سلسلة: خواطر
شهر رمضان، شهرُ الصيام، شهرُ القيام،
شهرٌ اصطفاه الرحمن من بين الشهور،
وأودع فيه ليلةً هي خيرٌ من ألف شهر،
وأنزل فيه القرآن، {هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان}
واصطفى من الأمكنة بقاعا فاضلة جعلها مهوى الأفئدة،
ومطمح الأنظار، ومحراب الأحرار، فمنها مكة المكرمة،
حرماً آمناً وبيتاً عتيقاً، ومنها المدينة المنورة،
طيبة الطيبة، ومنها المسجد الأقصى،
أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
حيث أسري بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.
قال تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
تعظيم الشعائر ليس مجرد كلماتٍ تقال،
ولا مشاعرَ تُختزل في صدور الرجال،
بل هو موقفٌ يُجسد، وعملٌ يُخلد، واهتمامٌ يتجدد، وبذلٌ لا ينفد.
ومن عظيم الشعائر المسجد الأقصى المبارك الذي شدّ الرسول الرحال إليه،
وصلى فيه بالأنبياء إماماً، وجعله الله أولى القبلتين،
ومهوى أفئدتهم على مر العصور.
فتعظيمه واجب، والذبُّ عنه فرض، ونصرته قربة إلى الله..
--------
ها هو رمضانُ يعود، وفي كل عامٍ كان للأقصى مع الصائمين عيد،
كانت القلوب تحن، والأقدام تسعى، والعيون تدمع شوقاً لرؤياه،
وللصلاة في ربوعه وفنائه، وللوقوف بين يدَي محرابه،
وللإفطار تحت قناطيره المقوَّسة، وللتهجد في لياليه المقمرة.
كان الأقصى يتهلل في رمضان ورمضان بالأقصى يزداد نورا
يجتمعان في القلب ليشكلا لوحةً من الإيمان والنور.
كيف حال رمضان والأقصى حزين؟
كيف حال رمضان والأقصى أسير؟
المصلون ممنوعون عنه، محاصرون،
مكسورو الخاطر على أبوابه، يبكون ولا يستطيعون الدخول،
يشتاقون ولا يستطيعون الوصول،
رمضان والأقصى ينزف جراحاً، ويكتم آهاتٍ،
المستوطنون يقتحمون ساحاته يعربدون..
أي ظلمٍ هذا الذي يسلط على أولى القبلتين في شهر الرحمة والغفران؟!
كيف يُحرم من تكبيرات المصلين ودموع العابدين؟!
الدمع يجري غزيراً، والقلب يعصر ألماً، والحروف تذوب وجعاً..
--------
وفي هذه العشر الأواخر من رمضان، حيث ليلة القدر خير من ألف شهر،
يتجدد الرجاء، ويعظم اليقين بأن النصر يبدأ بالدعاء.
فما أحرانا أن نرفع أكف الضراعة في جوف الليل، باكين خاشعين،
نسأل الله أن يفك أسر الأقصى، وأن يعيد لأمتنا عزتها ومقدساتنا.
إن الدعاء في هذه الليالي المباركة ليس مجرد كلمات ترددها الألسنة،
بل هو عبادة ومناجاة وجهاد، وهو تعظيم لشعائر الله التي أمرنا بتعظيمها،
لا أقل من أن تمرغ وجهك سجوداً بين يدي الله، باكياً خاشعاً،
داعياً للأقصى أن يفك أسره، وأن يعيد لأمتنا عزتها ومقدساتها.
فالمؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله،
والظلم مهما طال لابد له من زوال،
ووعد الله حق: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].
وإنه وإن طال الليل، واشتد السواد، وكثر الطغيان،
وتجبر العدو، وتخاذل بعضنا، إلا أن {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8].
نور الله آتٍ، وفتحه قريب، ووعده لا يتخلف.
وما قيمة صلاتنا وصيامنا إن لم تكن بيوت الله في قلوبنا قبل أن نكون في ساحاتها؟
وما قيمة عبادتنا إن لم تكن مقدساتنا في اهتمامنا وهمنا وعملنا؟
لا أقل من أن تُعَظِّمَ فتبذل ما في وسعك من جهد ووقت ومال وكلمة.
إن أسر الأقصى لا يفك بالدموع وحدها، ولا بالأماني وحدها،
بالدعاء الخالص الذي يغير الأقدار،
بخطواتنا، وأقلامنا، وأصواتنا، وكل ما نملك من قدرات،
إنه أمانة في أعناقنا، وكل منا قادر أن يكون ناصراً له من موقعه.
فتحرير الأقصى واجب على كل مسلم، لا يسقط بالتقادم ولا يموت بالنسيان.
فلنكن صوتاً لا يسكت، وقلباً لا ينسى، ويداً لا تكل عن العطاء في سبيل فك أسره.
فطريق النصر والتمكين يُعبد بالصبر واليقين،
وبالعمل الدؤوب الذي لا يعرف اليأس،
وبالدعاء في جوف الليل الذي لا يُرد.
{وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38].
اللهم فك أسر الأقصى، وحرره من دنس الغاصبين، اللهم احفظه بحفظك، وكن له ناصراً ومعيناً، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا في هذه الأيام المباركة، واجعلنا من عتقائك من النار، ومن المقبولين في جوارك يا أكرم الأكرمين.
آمين، وآمين، وآمين.
اكتب مراجعة عامة