img
img

مقال: الحيانة بلغة الشريعة

img
الشبكة

مقال: الحيانة بلغة الشريعة


— اختطاف الخطاب الديني بين خدمة الكرسي وشرعنة الهيمنة والاصطفاف مع أعداء الأمة —


جمع وإعداد :الأستاذ الدكتور عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:


◇ تقديم وتأطير


اختطاف الخطاب الديني — الخطر الذي لا يُرى


في البدء: ليس كل خطرٍ يأتي بالصواريخ



حين يسمع المرء بالخطر يستحضر ذهنه صورةً واحدة: صاروخٌ ينطلق، أو جيشٌ يتقدَّم، أو قنبلةٌ تنفجر. وهذه الصورة وإن كانت حقيقيةً في بعض أبعادها فإنها تحجب خطراً آخر أشدَّ منها تأثيراً وأبعد أثراً وأعسر علاجاً — خطراً لا يُرى بالعين ولا يُقاس بحجم الخسائر الآنية، لكنه يُقاس بما يزرعه في عقول الأجيال وما يُحدثه في بنيان الهوية الجمعية للأمة.


إنه خطر اختطاف الخطاب الديني، وتحويله من أداة هدايةٍ وإصلاح واستنهاضٍ للأمة إلى سلاحٍ في يد من لا يُريد للأمة وحدةً ولا صحوةً ولا استقلالاً. ولو قُدِّر لمؤرِّخٍ منصفٍ أن يُقارن بين ما أحدثه هذا الاختطاف وما أحدثته الحروب المُعلَنة في تاريخ الأمة، لوجد أن أثره في هدم الوعي الجمعي وتفكيك التماسك الداخلي وتسهيل الاختراق الخارجي لا يقلُّ — بل يفوق في أحيانٍ كثيرة — ما أحدثته أشدُّ الحملات العسكرية تدميراً.


أولاً: الخطر من الداخل — أشدُّ وأمكر


ولا يزيد هذا الخطر إيلاماً وعُسراً في العلاج فحسب، بل يزيده التباساً وخداعاً أن أشدَّ صوره خطورةً لا تجري على يد الأعداء الظاهرين — فالعدو الظاهر يُوحِّد الأمة في مواجهته، ويُشحذ 


بوجوده الهمم، وتُستنفَر لمقاومته الطاقات.


إنما الخطر الحقيقي الكامن يجري على يد من يُنسبون إلى العلم والفقه من أبناء الأمة ذاتها؛ أولئك الذين يُضفون على الباطل هيبةَ الشريعة وصورتها، ويُلبِسون المنكرَ عباءةَ الدين وعمامةَ الفقيه، ويُحوِّلون المنبر من موقع الحق إلى موقع التبرير، والفتوى من حراسةٍ للدين إلى خدمةٍ للسلطان والأجنبي والطائفي في آنٍ واحد.


وحين يكون الفقيه هو أداة الاختطاف، يُصبح الأمر بالغ الخطورة لأسبابٍ ثلاثة لا تجتمع في عدوٍّ خارجي:


• السبب الأول: أنه يستعمل لغة الدين ذاتها في تدمير الدين، فلا تستطيع الأمة في البدء أن تميِّز بين كلام الهدى وكلام الهوى حين يأتيان من مصدرٍ واحد ويتكلَّمان بلسانٍ واحد.


• السبب الثاني: أنه يتحصَّن بالثقة التاريخية التي منحتها الأمة لمقام العلم الشرعي عبر القرون، فيستثمر رصيداً من الأمانة لم يبنه وميراثاً من الثقة لا يستحقه.


• السبب الثالث: أنه يُعطِّل آليات المناعة الذاتية للأمة؛ إذ 


تُحاسَب الأنظمة السياسية وتُنقد الأيديولوجيات الدخيلة، لكن الفقه الديني يحظى بهالةٍ من القداسة تجعل محاسبة حامله أصعب وأكثر كلفةً — وهذا بالضبط ما يستغلُّه المُوظَّفون.


 ثانياً: اللحظة التاريخية — لماذا الآن بالذات؟


لم يكن اختطاف الخطاب الديني وليد اليوم، فجذوره ضاربةٌ في أعماق التاريخ. لكن هذه اللحظة تحديداً تحمل من الخصائص ما يجعل الحديث عن هذه الظاهرة واجباً لا خياراً:


فالأمة اليوم تعيش في زلزالٍ حضاري متعدِّد المحاور في وقتٍ واحد: تدمير غزة، ومجلس (السلام) ،وحروبٌ تشتعل، وصواريخ تتساقط على سماء الجزيرة العربية وأنظمةٌ تتصدَّع، وهوياتٌ تُستهدَف، ومشاريع تفتيتٍ تعمل بلا هوادة ،ومشروع التوسعي الصهيوني يسير على قدم وساق وأحداث أفغانستان مع باكستان ...


وفي مثل هذه الزوابع يشتدُّ الحاجة إلى الخطاب الديني الصادق كما يشتدُّ الحاجة إلى البوصلة في العاصفة — ويشتدُّ في الوقت ذاته الطلب على الخطاب الديني المُزيَّف من كل جهةٍ تريد توظيف هذه العاصفة لمصالحها. فمن يستطيع اختطاف البوصلة 


في العاصفة يستطيع إيصال الأمة إلى حيث يُريد.


ثالثاً: منهج المقال وخارطته


يتناول هذا المقال ظاهرة اختطاف الخطاب الديني بالتحليل والتأصيل والبيان، مجلِّياً صورها المتعدِّدة ومُحذِّراً من تداعياتها على مستقبل الأمة وأجيالها، عبر ثمانية محاور متكاملة ومتسلسلة:


يبدأ بتشريح العلاقة الملتبسة بين الفقيه والسلطان وكيف يُصبح الفقه درعاً للظالم لا سيفاً للمظلوم، ثم ينتقل إلى شرعنة الاستعمار الجديد من تحت الطاولة بالفتوى والعمامة بدل الخوذة والمدفع، ثم يتناول توظيف المنابر لتأجيج الانقسام وصبِّ الزيت على نيران الفتنة الطائفية، ثم يكشف خطر الفقيه الداعي إلى الاصطفاف مع الرافضة وهو يُقدِّم للأمة سُمَّاً في كأس المقاومة، ثم يُثبت أن الرافضة والصليبيين وجهان لعملةٍ واحدة تُصرَف من حسابات الأمة لا من حسابات أحدهما، ثم يُحلِّل تحريف المسمَّيات الشرعية وتزوير الوعي الديني جيلاً بعد جيل، وصولاً إلى مسؤولية العلماء الربانيين والصمت الذي يُدين في اللحظات الفارقة.


رابعاً: الغاية والمآل


لا يهدف هذا المقال إلى تسجيل نقاطٍ في جدلٍ نظري، ولا إلى تصفية حساباتٍ مع أحد. هدفه شيءٌ أعمق وأثقل:


أن يُسهم في استعادة الأمة لأداة البصيرة الشرعية التي لا غنى لها عنها في قراءة صراعات عصرها وفهم حقيقة ما يجري حولها، بعيداً عن ضباب الدعاية وأوهام الشعار والتأويلات المُصطنعة.


وأن يُذكِّر العلماء والمفكرين والمصلحين بثِقَل الأمانة التي يحملونها، وبأن الصمت أمام اختطاف الخطاب الديني ليس حياداً بل مشاركةٌ صامتة في الجريمة بحكم التقصير.


وأن يُقدِّم للقارئ المُتدبِّر خارطةً شرعيةً وتحليليةً تُعينه على التمييز بين العالم الحر والعالم الموظَّف، وبين المنبر الصادق والمنبر المُختطَف، وبين الموقف الشرعي الحق والموقف السياسي الملبَّس بثوب الشرع.


