُسمّي الاحتلال الفارسي لأرض العرب ومقدراتهم "مقاومةً" و"ممانعةً"، ويُحرّم الحياد عن هذا الخندق الذي حفره عدو الأمة لتقع فيه.

وكلا الفريقين يملك فتواه وتأصيله ومنبره، وكلاهما يُسوّق لأجندة واحدة في جوهرها وإن اختلف الثوب واللسان: أن ترتمي الأمة الإسلامية في أحضان أعدائها.

نعم، لا حياد في الإسلام — هذا حقٌّ لا جدال فيه. المعركة الكبرى في هذا الكون معركة الإسلام في مواجهة الكفر، إسلامُ هذه الأمة المجاهدة في مواجهة كفر الصهاينة المحتلين والصليبيين الحاقدين ومن حالفهم وأعانهم ، وفي مواجهة كفر المجوسية الصفوية الرافضة التي تلبست لباس الإسلام لتنهش في جسد الأمة من الداخل.

لكن تحديد المعركة الحقيقية وتسمية أعدائها بأسمائهم الصحيحة وترتيب الأولويات في مواجهتهم — هذا هو الفقه الغائب، وهذا هو الواجب الذي يتهرب منه أصحاب النظرة الأحادية المضيّقة، سواء أكان تضييقها من جهل أم من هوى أم لأن عدو الأمة أراد لهم ألا يروا إلا من الزاوية التي رسمها لهم.

وهذا المقال محاولة لكسر تلك الزاوية واستعادة البصيرة الشاملة التي تليق بأمة أُنزل عليها أعظم كتاب وبُعث إليها خاتم الأنبياء.

"من أفتى الناسَ بمجرد المنقولات ولم يَعرف اختلافَ الناس فهو جاهل. ومن أفتى بمجرد ما فَهِمه من الألفاظ الشرعية دون استيعاب الواقع الذي تنزل عليه الفتوى فهو ضال مُضِلّ."— الإمام ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين

مدخل منهجي: إشكالية العلاقة بين النص والواقع

قبل الخوض في تفاصيل المشهد، تجدر الإشارة إلى أن الأزمة التي يعانيها خطاب الديني المعاصر لبعض العلماء والمشايخ  في لحظات الصراع الكبرى ليست أزمةً طارئة نجمت عن ظروف استثنائية، بل هي تجلٍّ لأزمة منهجية عميقة الجذور، أزمة قطيعة مزمنة بين الفقه والسياسة، بين العلم الشرعي والاستراتيجية، وبين التأصيل الديني وفهم حركة التاريخ.

وقد نبّه علماء الأصول منذ القِدَم إلى أن الحكم الشرعي ثمرةٌ لمعادلة ثنائية لا تصح إلا باكتمال طرفيها: النص الشرعي الصحيح في فهمه وتوظيفه، والتصور الصحيح للواقع الذي ينزل عليه هذا النص. وقد عبّر الإمام ابن القيم عن هذه المعادلة في إعلام الموقعين بقوله: "المفتي إذا جهل الواقع وأحوال الناس كان جهله بالواقع وأحكامه أعظمَ من جهله بالأدلة الشرعية، لأن الشريعة جاءت لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم". وهذه القاعدة ليست استثنائية أو ترفاً معرفياً؛ هي شرطٌ بنيوي في صحة الفتوى وسلامة التوجيه.

والإشكال الذي نعانيه اليوم أن فئةً كبيرة من حاملي الخطاب الديني أتقنوا أحد طرفي هذه المعادلة وأهملوا الآخر إهمالاً شبه تام، فجاءت فتاواهم ومواقفهم كمن يُسدّد رميةً نحو هدف لم يرَه، فأصابت في أحسن الأحوال بالصدفة لا بالقصد، وأخطأت في أغلب الأحوال إخفاقاً مُرَكَّباً يجمع خطأَ التقدير وفساد التوجيه.

مقدمة: عشرون يوماً والمشهد لا يزال ضبابياً

مضى على اندلاع هذه الجولة من الصراع الإقليمي أكثر من عشرين يوماً من القصف المتبادل، وتراكمت في هذه المدة من الأحداث والتحولات الجيوسياسية ما يكفي لإعادة رسم خارطة المنطقة. ومع ذلك لا يزال يطلّ علينا من بعض المنابر الدينية خطاب لا يرقى إلى مستوى اللحظة ولا يستوعب أبعادها، خطاب يكتفي بالدعاء المجرد أو ينحاز لأحد طرفي الصراع بتأصيلات معوجة تخدم في نهاية المطاف أجندة عدو الأمة لا مصلحتها.