فإن كان هذا المقال قد وفَّق في شيءٍ من ذلك فمن فضل الله وحده، وإن كان فيه قصورٌ فمن النفس والشيطان — والله 


المستعان وعليه التكلان، ونسأله سبحانه أن يُريَنا الحق حقاً ويرزقنا اتِّباعه، وأن يُريَنا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.


 ● المحور الأول: توظيف الفقه لخدمة الكرسي وتثبيت السلطان


"إنَّ أولى صور اختطاف الخطاب الديني وأقدمها في التاريخ هي تلك العلاقة الملتبسة بين الفقيه والسلطان، حين يتحوَّل العالم الديني من ناصحٍ أمين ورقيبٍ شرعي إلى وكيلٍ للكرسي ومُبرِّرٍ لقراراته."


تمهيد: العلاقة الأقدم والأخطر


ثمَّة علاقةٌ في تاريخ الأمم تُشبه الجمر تحت الرماد — لا تكاد تراها حتى تكتشف أنها أحرقت الكثير: إنها العلاقة بين العالِم والسلطان، بين صاحب الفتوى وصاحب القرار، بين من يملك مفاتيح الشريعة ومن يملك مفاتيح الخزائن.


هذه العلاقة حين تكون في نِصابها الصحيح تكون من أعظم أسباب صلاح الأمم وقيامها؛ إذ يُقوِّم العالمُ السلطانَ، ويُقوِّم السلطانُ الرعيةَ، وتجري الأمور في ظلِّ الشريعة وتحت سلطان الوحي. وحين تنحرف هذه العلاقة عن نِصابها تنقلب أداةً من أدوات 


الهدم: يُضفي العالم الشرعيةَ على السلطان، ويمنح السلطانُ العالمَ النفوذَ والحماية، ويدور كلاهما في حلقةٍ مغلقة تتآكل فيها الأمة من الداخل وهي لا تشعر.


وهذه الصورة — توظيف الفقه لخدمة الكرسي وتثبيت السلطان — هي أولى صور اختطاف الخطاب الديني وأقدمها في التاريخ وأشدِّها التصاقاً بواقع الأمة في كل عصر، وهي الجذر الذي تتفرَّع عنه سائر صور الاختطاف الأخرى — لأن العالم حين يرهن قلمه لصاحب الكرسي يكون قد سلَّمه مفاتيح كلِّ شيء.


أولاً: التأصيل الشرعي — الفقيه بين وظيفتَين


لا يمكن فهم الانحراف دون استيعاب الأصل الذي انحرف عنه؛ والأصل أن الفقه الإسلامي جعل للعالم الرباني موقعاً بالغ الخطورة في بنيان الأمة، يختلف اختلافاً جوهرياً عن موقع العالم في غير الإسلام من الأمم:


فالعالم في الإسلام ليس رجل دينٍ يُدير شعائر ويُنظِّم طقوساً ويُسبِغ البركة على الحكَّام في احتفالاتهم، بل هو وارث الأنبياء — كما قرَّر النبي ﷺ في قوله: "العلماء ورثة الأنبياء" — وميراث الأنبياء لم يكن ميراث الذهب والفضة، بل ميراث 


الرسالة: البيان والتبليغ والنصرة للحق والصدع به أمام السلاطين قبل العامة.


ولهذا قرَّر الفقهاء أن وظيفة العالم الرباني تقوم على ركيزتَين لا تنفصلان:


الركيزة الأولى — النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم: وقد قرَّر النبي ﷺ أن الدين النصيحة، وأن النصيحة لأئمة المسلمين واجبٌ لا يتنازل عنه العالم الحق مهما بلغت التكاليف.


الركيزة الثانية — الاستقلالية عن السلطة: وهي شرطٌ لازمٌ لصحة الأولى؛ إذ لا قيمة لنصيحةٍ تصدر من عالمٍ يملك السلطان قراره وعطاءه وأمانه. وقد بلغ هذا الشرط عند أئمة السلف مبلغاً بعيداً؛ فكانوا يتورَّعون عن قبول هدايا السلاطين وعطاياهم حتى لا يُوثَّق عليهم بالمنَّة، لعلمهم أن العطاء المادي قيدٌ معنوي لا يظهر في الوثيقة لكنه يعمل في خفاء.


ثانياً: تشريح الانحراف — كيف يتحوَّل الفقيه إلى وكيل الكرسي؟


لا يقع هذا الانحراف عادةً بقرارٍ واعٍ ولا بعقدٍ موثَّق؛ هو يسير في 


مسارٍ تدريجي تتراكم فيه التنازلات الصغيرة حتى يُصبح العالم في نهايته شيئاً مختلفاً كلياً عمَّا كان:


المرحلة الأولى — الصمت المُسوَّغ: حين تقع من السلطان جريمةٌ أو خطأٌ فادح، يجد العالم لنفسه مُبرِّراً للصمت: لا أريد إثارة الفتنة، لا أريد تفريق الكلمة، الأمر فيه اجتهاد... وهذا الصمت المُسوَّغ هو البذرة الأولى للتوظيف — لأن السلطان يتعلَّم من الصمت الأول أن هذا العالم يُمكن "التعامل معه".


المرحلة الثانية — الدفاع السلبي: ثم تأتي مرحلة الدفاع عن السلطان بالسكوت عمَّن يُنكر عليه، وتبرير قراراته بالاجتهاد وحسن النية وعدم توفُّر البديل. وهنا يتحوَّل العالم من مُحايدٍ إلى طرفٍ في معادلة السلطة دون أن يشعر.


المرحلة الثالثة — التبرير الإيجابي: وهي المرحلة التي تتحوَّل فيها الفتوى إلى أداةٍ لتبرير قرارات السلطان بعد وقوعها، لا لتوجيهه قبلها. فيُستدعى العالم لا ليُشير بل ليُصادق، لا ليُرشد بل ليُشرعِن. والفرق جوهري: الأول وظيفة الفقيه الحر، والثاني وظيفة الموظَّف.


المرحلة الرابعة — الاستيعاب الكامل: وعندها تتحوَّل المؤسسة 


الدينية برمَّتها إلى جهازٍ من أجهزة الدولة، لا تختلف وظيفتها عن وظيفة الإعلام الرسمي — بل ربما كانت أشدَّ خطراً لأنها تُضفي على قراراتها مسحةً دينيةً يصعب الطعن فيها.


ثالثاً: الجرائم الفقهية لعالِم الكرسي


حين يبلغ التوظيف ذروته يرتكب هذا الصنف من العلماء جملةً من الجرائم الفقهية الكبرى التي تُفسد الدين والأمة معاً:


الجريمة الأولى — قلب وظيفة الفقه:

الفقه شُرِع ليكون ميزاناً فوق الجميع — يزن به السلطان قبل الرعية، والقوي قبل الضعيف. فحين يُوظَّف الفقه أداةً بيد السلطان لضبط الرعية وإسكات المعارضة ينقلب الميزان، ويُصبح الفقه الذي أُنزل لنصرة المظلوم درعاً لحماية الظالم — وهذا من أشدِّ أنواع الاستحلال خطورةً: استحلال استعمال المقدَّس في تقديس الباطل.


الجريمة الثانية — تجريم النصيحة وإسكات الحق:

حين تُستعمل النصوص الشرعية لتجريم من يُنكر على السلطان ويُطالب بالإصلاح — بذريعة "طاعة ولي الأمر" و"درء الفتنة" و"النهي عن الخروج" — تُسرَق هذه المفاهيم الشرعية من 


سياقها الصحيح وتُوظَّف في عكس ما جاءت من أجله. فـ"طاعة ولي الأمر" مشروطةٌ بالمعروف، و"درء الفتنة" لا يكون بإقرار الظلم، و"النهي عن الخروج" لا يعني الصمت على المنكر.