وهذه الظاهرة تستحق وقفة علمية جادة، ليس للتجريح الشخصي، بل لأن الخطاب الديني المُوجَّه للأمة في لحظات الأزمات الكبرى هو من أشد الأسلحة أثراً في تشكيل السلوك الجمعي، إيجاباً حين يكون مستنيراً، وخساراً فادحاً حين يكون قاصراً أو منحازاً.

 أولاً: أزمة التصور — حين تُرى الصورة الكبرى بعين واحدة

الخطأ الجوهري الذي يقع فيه كثير من العلماء والمشايخ في هذه الأزمة ليس خطأً في الفقه بالضرورة، بل هو خطأ في التصور الذي يسبق الفقه ويُحدد مساره. فالحكم الشرعي لا يصح إلا على تصور صحيح للواقع، وهذه قاعدة أصولية راسخة قررها الأصوليون قديماً وأكدها العلماء المحققون في كل عصر.

ذهب الأصوليون إلى أن الفقيه يحتاج في استيفاء وظيفته إلى ضربين من العلم لا غنى عن أحدهما: علم بالشريعة وأدلتها وأسرارها، وعلم بالواقعة وحقيقتها وملابساتها. وهذا ما صاغه الشاطبي في الموافقات بقوله: "الاجتهاد الناقص الذي لم يبلغ رتبة الكمال هو الاجتهاد في الدليل مع الجهل بالمُستدَل عليه". والاجتهاد في الأحداث السياسية الكبرى — ولا سيما في أزمنة الصراعات متعددة الأطراف — هو من أشد صور الاجتهاد احتياجاً إلى هذا الضرب الثاني من العلم.والتصور الصحيح للمشهد اليوم يستوجب رؤية شمولية تستوعب:

أن الصراع الدائر ليس صراعاً ثنائياً بين طرفين يمكن الاصطفاف مع أحدهما، بل هو صراع متعدد الأبعاد يتشابك فيه المشروع الصهيوني التوسعي، والأجندة الأمريكية في إعادة رسم المنطقة، والمشروع الفارسي المذهبي الاحتلالي، وضعف الإرادة السياسية لدول الأمة. وأن كلاً من هذه الأطراف يوظّف الخطاب الديني لخدمة أهدافه، ويسعى إلى استقطاب العلماء والمنابر لإضفاء الشرعية على مشروعه. وأن الأمة الإسلامية في هذا الصراع ليست طرفاً فاعلاً بعد، بل هي الميدان الذي يتنازع عليه الأطراف، ومهمة العالم الرباني أن يُخرجها من دور الميدان إلى دور الفاعل.

فمن نظر إلى المشهد دون استيعاب هذه الأبعاد مجتمعةً، أصدر حكماً على غير مسألته، وأفتى في واقعة لم يُحسن تصورها.

 بتعبير آخر ما يجري اليوم في المنطقة ليس حادثةً مفردة يمكن استيعابها بقراءة سريعة للأخبار، بل هو نتاج تراكمات تاريخية ممتدة قرنين من الزمن على الأقل، تشمل: تشكّل النظام الاستعماري الحديث في المنطقة، وصناعة الكيانات السياسية بعد الحرب العالمية الأولى، ونشوء الكيان الصهيوني وآليات رعايته غربياً، والثورة الإيرانية وتحولاتها الإيديولوجية والجيوسياسية، وتعقيدات الشرخ السني وتوظيفه من قِبَل كل الأطراف. والمشايخ الذين يُبادرون بمواقف حاسمة دون استيعاب هذا الإطار التاريخي الجامع يُصدرون حكماً على خصومة ثلاثة ملفات لم يقرؤوا منها سوى صفحة واحدة.

ثانياً: نموذجان في الانحياز كلاهما يخدم العدو

لا يوجد في الساحة اليوم نموذج واحد للخطأ، بل نموذجان متقابلان، وكلاهما — رغم تضادهما الظاهر — يصبّان في النهاية في خدمة مشروع تفتيت الأمة.

النموذج الأول: من يدفع الأمة نحو الارتماء في أحضان الغرب والكيان الصهيوني

هؤلاء يُقدّمون الخطر الإيراني الصفوي باعتباره التهديد الوجودي الوحيد، ويُصوّرون التحالف مع أمريكا والتطبيع مع "إسرائيل" ضرورةً استراتيجية لا مفرّ منها، ويُؤصّلون لذلك بفقه الموازنات والمصالح والمفاسد مُجتزئاً من سياقه. وهذا الخطاب — وإن كان يصف خطر المشروع الإيراني وصفاً صحيحاً في جزء منه — إلا أنه يقع في خطأ أشد خطورة حين يجعل الدواء أشد سمّاً من الداء. فالكيان الصهيوني الذي يُدعى إليه التحالف هو من يحتل فلسطين، ويُدمّر غزة، ويُخطط لـ"إسرائيل الكبرى" التي تمتد على أرض عربية مسلمة. والتحالف مع من يحتل أرض الأمة لمواجهة من ينتهك سيادتها هو استبدال احتلال باحتلال، وتمكين للعدو الأشد خطراً على المدى البعيد.

والخلل المنهجي في هذا النموذج ليس في توصيف الخطر الإيراني . لكن الخلل الجسيم يكمن في أمرين:

الأول: التغاضي التام أو التبرير الضمني للجرائم الصهيونية الجارية والمستمرة، وكأن احتلال فلسطين وتدمير غزة وخطط التوسع الصهيوني في المنطقة قد توقفت لصالح عرض الشراكة المطروح.

الثاني: تبنّي منطق "الشر الأخف" (lesser evil) بطريقة لا تنسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية، إذ يكون التحالف مع من يستهدف أرض الأمة وأهلها مآلُه الحتمي تمكين هذا المستهدِف وليس إضعافه. وقد أثبت التاريخ القريب أن كل "تطبيع براغماتي" أسفر عن تقوية الكيان الصهيوني وتثبيت احتلاله وتوسيعه، لا عن احتواء أي تهديد آخر.

وأدقّ ما يُقال في توصيف هذا النموذج هو ما يسمّيه علماء المنطق بـ"مغالطة الثالث المُستبعَد" (false dichotomy)، إذ يُصوَّر للأمة أن خياراتها لا تعدو طرفين: إما الكتلة الأمريكية الصهيونية، وإما المحور الإيراني، ويُسكَت عن الخيار الثالث وهو بناء الإرادة المستقلة والقوة الذاتية.

النموذج الثاني: من يدفع الأمة نحو الانجرار خلف المشروع الإيراني

وهؤلاء في الطرف المقابل يُقدّمون إيران باعتبارها "جبهة المقاومة" الإسلامية الوحيدة، ويُغلّفون المشروع الفارسي التوسعي بخطاب ديني يستحضر القدس وفلسطين، ويُسكتون كل نقد بتهمة "خدمة الصهيونية". وهذا الخطاب يقع في تدليس أشد وطأة، لأنه يستخدم مشروعية القضية الفلسطينية غطاءً لمشروع لا علاقة له بتحرير فلسطين، بل أثبتت عقود من الممارسة أنه يستثمر القضية ولا يخدمها، ويوظّف شعار المقاومة لتبرير الاحتلال الفارسي للقرار العربي في العراق ولبنان واليمن وسوريا.

والوقائع الميدانية تُثبت أن قرار إيران في توقيت المعارك وإيقافها ارتبط دائماً بمصالحها الاستراتيجية لا بمصلحة فلسطين.

والأمة التي تنساق خلف أيٍّ من هذين النموذجين تجد نفسها في النهاية في خندق حفره لها عدوٌّ وليس صديق.

 ثالثاً: فقه الواقع — المنهج الغائب

الخلل الحقيقي في كثير من الخطاب الديني المعاصر أنه يفتقر إلى ما أسماه العلماء المحققون "فقه الواقع"، وهو ذلك العلم الذي يجمع بين الرسوخ في الشريعة والاستيعاب الكامل لحقائق الواقع السياسي والاجتماعي والجيوستراتيجي، لأن الفتوى الصحيحة لا تنبثق من النص وحده مُجرَّداً عن واقعه، بل من تنزيل النص على واقع مُستوعَب فهماً شاملاً وتخضيع الواقع للنص.