الجريمة الثالثة — أكل الحقوق بالفتوى:

وهي من أفدح الجرائم وأشدِّها إيلاماً؛ حين تُستعمل الفتوى أداةً لإضفاء الشرعية على نهب الثروات وتوزيع المناصب والامتيازات خارج ضوابط الشريعة، فيُسبِغ العالم على صفقاتٍ فاسدة وسياساتٍ مُجحفة ثوبَ الحلال، ويُحوِّل الحرام إلى مسألةٍ خلافية تحتمل رأيَين. وقد قرَّر الفقهاء أن أشدَّ الناس وِزراً من استعمل علمه في إباحة ما حرَّم الله بإيعازٍ من صاحب غرضٍ أو نفعٍ دنيوي.


الجريمة الرابعة — هدم المناعة الشعبية الدينية:

وهذه تتجاوز الفرد وتطال الأمة جمعاء؛ لأن المواطن المسلم حين يسمع الفتوى الدينية يُعلِّق قلبه بها ثقةً في مصدرها — فإذا كان مصدرها مُلوَّثاً بالتوظيف تولَّد عنه واحدٌ من خيارَين كلاهما كارثة: إما أن يقبل المواطن الفتوى فيُسلِم عقله وقراره للسلطة باسم الدين، وإما أن يكتشف التلاعب فيُسقط ثقته في الفتوى كلياً — ويكون الدين هو الضحية في كلا الحالَين.


رابعاً: صورٌ من تاريخ الأمة — عبرةٌ لا تزوير



لم تخلُ حقبةٌ من حقب التاريخ الإسلامي من هذه الظاهرة، غير أن الذين عرفهم التاريخ بخيرٍ وصدقٍ هم العلماء الذين أبوا التوظيف ودفعوا ثمنه:


أبى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أن يُوافق السلطة العباسية على مسألة خلق القرآن مع ما لحقه من سجنٍ وجلدٍ وأذى — فكان في رفضه درساً باقياً عبر القرون أن العالم الحر يُسجَن ولا يُساوم.


وأبى الإمام مالك رحمه الله أن يُفتي بما يُريده الخليفة حين طلب منه إلزام الناس بالموطَّأ، فكانت ثقته بالعلم أعلى من ثقته بسلطة السلطان على الناس.


وأبى شيخ الإسلام ابن تيمية أن يُبرِّر لسلاطين عصره ما لا تُجيزه الشريعة، فلقي من السجن والمحنة ما لقي — وبقيت كتبه تُعلِّم الأمة بعد سبعة قرون.


في المقابل كان علماء الصمت والتبرير يُتداولون في أيامهم ثم يسقطون في نسيانٍ تام، أو ما هو أشدُّ من النسيان: يبقون في ذاكرة الأمة شواهدَ على الخزي لا على الفضل.



وقد صدق من قال: "لو لم يكن في الدنيا إلا عالِمان: أحدهما يُقرِّب السلطان وصاحبه يُبعِّده — لكان الأول أشدَّ خطراً على الدين من ألف جاهل."


خامساً: الضابط الشرعي الفاصل — أين يقف العالم؟


ولأن الأمر لا يعني إطلاقاً تحريم العلاقة بين العالم والسلطة، بل ضبطها في نِصابها الصحيح، فقد قرَّر الفقهاء جملةً من الضوابط الفاصلة:


الضابط الأول: أن يكون العالم هو من يُقرِّر الحكم ويبلِّغه للسلطان، لا أن يكون السلطان هو من يُقرِّر القرار ثم يستدعي العالم ليُزيِّنه.


الضابط الثاني: أن تكون العلاقة بين العالم والسلطة علاقة نصيحةٍ لا تبعية، ونصيحةُ الناصح الحر تختلف جوهرياً عن تقرير الموظَّف الخاضع.


الضابط الثالث: أن يحتفظ العالم باستقلاليته المادية والمعنوية؛ فلا يأكل من يد من يُفتي له، ولا يَقبل مكافأةً على فتوى، ولا 


يتموَّل من جهةٍ يتكلَّم في شأنها.


الضابط الرابع: أن يكون الصدق مع الأمة معياره الأوَّل؛ فإذا تعارضت مصلحة الحاكم مع مصلحة الأمة قدَّم مصلحة الأمة بلا تردُّد، وإذا تعارض إرضاء السلطان مع الحق اختار الحق وإن كان فيه ما يُغضب السلطان.


خاتمة: العمامة بين الحرية والخدمة


العمامة حين تُرتدى فوق رأسٍ حرٍّ تكون أشدَّ سلاحاً في وجه الظلم من كلِّ رمح وكلِّ سيف. وحين تُرتدى فوق رأسٍ مُباعٍ تكون أخطر أدوات الظلم لأنها تمنحه الشرعية التي لا يملكها بنفسه.


والفرق بين العالِم الحرِّ والعالِم المُوظَّف ليس في الكتب التي قرأها ولا في الدروس التي حضرها، بل في سؤالٍ واحد يُجيب عنه قلبه قبل لسانه: حين أُفتي — أُفتي خشيةً من الله أم حرصاً على الكرسي؟


وقد قالها أئمة الإسلام صريحةً لا تحتمل التأويل: إيَّاكم وأبواب السلاطين، فإن القيام عليها فتنة، والجلوس عندها فتنة، والنظر إليها فتنة — فكيف بمن باع فتواه على أعتابها؟



● المحور الثاني: شرعنة الاستعمار الجديد من تحت الطاولة

تمهيد: حين تُصبح الفتوى مفتاحاً للاحتلال الصهيو صليبي

وتتصاعد الخطورة درجةً أعلى وأمسَّ، حين لا يقتصر هذا التوظيف على خدمة الكرسي السلطاني في الداخل، بل يمتدُّ ليتجاوز الحدود والأسوار، فيُشرعن الوجود الأجنبي العسكري في ديار المسلمين، مُلبِّساً إياه بمسمَّياتٍ مُلمَّعة من قبيل: الحماية الأمنية، والشراكة الاستراتيجية، والتحالف الدفاعي، والتعاون المشترك — وكلها أسماءٌ صِيغت بعناية باردة لتُمرِّر مضموناً واحداً لا يتبدَّل: الهيمنة الأجنبية على أرض المسلمين وقرارهم وثرواتهم.

فتُمنح القواعد العسكرية الأجنبية غطاءً دينياً وسياسياً، ويُستدعى الفقهُ المُشوَّه مَسخاً ومُعوَجٌّ استدلالاً، ليُنتزع منه ما يُبرِّر الارتماء في أحضان القوى الكبرى، ويُضرب بعرض الحائط مفهوم الولاء والبراء الذي هو عمودٌ من أعمدة هذا الدين لا يقبل المساومة ولا يحتمل التحايل.

أولاً: تسمية الشيء باسمه — الاستعمار لا يتغيَّر بتغيير ثوبه

إن أوَّل واجبات الفقيه الصادق في مواجهة هذه الظاهرة هو التسمية الصريحة؛ إذ الحكم على الشيء فرعٌ من تصوُّره، والتصوير الصحيح يسبق الحكم الصحيح. وما هذا الوجود العسكري الأجنبي في حقيقته الصريحة إلا:

استعمارٌ جديد، لا يدخل من الباب الأمامي بخوذةٍ عسكرية وراياتٍ مرفوعة، بل يتسلَّل من تحت الطاولة في بدلةٍ دبلوماسية، يستظل بفتوى العالم بدل مدفع الإنزال، ويُوظِّف العمامة حيث عجز عنها الدبابة.

والاستعمار الذي يأتيك بإذنك وبركةِ فقيهك لا يقلُّ استعماراً عن ذاك الذي أتاك رغماً عنك بقوة الحديد والنار؛ بل ربما كان أشدَّ خطراً وأعسر خلاصاً، لأنه يُطفئ جذوة المقاومة في النفوس، ويُحوِّل الاحتلال من قضيةٍ ترفضها الأمة إلى واقعٍ تألفه وتستسيغه، بل تُدافع عنه.

وقد قرَّر الفقهاء أن تغيير الأسماء لا يُغيِّر الأحكام، وأن المحرَّم بوصفه لا يحلُّ بتغيير اسمه، وأن من صاغ للباطل اسماً جميلاً كان شريكاً في الباطل لا مُشرِّفاً للاسم.

ثانياً: المفارقة الصارخة — العلماء الأوَّلون والعلماء المُبدَّلون

ولعل أشدَّ ما في هذه الظاهرة إيلاماً وإذهالاً تلك المفارقة التاريخية الصارخة التي تُعلن عن نفسها بوضوح لا يحتاج مزيداً من البيان:

حين دخل الاستعمار القديم — الفرنسي والبريطاني والإيطالي والهولندي — بلاد المسلمين بقوة الحديد، هبَّ العلماء وثاروا وأفتوا؛ أفتى الشيخ عبد الحميد بن باديس بوجوب مقاومة الاحتلال الفرنسي، وكان الأزهر منبراً للجهاد لا مقعداً للإذعان، وحرَّم علماء الجزائر والمغرب وليبيا وغيرها الاستسلامَ للمستعمر، ونصَّ فقهاء الهند وجاوة وغيرها على أن الاستعانة بالكافر لتثبيت حكم المسلم لها حدودٌ وضوابط لا تُتجاوز، وأن التمكين للكافر من أرض المسلمين حرامٌ قولاً واحداً.

أما اليوم، فالاستعمار الجديد لا يحتاج إلى معركة ولا إلى دماء؛ هو يحتاج فقط إلى فقيهٍ يُصدر الفتوى، ومسؤولٍ يُوقِّع الاتفاقية، وإعلامٍ يُرسِّخ الرواية. ويجد هذا الاستعمار من يفتح له أبواب الديار، ويُمسك بمقبضها من الداخل، ويُزيِّن له الأعتاب بعمامةٍ بيضاء وفتوى مكتوبة، بل ويُقنع أبناء الأمة بأن الباب المفتوح للمستعمر إنما هو باب الحماية والاستقرار لا باب الذل والاستتباع.

ثالثاً: ثلاث خياناتٌ في آنٍ واحد — تركيبٌ جرميٌّ غير مسبوق

ما يجعل هذه الجريمة بالغة الخطورة فريدةً في بابها أنها لا تقع في حقلٍ واحد، بل تجمع في آنٍ واحد بين ثلاث خياناتٍ كبرى تتضافر في هدم الأمة من ثلاثة اتجاهاتٍ في وقتٍ واحد:

الخيانة الأولى: خيانة الدين

حين يُوظَّف الدين لتبرير التبعية وشرعنة الاحتلال المُقنَّع، فإن الدين ذاته يُؤتى من بابٍ هو مبنيٌّ أصلاً لحمايته. وهذا هو أشدُّ أنواع الغدر بالدين؛ لأنه لا يأتي من خارجه بل يأتي من داخله، يستعمل لغته وأدواته ومفاتيح قلوب أتباعه. وقد حذَّر النبي ﷺ في الحديث الصحيح من هذا النوع تحديداً حين قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" — فالخطر ليس في الجاهل الظاهر جهله، بل في العالم الذي يوجِّه علمه في غير وجهته.


الخيانة الثانية: خيانة الأمة

حين تُفرض على الأمة سيادةٌ أجنبية بموافقة أبنائها وعلمائها، 

فإن الجريمة تُضاف إلى قاموس الخيانة لا إلى قاموس السياسة. والسيادة في الفقه الإسلامي ليست ملكيةً خاصة بالحاكم يتصرف فيها كيف يشاء، بل هي أمانةٌ تاريخية في عنقه أمام الله أولاً وأمام الأمة ثانياً وأمام الأجيال القادمة ثالثاً. فمن أوقع فيها بتوقيعه، ومن أجازها بفتواه، كلاهما حاملٌ لوزرٍ لن تُبرِّئ منه المناصب ولن تُغطِّيه السياسات.

الخيانة الثالثة: خيانة العلم ذاته

وهذه ربما كانت أم الخيانات وأصلها؛ لأن الفقيه حين يتحوَّل من حارسٍ للحق إلى حارسٍ للكرسي والقاعدة معاً، فإنه لا يُسيء إلى أمته فحسب، بل يُسيء إلى العلم الشرعي في ذاته، ويُحوِّله من ميزانٍ يُستعان به على الأهواء إلى سلاحٍ يُوظِّفه أصحاب الأهواء.

وقد بنى الفقهاء الأوَّلون تعريف الفقيه المعتبر على الاستقلالية عن السلطة؛ فاشترطوا في المفتي والقاضي والحاكم الشرعي أن يكون بعيداً عن مواطن التهمة، مأموناً على استقلاله في الحكم، غير مرتبطٍ بمن يُفتي له بعلاقاتٍ تُفسد الحكم أو تُلوِّث الفتوى. فإذا غاب هذا الشرط سقطت الثقة في الفتوى قبل أن تُساءل في مضمونها.

رابعاً: التأصيل الشرعي — ما لا يسع الفقيه جهله

ثمة مسائل فقهية محسومة في تراث علماء الأمة يجب استحضارها في مواجهة هذه الدعوى:

أولاً: نصَّ الفقهاء على أن إقامة القوى الكافرة في أرض المسلمين وتمكينها من الاستراتيجيات العسكرية — سواءٌ سُمِّي قاعدةً أو شراكةً أو حضوراً استشارياً — يندرج تحت التحكيم والنصرة المحرَّمة حين يكون على حساب سيادة الأمة وقرارها المستقل.

ثانياً: أن ضابط التحالف المُباح في الفقه الإسلامي أن يكون تحالفاً تكتيكياً مؤقتاً لدرء ضررٍ أشد وأعجل، مع صون السيادة والقرار والأرض، لا تسليماً للمقاليد واستدعاءً للهيمنة وتمكيناً دائماً لا يَنقضي.

ثالثاً: أن الفقيه المُعتبر الذي يتصدَّر السياسة الشرعية مطالَبٌ بأن يُفرِّق بين الاضطرار الحقيقي والاضطرار المصنوع؛ فكثيرٌ مما يُقدَّم باسم الضرورة والاضطرار إنما هو اضطرارٌ تصنعه الإرادة السياسية للسلطة ثم يُؤتى بالفقيه ليُبرِّره — والمضطرُّ لا يُصنع اضطراره بيده ثم يستفتي فيه بلسانه.


خاتمة: العمامة التي يرهبها الاستعمار

والأمة —حين تستعيد حاسة التمييز المعطَّلة— لا تحتاج أن تقرأ في كُتب الغرب تعريف الاستعمار، هي تستطيع أن تعرفه بمعيارٍ واحد بسيط: أيُّ وجودٍ أجنبي يَحكم ولا يُحاسَب، ويأخذ ولا يُردُّ، ويُقرِّر ولا يُشارك — فهو استعمارٌ بغير خلاف، سواءٌ لبس الخوذة أم الربطة.

وقد كان الاستعمار التاريخي يعلم تماماً أن العمامة الصادقة كانت أخطر أعدائه، لأنها هي التي تُشعل الأمة وتُجيِّش الوجدان وتُشرعن المقاومة. ولهذا كان أول همِّه أن يُفسدها أو يُحيِّدها أو يستبدلها بعمامةٍ أخرى يدفع ثمنها ويملك قرارها.

فالعبرة الكبرى: ليس كل من يلبس العمامة يحمل أمانتها، وليس كل من يتكلم بلغة الفقه يُؤتمن على مصائر الأمة.