كما أن مفهوم "السياسة الشرعية" بوصفه منهجاً في الإدارة السياسية وفق مقاصد الشريعة يجد تأسيسه الكبير عند ابن تيمية في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، وعند ابن قيم في الطرق الحكمية، وكلاهما أكد أن مهمة الفقيه السياسي لا تتوقف عند حدود تحريم الأفعال المنكرة، بل تمتد إلى الإدارة الاستراتيجية للمجتمع والدولة وفق مبدأ جلب المصالح ودرء المفاسد الكبرى.

وقد شدّد ابن تيمية تحديداً — وهو الذي عاش في قلب أزمة استراتيجية مشابهة وهي الغزو المغولي — على أن الفقيه في زمن الأزمة الكبرى لا يكفيه الإحاطة بالفقه التعبدي والفردي، بل يُلزَم باستيعاب ما اسماه "السياسة الشرعية العامة"، التي تشمل تقدير أحوال الأعداء وتوازنات القوى وتحديد أولويات الدفع والتحالف والمناورة.

• أعمدة فقه الواقع الاستراتيجي

يقوم فقه الواقع الاستراتيجي في هذه الأزمة على جملة من المرتكزات المنهجية التي لا يصح الخطاب الديني الشرعي المسؤول بدونها أهمها :

المرتكز الأول — قراءة موازين القوى بعين باردة لا بعاطفة حارّة:

ويعني ذلك التمييز بين ما هو كائن وما هو واجب، فكثيراً ما يخلط بعض المشايخ في خطابهم بين الوصف الفقهي المُنزَّه والتقدير الواقعي الصريح. الوصف الفقهي يقول: يجب تحرير فلسطين. والتقدير الواقعي يقول: ما القوى الفاعلة الحقيقية في الميدان اليوم، وأيّها ينخرط في تحرير فلسطين فعلاً وأيّها يستثمر هذا الشعار؟ الخلط بين المستويين يُنتج خطاباً لا يُغيّر واقعاً ولا يُحرّك عملاً.

المرتكز الثاني — فقه المآلات وليس فقه الشعارات:

أرسى الشاطبي وابن القيم قاعدة بالغة الأهمية مفادها أن النظر في مآل الفعل معتبرٌ في الحكم عليه، فالفعل الصحيح في ظاهره قد يكون محرّماً إذا كان مآله فساداً أكبر، والفعل المكروه ظاهراً قد يكون واجباً إذا كان مآله درء خطر أعظم. وتطبيق هذا المبدأ على الأزمة الراهنة يعني السؤال الدائم: ما مآل هذا الموقف على الأمة في أفق السنوات القادمة لا في أفق أسبوع؟

المرتكز الثالث — التمييز بين المصلحة المرحلية والمصلحة الاستراتيجية:

يُقرر علماء السياسة الشرعية أن درء الضرر الكبير في المدى البعيد مُقدَّم على جلب النفع الصغير في المدى القريب. وهذا مبدأ يُبدو حاكماً في تقييم التحالفات المطروحة على الأمة: التحالف مع القوى الغربية الصهيونية قد يمنح راحة أمنية آنية من التهديد الإيراني، لكن مآله استكمال المشروع الصهيوني في المنطقة وإنهاء أي أفق للمسألة الفلسطينية، وهي خسارة استراتيجية لا تُعوَّض.

• وفقه الواقع في هذه الأزمة يقتضي جملة من الثوابت التي ينبغي أن تؤطّر الخطاب الديني:

أولها أن المعركة الكبرى للأمة هي معركة الإسلام في مواجهة من يستهدف وجوده وهويته وأرضه، وهؤلاء في مقدمتهم الكيان الصهيوني وداعموه، وفي صفهم المشروع الفارسي المذهبي الذي يستنزف الأمة من الداخل.

وثانيها أن نظام ولاية الفقيه في إيران ليس طرفاً إسلامياً منحرفاً يُختلف معه في الفروع، بل هو مشروع احتلال فارسي مذهبي يستهدف أرض العرب المسلمين ويوظّف الغطاء الديني لتمرير هذا الاحتلال، وهذا التوصيف ليس اجتهاداً سياسياً بل هو ما تثبته الوقائع الميدانية الموثّقة على مدار أربعة عقود.