والمحكُّ الأوَّل والأخير: هل يقف العالم حين يُفتي حيث يقف الحق، أم يقف حيث يقف الكرسي؟


● المحور الثالث: استخدام المنابر لتأجيج الانقسام وتفتيت الأمة

 — من أمانة البيان إلى سلاح التمزيق —

ولا تقتصر آفة التوظيف الديني على خدمة الحكومات  والأجنبي، بل تمتد في صورةٍ أشد خطراً وأبعد أثراً إلى تأجيج الانقسام الداخلي وصبِّ الزيت على نيران الفتنة الطائفية والمذهبية، وهذا الامتداد بالذات هو ما يجعل هذه الآفة مُضاعَفة الخطورة، لأنها لا تضرب الأمة من خارجها بل تنخرها من داخلها، ولا تأتيها بسيفٍ مشهور بل بمنبرٍ مزيَّن ولسانٍ معسول.

• المنبر: أمانةٌ كبرى قبل أن يكون حقاً مكتسباً

المنبر في الشريعة الإسلامية ليس ملكاً لصاحبه يتصرَّف فيه كيف يشاء، بل هو أمانةٌ شرعية موصوفة تقتضي من حاملها أن يكون صوتاً للحق لا صدىً للهوى، وجامعاً للكلمة لا فارقاً للصفوف، وكاشفاً للعدو الحقيقي لا مُوجِّهاً للسهام نحو أبناء الأمة الواحدة.

وقد حدَّد علماء الإسلام وظيفة المنبر في ثلاثة مقاصد كبرى لا تقوم إلا بها:

أولها : البيان والتعليم حين تشتبه الأمور على الناس ثانيها : 

الإرشاد والتوجيه حين تضطرب المسالك وتتعدد السبل

ثالها : الصدع بالحق ونصرة المظلوم حين يعلو الباطل ويُسكَت عن تسميته.

 فإن انقلب المنبر عن هذه المقاصد الثلاثة أو انحرف عنها، فقد خرج عن وظيفته الشرعية وصار ضرراً يجب دفعه لا خيراً يجب حمايته.

• آليات التوظيف: كيف يُحوَّل المنبر إلى سلاح؟

إنَّ التوظيف الممنهج للمنبر في خدمة الانقسام لا يجري دائماً بصورةٍ فجَّة مكشوفة يسهل على العامة رصدها، بل يسلك مسالك أكثر دقةً وأشد إيقاعاً في الأنفس، وأبرزها ثلاث آليات متكاملة تعمل في الغالب معاً لا منفردة.

الآلية الأولى: انتقاء الرواية وتضخيم الجرح. وذلك حين يُركِّز الخطاب المنبري على استحضار بتلبيس وتدليس  جراح التاريخ ومظالم الطوائف بعضها على بعض، وينزلها في خير موضعها ويُضخِّمها ويُديمها ويُحوِّلها من صفحاتٍ لا علاقة لها بواقعنا عملياً إلى جمرٍ حيٍّ يكفي نفخةٌ واحدة لاشتعاله، - كنعت المصلحين والمطالبين بتحكيم الشريعة و المقاومين للعدو الخارجي من أهل السنة بالخوارج - وهذا بعينه ما حذَّر منه كبار 

العلماء حين نبَّهوا إلى أنَّ إذكاء نار الفتنة بين أهل القبلة هو من أعظم الذنوب وأبعدها عن مقاصد الشريعة.

والآلية الثانية: التحريض بلغة الحق. وهي الأخطر على الإطلاق، إذ يُستخدم فيها الخطاب الشرعي الصحيح في ظاهره من آياتٍ وأحاديث وأقوال علماء، لكنه يُوظَّف توظيفاً انتقائياً مبتوراً عن سياقه ومقاصده لإنتاج خطابٍ تحريضي طائفي. وهذه هي الحيلة التي يصعب الخلاص منها على غير المتخصص، لأنَّ الباطل حين يتلبَّس لباس الحق يكون أشد إيقاعاً وأصعب نقضاً من الباطل الصريح.- كإجرام المداخلة-

والآلية الثالثة: تغييب العدو الحقيقي. وذلك حين يشغل المنبر طاقة الأمة وانتباهها ووقودها الوجداني في صراعاتٍ داخلية بينما يمر العدو الحقيقي آمناً لا يُذكَر أو يُذكَر على الهامش. وهنا يتحوَّل المنبر بغير قصدٍ أحياناً، وبقصدٍ أحياناً أخرى، إلى أداةٍ تخدم مشروع التفتيت الخارجي من الداخل.

 • الفتنة الدينية الداخلية أشد من الحرب الخارجية

ثمة حقيقة يغفل عنها كثيرون، وهي أنَّ الفتنة الدينية الداخلية أشد تدميراً للأمة من الحرب الخارجية في أغلب الأحوال، لأنَّ 

الحرب الخارجية توحِّد الصفوف وتُنضج الإرادة الجمعية وتكشف العدو، أما الفتنة الداخلية فتفعل العكس تماماً: تُمزِّق الصفوف وتستنزف الطاقات وتشغل الأمة عن عدوها الحقيقي بعدوٍّ مصطنع من داخلها.

وقد أدرك عقلاء العلماء هذه الحقيقة، فكان موقفهم في أوقات الفتن الكبرى الامتناع عن إذكاء نارها وإن كانوا يرون لأنفسهم رأياً في مسائل الخلاف، لأنَّ مقصد حفظ وحدة الأمة وصون دمائها وصفِّ كلمتها أمام الأعداء كان في ميزانهم أرجح من الانشغال بتلك الخلافات في غير وقتها ولا مكانها.

• الاستهداف الخارجي: من يوظِّف المنبر ولماذا؟

وقد أدرك أعداء الأمة هذه الثغرة الخطيرة قبل أن يُدركها كثيرٌ من أبنائها، فبنوا عليها استراتيجياتٍ ممنهجة طويلة المدى لتوظيف المنابر والقنوات الدينية والمنصَّات الإعلامية أداةً في مشروع تفتيت الهوية الجمعية الإسلامية. إذ لا شيء يُفكِّك الأمم من الداخل أسرع وأرخص من الفتنة الدينية المُوجَّهة، فهي لا تحتاج إلى جيوشٍ ولا أسلحة، تكفيها قناةٌ ممولة وداعيةٌ موظَّف وخطابٌ مُعدٌّ بعناية يُشعل النار ثم يتركها تأكل وقودها من الداخل.

والشواهد على هذا التوظيف الخارجي كثيرةٌ موثَّقة في التاريخ المعاصر، من تمويل قنواتٍ بعينها في مراحل الصراع الإقليمي، 

إلى دعم خطباء التحريض المذهبي في مناطق التوتر، إلى تصنيع فتاوى ومحتوى ديني مُثيرٍ للانقسام يُضخُّ في مواسم الأزمات بدقةٍ تكشف أنها ليست عفويةً بل مُبرمَجة تخدم أجنداتٍ خارجية محددة.

• الواجب في مواجهة هذه الآفة

الواجب في مواجهة هذه الآفة يقوم على ركيزتَين متكاملتَين لا تقوم إحداهما بدون الأخرى.

 الأولى هي الكفُّ عن كل خطابٍ يُذكي الفتنة بين المسلمين أو يستثمر جراح التاريخ في غير سياق العلم الهادئ البعيد عن التحريض. 

والثانية هي المبادرة الإيجابية بخطابٍ يُوحِّد الأمة على ما يجمعها من أصول العقيدة والمصير المشترك، ويُوجِّه طاقتها الوجدانية والفكرية نحو مواجهة التحديات الحقيقية بدلاً من استنزافها في معارك داخلية لا تُفيد إلا أعداءها.

وخلاصة القول أنَّ المنبر الذي يُفرِّق حيث يجب أن يجمع، ويُشعل حيث يجب أن يُطفئ، ويُضخِّم الجرح الداخلي حيث يجب أن يُشير إلى الخطر الخارجي، هذا المنبر لم يخن أمانته وحسب، بل صار بحق أداةً في يد أعداء الأمة سواءٌ علم صاحبه بذلك أم لم يعلم، وفي كلتا الحالتَين تبقى المسؤولية قائمةً لا تسقط.


● المحور الرابع: تلبيس صراع النفوذ لباس الجهاد والمقاومة والممانعة 


وفي سياقٍ متصل، يأتي خطرٌ آخر لا يقل عن سابقيه، وهو تلبيس صراعات النفوذ الإقليمية لباس الجهاد والمقاومة الإسلامية.

خطر الفقيه الداعي إلى الاصطفاف مع الرافضة

تمهيد: أخطر صور اختطاف العقل الأمة

وهنا نصل إلى صورةٍ من أشدِّ صور هذا الاختطاف خطورةً، وأكثرها التباساً على العقل الجمعي للأمة، وأعسرها علاجاً؛ لأنها تأتي مُلبَّسةً بلباس العلم الشرعي، ومُوشَّحةً بخطاب الرفض والمقاومة، وهي: تلك الدعوة التي يرفعها بعض من يُنسبون إلى العلم الشرعي للاصطفاف مع الرافضة الصفوية، بحجة أنها تُقاتل أمريكا وإسرائيل، وتتعرض لهجماتهما وضغوطهما.

والخطر في هذه الصورة مضاعف؛ لأن صاحبها لا يحمل سلاحاً بيده، بل يحمل ما هو أمضى من السلاح: منصباً علمياً يُضفي 

الشرعية على الانحراف، فيُسقط حصانة الأمة العقدية من الداخل، دون أن تَشعر بطعنٍ، ودون أن تُدرك ثلمةً.

أولاً: تشريح المغالطة الجوهرية — مغالطة العدو المشترك

تقوم هذه الدعوة في جوهرها على مغالطةٍ منطقية وشرعية خطيرة، يمكن صياغتها على النحو الآتي:

"ما دامت إيران تُعادي أمريكا وإسرائيل، فهي إذن في صفِّنا، وعداؤها لعدوِّنا يجعلها حليفاً طبيعياً لقضايا الأمة."

وهذا المنطق يُجيب عنه الفقه الإسلامي بوضوحٍ قاطع لا لَبس فيه ولا احتمال:

عداوةُ عدوِّك لعدوِّك لا تجعله صديقك، وعِدادُه في خصوم خصومك لا يُدرجه في حلفاء دِينكفالذئاب لا تكفُّ عن كونها ذئاباً لمجرد أنها تتعادى فيما بينها، والأفاعي لا تُصبح حيَّاتٍ أليفةً لمجرد أنها تقتل أفاعيَ أخرى. وقد قرَّر أئمة الفقه والسياسة الشرعية أن التحالف مع طائفةٍ على أساس الشراكة في العداوة لا على أساس الاتفاق في الدين والمنهج هو من أخطر أبواب الفتنة وأشدِّها هدماً لبنيان الأمة.

بل إن الواقع التاريخي يُثبت أن الرافضة الصفوية لم تكن يوماً جبهةً مواجِهةً حقيقيةً للمشروع الغربي الصهيوني، وإنما كانت —في أحيانٍ كثيرة— أداةً من أدوات إعادة رسم خرائط المنطقة، غير أنها أتقنت تسويق نفسها بخطاب المقاومة لاستدراج السُّذَّج من أبناء الأمة وعلمائها.

ثانياً: الأخطاء المنهجية الجسيمة لهذا الفقيه

إن الفقيه الداعي إلى هذا الاصطفاف لا يرتكب خطأً فردياً عارضاً، بل يُصادر على منظومةٍ كاملة من الثوابت الشرعية والمنهجية، ويقع في جملةٍ من الأخطاء الجسيمة التي يمكن إجمالها فيما يأتي:

١. تعطيل ميزان الولاء والبراء الشرعي وإحلال منطق الجغرافيا السياسية محلهالولاء والبراء في الفقه الإسلامي المعتبر حكمٌ شرعيٌّ مُقعَّد بدليل الكتاب والسنة والإجماع، مبناه على الدين لا على المصلحة الآنية، ولا على الموقف السياسي المتحوِّل. فحين يُبيح هذا الفقيه الاصطفاف مع الرافضة استناداً إلى موقفهم من أمريكا وإسرائيل، فإنه يُعطِّل هذا الميزان العقدي الكبير، ويُحلُّ محله ميزاناً سياسياً براغماتياً لا يُعرفه الفقه الإسلامي، ولا تُسوِّغه نصوص الوحي، وقد نهى الله جل وعلا عن موالاة من يُعادون الدين وإن كانوا أقاربَ في النسب، فكيف بمن كان عدوَّ الدين ذاته؟!

٢. البناء على الدعاية الإعلامية بدلاً من التحقيق الشرعي يبني هذا الفقيه موقفه على صورةٍ إعلامية مُصنَّعة بعناية فائقة، تُصوِّر الرافضة الصفوية مقاومةً دينيةً وسياسيةً، وتُخفي خلف هذه الصورة المشروعَ التدميري الحقيقي الذي طال العراق وسوريا واليمن ولبنان ...، ومزَّق النسيج الاجتماعي لهذه الشعوب، وحوَّل حواضر الإسلام إلى ركامٍ وأشلاء.

وشرط الفقيه العدل في السياسة الشرعية أن يتثبَّت من الواقع قبل إصدار الحكم، وألا يكتفي بما تُروِّجه وسائل الإعلام المُوجَّهة. فإذا أصدر حكمه بناءً على صورةٍ مُشوَّهة للواقع، كان فقهه —مهما بلغ في دقة الاستدلال— فقهاً في الفراغ، لا يُصيب الحقيقة، ولا يُسدِّد السياسة، ولا يُنصف الأمة.

٣. تشريع الانجرار خلف المشروع العقدي الرافضي وتسهيل الانزلاق إليه حين يُسبِغ هذا الفقيه شرعيةً على الاصطفاف مع الرافضة، فإنه في الحقيقة يُفتح باباً واسعاً أمام شبابٍ مسلم قد لا يملك من الأدوات العقدية ما يصونه من الانجرار الكامل. وذلك أن الدخول في هذا الاصطفاف يعني —سواءً أراد الفقيه أم لم يُرد— التطبيعَ التدريجي مع طائفةٍ تقوم عقيدتها على:

- الشرك بالله من خلال تعظيم الأضرحة والدعاء إلى الأموات واستغاثتهم

- تكفير صحابة رسول الله ﷺ جملةً وتفصيلاً إلا نفراً يسيراً

- الطعن في أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وفي مقدمتهن أم المؤمنين عائشة الصدِّيقة بنت الصدِّيق

- تحريف كتاب الله في روايات صريحة وثَّقها علماء الفرقتين

فأيُّ شرعيةٍ يملك فقيهٌ يُسوِّغ الوقوف مع هذا المشروع العقدي والتحالف مع حَمَلَته؟!

٤. الإسهام في إدامة الغفلة عن الخطر الصفوي الوجودي لعل أشد ما في هذا الخطأ خطورةً أنه لا يقتصر على صاحبه، بل يُسهم في تعمية بصيرة الأمة عن خطرٍ وجودي حقيقي. فالمشروع الصفوي لم يَكتفِ بالاختلاف المذهبي التاريخي، بل تحوَّل في عقود الأخيرة إلى أداةٍ سياسيةٍ ميليشياويةٍ مُنظَّمة، استأصلت أهل السنة من مناطق كاملة في العراق، وأعادت رسم ديموغرافيا سوريا ولبنان، وجنَّدت الأقليات الشيعية في الدول العربية ضد أوطانها. وكل ذلك جرى تحت شعار "المقاومة والممانعة"، فكان الشعار وقوداً لمشروع تمزيق الجسد الإسلامي من الداخل.