وثالثها أن الاصطفاف مع الكيان الصهيوني أو مع حلفائه الغربيين بأي مسمّى أو تأصيل محرّم شرعاً وخطأ استراتيجياً، لأن فيه تمكيناً لعدو الأمة الأول من استكمال مشروعه التوسعي على حساب أرض الإسلام وأهله.

ورابعها أن الموقف الشرعي الصحيح هو الحياد الإيجابي الفاعل الذي يرفض الاصطفاف مع أيٍّ من المحورين، ويُعلي من شأن مصلحة الأمة الجامعة، ويُوجّه الطاقة نحو بناء القوة الذاتية المستقلة

رابعاً: الدعاء ليس بديلاً عن الرأي والموقف

لا أحد يُنكر مشروعية الدعاء ولا فضله، وقد كان من سنة الأنبياء والصالحين اللجوء إلى الله في الشدائد. لكن الدعاء في الفقه الإسلامي لا يُغني عن الأخذ بالأسباب، ولا يُعفي العالم من واجب البيان والتوجيه. والعالم الذي يكتفي بقول "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرج المسلمين سالمين" دون أن يُبيّن للأمة من الظالم ومن المظلوم، وما الموقف الشرعي الصحيح من هذا الصراع، وما الواجب على الحكام والمحكومين والعلماء والعامة — هذا العالم لم يؤدِّ واجبه كاملاً وإن كان دعاؤه حسناً في ذاته.بل إن الاكتفاء بهذا الدعاء المجرد في لحظة كهذه قد يكون — من حيث الأثر — خادماً لحالة التخدير التي يريد لها عدو الأمة أن تسود، لأنها تُشغل الأمة بالانتظار وتُثبّطها عن الفهم والموقف والفعل.

 خامساً: لا حياد في معركة الإسلام — لكن المعركة الحقيقية لها اسم

صحيح أنه لا حياد في الإسلام حين تكون المعركة بين الإسلام والكفر. لكن تحديد طبيعة المعركة ورسم حدودها الصحيحة هو أول الواجبات وأعسرها، وهو ما يغيب عن كثير من الخطاب الديني المتداول.

المعركة الحقيقية للأمة اليوم هي في مواجهة:

الكيان الصهيوني الذي يحتل أرض الإسراء والمعراج ويُدمّر أهلها، ويُخطط لتوسيع نفوذه ليشمل رقعة واسعة من المنطقة. والمشروع الأمريكي الغربي الذي يرعى هذا الكيان ويُمدّه ويُدير المنطقة لصالحه. والمشروع الفارسي المذهبي الذي يحتل القرار العربي في عدة دول ويستنزف طاقة الأمة في صراعات داخلية مُفتعلة.

والموقف الشرعي الصحيح من هذه المعركة لا يكون بالاصطفاف خلف أيٍّ من هذه الأطراف، بل بالوقوف في وجه الجميع دفاعاً عن الأمة، وبالعمل على بناء القدرة الذاتية الإسلامية المستقلة التي تجعل من الأمة فاعلاً لا ميداناً.

خاتمة: رسالة إلى العلماء في زمن الفتنة

التاريخ الإسلامي لا يخلو من نماذج رفيعة لعلماء قدوة أحسنوا فقه الواقع واستوعبوا الأبعاد الاستراتيجية لأزمات عصرهم، فتجاوز تأثيرهم حدود الفتوى إلى صناعة المواقف والتحولات التاريخية.

نموذج ابن تيمية مع التتار: حين دخل التتار الشام ووقعت الحيرة الشرعية الكبرى حول الموقف منهم — وقد أسلم كثير منهم — لم يكتفِ ابن تيمية بالدعاء ولم ينحز لأي جهة بناء على مظاهر دينية، بل أعمل عقله في تقدير حقيقة الواقع: أن إسلام التتار لم يكن قد ترسّخ بما يكفي لوقف تدمير بلاد المسلمين، وأن مصلحة الأمة تستوجب المقاومة المسلحة. ولمّا اعترض بعض الفقهاء بحرمة قتال المسلم، نقل عليه ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية حيث قال: وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار، وقويت قلوبهم ونياتهم، ولله الحمد. اهــ. وهو استدلال استراتيجي عميق لا يُنتج إلا من يجمع بين الرسوخ الشرعي وعمق الرؤية السياسية.