فالفقيه الذي يُغيِّب هذه الحقيقة عن مستمعيه —عمداً أو جهلاً— لا يُقدِّم خدمةً لقضايا الأمة، بل يُشارك في تزوير الواقع، وإمداد المشروع التدميري بشرعيةٍ دينية ما كان يحلم بها.


ثالثاً: التأصيل الشرعي الذي يُسقط هذه الدعوة من جذورها

يكفي في إسقاط هذه الدعوة من أصولها الشرعية أن نستحضر ثلاثة ضوابط فقهية كبرى:

الضابط الأول: أن الولاء الشرعي لا يُبنى على العداوة المشتركة بل على الاشتراك في الدين والمنهج، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، فالمحور الذي تدور عليه الموالاة هو الإيمان، لا حسابات الربح والخسارة الجيوسياسية.

الضابط الثاني: أن درء المفسدة الكبرى مُقدَّمٌ على جلب المصلحة الصغرى؛ وما يترتب على هذا الاصطفاف من إضعاف عقيدة الأمة وإعطاء الشرعية لمشروعٍ ناقضٍ للتوحيد يُعدُّ مفسدةً عُظمى لا تُقارَن بأي مصلحةٍ ظرفية موهومة.

الضابط الثالث: أن الفقيه المتصدِّر للفتوى في السياسة الشرعية مطالَبٌ بأن يكون من أبصر الناس بواقعه، وأن لا تُخدعه الأسماء والشعارات؛ فـ"المقاومة" اسمٌ، والحكم يدور على المسمَّى لا على الاسم، ومن قاوم عدواً خارجياً ليُحكم قبضته على المسلمين الداخليين فليس مُقاوِماً في الحقيقة، بل هو طاغيةٌ لبس ثياب المجاهدين.

خلاصة وتحذير

إن خطورة هذا الفقيه لا تتوقف عند حدود فتواه الخاطئة، بل تمتد إلى ما تُحدثه هذه الفتوى من إرباكٍ في منظومة الولاء والبراء، وتعطيلٍ للبصيرة الجمعية للأمة، وتسويغٍ للانجرار خلف مشروعٍ يستهدف هوية الأمة في صميمها.

وقد كان علماء السنة الأثبات عبر التاريخ يُميِّزون بين الفقيه الذي يُنير الطريق، والمتعالِم الذي يُزيِّن الضلال، وبين من يحمل ميزان الشرع ليزِن به الأحداث، ومن يحمل الأحداث ليُزيِّف بها ميزان الشرع.

فليتقِ الله هؤلاء الذين آتاهم الله منصباً علمياً، فجعلوا علمهم دِرعاً للباطل، ومِجَنَّاً لمشاريع تدمير الأمة، وليعلموا أن وِزر من ضلَّ بفتواهم يتضاعف عليهم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.

هذا المحور جزءٌ من منظومة تحليلية أشمل تتناول آليات اختطاف العقل الإسلامي، والله المستعان.


● المحور السادس: الرافضة والصليبيون وجهان لعملةٍ واحدة

إنَّ الناظر بعينٍ فاحصةٍ في خارطة الصراع يُدرك حقيقةً جوهرية لا ينبغي للعقلاء التغافل عنها:

كلٌّ من المشروع الصفوي الإيراني والمشروع الغربي الأمريكي الإسرائيلي يريد بهذه الأمة سوءاً، وإن اختلفت الأدوات وتباينت المراحل وتنوَّعت الواجهات الرافضة والصليبيون — وجهان لعملةٍ واحدة والصواريخُ شاهدٌ لا يُكذَّب

تمهيد:

حين تكتب الصواريخ ما عجز عنه الجدل كان هذا التحليل يستند إلى تاريخٍ متراكم ووقائع مُتشعِّبة، أما اليوم فقد أغنت الأحداث عن كثيرٍ من الجدل؛ إذ جاءت الصواريخ الإيرانية في 28 فبراير 2026 لتكتب بلغةٍ لا تحتمل التأويل ما عجزت المجادلات الفكرية عن إقناع البعض به عقوداً، وكشفت في أيامٍ معدودة عن حقائق ظلَّت مُغطَّاة بأثواب "المقاومة" و"الممانعة" سنواتٍ طويلة.

ففي ذلك الصباح شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتٍ منسَّقة على إيران في عملية أُطلق عليها "الأسد الزائر"، طالت قياداتٍ إيرانية رفيعة وبنيةً عسكريةً واسعة. فكيف ردَّت إيران؟

أطلقت وابلاً من الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة نحو تل أبيب وإسرائيل من جهة، ونحو السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن من جهةٍ أخرى — بذريعة أنها تستهدف القواعد الأمريكية في تلك الدول. — لا باتجاه واشنطن مباشرة -

أولاً: وقائع الساعة — الأرقام والحقائق الموثَّقة

الأرقام التي وثَّقتها البيانات الرسمية لوزارات الدفاع في دول المنطقة تتحدَّث بنفسها:

منذ انطلاق الهجمات فجر السبت 28 فبراير 2026 وحتى الثلاثاء 3 مارس 2026 تعاملت دول الخليج والأردن مع ما يزيد على 1,780 صاروخاً ومُسيَّرة إيرانية استهدفت أراضيها وسماءها. الأناضول

في الإمارات: رُصدت 137 صاروخاً باليستياً و209 طائرات مُسيَّرة، سقط بعضها في المدن محدثاً قتلى وجرحى — 3 قتلى و58 مُصاباً — من عمَّال وسكَّان مدنيين لا علاقة لهم بالقواعد الأمريكية. CNN عربي

في السعودية: أُعلن عن اعتراض صواريخ استهدفت المنطقة الشرقية ومنطقة الرياض، وتعرَّضت مصفاة رأس تنورة لضربة بمُسيَّرة إيرانية. رويترز عربي

في قطر: شهدت المنطقة الصناعية بالدوحة ضربات، وأسقطت الدفاعات القطرية طائرتين حربيتين إيرانيتين من طرازSU-24. 

الشرق الأوسط

في الأردن: طالت الصواريخ أراضيه وإن لم تكن له قاعدةٌ عسكرية أمريكية كبرى، فاستدعت عمَّان القائمَ بأعمال السفارة الإيرانية وأبلغته احتجاجها الرسمي. الجزيرة نت

في إسرائيل وتل أبيب: في المقابل أطلقت إيران دفعاتٍ متتالية من الصواريخ نحو إسرائيل دوَّت فيها صافرات الإنذار في تل أبيب وضواحيها، وأفاد الجيش الإسرائيلي بسقوط صواريخ إيرانية في المنطقة المركزية. رويترز — والتصعيد لا يزال مستمراً حتى ساعة كتابة هذه السطور. الجزيرة نت


ثانياً: الذريعة وتفكيكها — "نستهدف القواعد لا الدول"

هنا يأتي المشهد الأكثر كشفاً للحقيقة الإيرانية في تاريخها الحديث كله؛ إذ سارع مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني إلى الإعلان أمام مجلس الأمن أن "إيران لا تهاجم منشآت دول الخليج، وإنما تستهدف القواعد الأمريكية فحسب"، وأكَّد علي لاريجاني أن بلاده لا تعتدي على الدول المستضيفة بل تردُّ على المعتدي.