نموذج العزّ بن عبد السلام مع الصليبيين والمغول: حين أبدى سلطانُ مصر استعداداً للتحالف مع الصليبيين في مواجهة المغول، وقف العزّ بن عبد السلام في وجه هذا الخيار لا بدعاء مجرد بل بتحليل فقهي استراتيجي دقيق، مُفرّقاً بين جواز الاستعانة بالكافر في الجملة وحرمة توطينه في جوف دار الإسلام، ومُستند إلى قاعدة المآلات في حرمة كل تحالف يُمكّن العدو من موطئ قدم لا يُخرج منه لاحقاً.

نموذج شيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي في مواجهة نابليون: حين جاء نابليون بخطابه الذي يُقدّم الحملة الفرنسية باعتبارها تحريراً من المماليك وتعاطفاً مع الإسلام، لم ينخدع بعض كبار علماء الأزهر بهذا الغطاء الإيديولوجي للغزو، وكان تمييزهم بين الخطاب الاستراتيجي الفرنسي وحقيقة مشروع الاستيطان الاستعماري درساً مُبكّراً في فقه التمييز بين الشعار والمشروع.

اللحظة التي تمرّ بها الأمة اليوم ليست لحظة عادية في تسلسل الأحداث، بل هي لحظة من تلك اللحظات التي تُعيد فيها التحولات الكبرى رسم الخرائط الجيوسياسية وتُغيّر معادلات القوى لعقود قادمة. وفي مثل هذه اللحظات، يكون الخطاب الديني الموجَّه للأمة أشد تأثيراً في مسارها من كثير من القرارات السياسية والعسكرية.

وهذه المسؤولية الهائلة تُلقي على عاتق العلماء الربانيين واجباً من أثقل الواجبات وأعظمها: أن يقفوا أمام المشهد بكامل رسوخهم الشرعي وعمقهم التاريخي وصفاء بصيرتهم الاستراتيجية، دون أن تُحدّد لهم زاوية النظر إملاءات ممول أو ضغط سلطة أو حماس شارع. وأن يُقدّموا للأمة لا ما تريد سماعه بل ما تحتاج إلى سماعه.

العالم الذي يُسهم بخطابه في توريط الأمة في خندق عدوٍّ يُريد لها الهزيمة ليس في مأمن من المسؤولية الشرعية بحجة حسن النية أو التأصيل الجزئي. فـالنية الحسنة لا تُصحّح الخطأ الاستراتيجي — كما لا تُصحّح الخطأ الطبي — والتأصيل الجزئي الذي ينزع الدليل من سياقه ليُبرّر موقفاً أملته مصلحة أجنبية هو من أشد صور التدليس خطورةً على الأمة.ما تحتاجه الأمة من علمائها في هذه اللحظة ثلاثة أشياء:

وضوح الرؤية: أن يروا المشهد بكامل أبعاده لا بعين واحدة.

صراحة البيان: أن يُسمّوا الأشياء بأسمائها دون مُداهنة ولا مُجاملة.

شجاعة التوجيه: أن يُحدّدوا للأمة موقفها الشرعي الصحيح بجرأة الربانيين لا بحذر المحترفين.

فلا عذر لعالم اليوم في أن تُحدّد زاوية نظره عوضاً عنه، ولا قبول لفتوى تخدم عدو الأمة وإن لبست ثوب الشرع والتأصيل.

ملاحظة منهجية ختامية: يعتمد هذا المقال منهجية النقد المنهجي المبنية على مرجعية فقه الواقع والسياسة الشرعية، ولا يستهدف أشخاصاً بعينهم. والغاية منه الإسهام في ترقية مستوى الخطاب الديني ورفعه إلى مستوى الأمانة الدينية و التاريخية التي تُلقيها اللحظة الراهنة على أهل العلم.

نُسِب هذا المقال إلى مرجعيات: ابن القيم في إعلام الموقعين — الشاطبي في الموافقات — ابن تيمية في السياسة الشرعية — الغزالي في المستصفى — ابن كثير في البداية والنهاية - وإلى الدرس التاريخي المستمر للأمة الإسلامية في مواجهة أزماتها الكبرى

تعليقات