CNN عربي - لاريجاني — RT عربي - إيرواني

وهذه الذريعة يجب أن تُفكَّك بمنهجيةٍ شرعيةٍ وعقلية صارمة لأنها أخطر ما في هذه الأزمة:

أولاً — كذبة الاستهداف الدقيق: الوقائع كذَّبت الادِّعاء مباشرةً؛ فالصواريخ التي قتلت ثلاثةً وأصابت ثمانيةً وخمسين في الإمارات لم تسقط داخل القواعد الأمريكية، بل سقطت في مناطق مدنية وصناعية. وصواريخ إيران التي ضربت مصفاة رأس تنورة السعودية لم تضرب قاعدةً عسكرية أمريكية بل ضربت بنيةً اقتصادية سعودية يملكها المواطن السعودي. وبوضوحٍ قاطع لخَّصته صحيفة الخليج الإماراتية: "كذبة إيران الكبرى: القواعد الأمريكية آمنة والخليج يدفع الثمن"

ثانياً — الإدانة القانونية الدولية ذاتها: دول الخليج أكَّدت رسمياً أن "لا هجماتٍ على إيران انطلقت من أراضيها"، وهو ما ذكره موقع Just Security القانوني الدولي: "The Gulf States have not attacked Iran, and they insist that no attacks against Iran have originated from U.S. bases on their territory" — وإذا كان هذا صحيحاً فإن ضرب إيران لهذه الدول لا يُسمَّى رداً مشروعاً بل عدواناً صريحاً.

ثالثاً — التناقض الفاضح في منطق "المقاومة": إيران التي تقول إنها تستهدف القواعد الأمريكية انتقاماً لمسلمي فلسطين وكرامة الأمة — هذه الإيران ذاتها لم تُطلق رصاصةً واحدة لتحرير قريةٍ فلسطينية في عقود وعند قتل الأطفال والنساء في غزة ، لكنها أطلقت ألفاً وسبعمائة وثمانين صاروخاً ومُسيَّرة في أربعة أيامٍ نحو الخليج والأردن حين تعرَّض مرشدها وقادتها للإغتيال  ومنظومتها للخطر.


فتساءل: هل "المقاومة" كانت يوماً لأجل الأمة، أم كانت دائماً لأجل المشروع؟


ثالثاً: الحقيقة الجوهرية — الوجهان لعملةٍ واحدة

إن الناظر بعينٍ فاحصةٍ في خارطة الصراع يُدرك حقيقةً جوهرية لا ينبغي للعقلاء التغافل عنها:

كلٌّ من المشروع الصفوي الإيراني والمشروع الغربي الأمريكي الإسرائيلي يريد بهذه الأمة سوءاً — وإن اختلفت الأدوات وتباينت المراحل:

المشروع الصفوي يستهدف الأمة من الداخل: يُفكِّك عقيدتها بالتشييع، ويُمزِّق نسيجها بالطائفية، ويُنهك قواها بحروب الوكالة، وحين يُحاصَر يجعل من أراضي المسلمين ساحةَ حربه ومصدَّ نيرانه، ويُبرِّر ضربهم بذريعة القواعد الأمريكية ثم تكذِّبه وقائعه هو.

والمشروع الغربي يستهدف الأمة من الخارج: يستنزف مواردها بالتبعية، ويُديم صراعاتها بالتسليح، ويفرض سيادته بالقواعد — ثم يستعمل الرد الإيراني على الخليج مُسوِّغاً لمزيدٍ من الارتباط الأمني به ودفعاً لأثمانٍ باهظة مقابل "الحماية".

وكلاهما في نهاية المطاف يلتقيان عند هدفٍ استراتيجي واحد:

أمةٌ إسلامية ممزَّقة مُنهَكة فاقدة السيادة لا تقوم لها قائمة ولا يُرجى منها نهوض — وأحداث فبراير 2026 وما تلاها هي أبلغ برهانٍ على ذلك.

رابعاً: إسقاط دعوى الاصطفاف من أصلها — الوقائع تُجيب

ومن ثمَّ فإن الفقيه الذي كان يُغري الأمة بالاصطفاف مع إيران "لأنها تُقاتل أمريكا وإسرائيل" يجد نفسه اليوم أمام سؤالٍ لا يستطيع الإجابة عنه:

إذا كانت إيران تُقاتل أمريكا وإسرائيل دفاعاً عن الأمة الإسلامية — فلماذا وقعت صواريخها على رأس المواطن السعودي والإماراتي والقطري والبحريني والأردني قبل أن تقع على رأس الجندي الأمريكي؟

ولماذا لم يستهدف الكيان الصهيوني والأطفال والنساء يقتلون في غزة ؟ 

والجواب لا يحتاج فقيهاً: لأن إيران لم تُقاتل يوماً لأجل الأمة، بل كانت تُقاتل باستعمال الأمة وأراضيها وقوداً لمشروعها ورقةَ ضغطٍ في صراعها. فمن اصطفَّ معها لم يكن يخدم "المقاومة" أو "الأمة الإسلامية"، بل كان يُشرعن لإيران حقَّ توظيف المسلمين ودمائهم وأراضيهم في حروبٍ تمزقهم بها .

ولا ينقذ الأمة من المستنقع أن تُقرِّر في أيِّ نهايته تغرق؛ لا في الاصطفاف مع المشروع الإيراني، ولا في الاستسلام للهيمنة الغربية، بل في شيءٍ ثالثٍ أرسى الفقه الإسلامي معالمه بوضوح:

الاستقلالية الاستراتيجية المبنية على وضوح الهوية وقوة الموقف الشرعي الصحيح والتضامن الحقيقي بين أبناء الأمة — لا التبعية لطرفٍ ولا الانجرار لآخر.

بتعبير آخر من فقه السياسة الشرعية :

فالموقف الصحيح ليس الاصطفاف مع إيران ضد الغرب، ولا الاصطفاف مع الغرب ضد إيران، بل هو:

الاستقلالية الاستراتيجية المبنية على وضوح المصلحة وقوة الموقف الشرعي، مع المواجهة الحكيمة لكلا الخطرين بحسب درجة خطورة كلٍّ منهما وقُربه من مفصل الإضرار بالأمة


خاتمة: العملة بوجهَيها لا تدفع إلا ثمنَ الأمة

المشروع الصفوي والمشروع الغربي وجهان لعملةٍ واحدة، لكن هذه العملة لا تُصرَف في أسواقهم — هي تُصرَف فقط من حسابات الأمة: من أرضها، وثرواتها، ودمائها، وهويَّتها، ومستقبل أجيالها.

والفقيه الذي لا يُدرك هذه الحقيقة أو يتغافل عنها لا يُقدِّم للأمة رُشداً، بل يُقدِّم لها خياراً بين المجزرة والمسلخ ثم يُسمِّيه سياسةً شرعية.

أما الأمة الواعية فتعلم أن الخروج من الفخَّين معاً لا يكون إلا بالقوة الداخلية، وصحَّة العقيدة، واستقلالية القرار، وتوحيد الصف 

— وهذه هي السياسة الشرعية الحقيقية التي لم تُخطئ الأمة يوماً حين التزمتها، ولم تنجُ حين أهملتها.


● المحور السابع: تحريف المسمَّيات الشرعية وتزوير الوعي الديني


تمهيد: المعركة الأولى هي معركة الكلمة

قبل أن تبدأ أيُّ معركةٍ على الأرض، تبدأ معركةٌ أخرى أشدُّ منها خطراً وأبعد أثراً — معركةٌ تجري في عالم الأسماء والمفاهيم والتعريفات، وميدانها ليس السهل ولا الجبل بل العقل والوجدان. ومن يربح هذه المعركة يربح ما بعدها، ومن يخسرها يجد نفسه يُقاتل معارك الأرض بسلاحٍ مسمومٍ من حيث لا يدري.

وقد فهم الفقهاء الراسخون هذه الحقيقة منذ القدم؛ فجعلوا تصحيح المفهوم شرطاً لصحة الحكم، وبنوا على ذلك قاعدةً ذهبيةً راسخةً في أصول الفقه:

"الحكم على الشيء فرعٌ من تصوُّره، ومن أُتي من جهة التصوير الفاسد أتاه الحكم الفاسد."

فإذا كانت المفاهيم مُشوَّهةً من أصلها، كان الحكم المبني عليها فاسداً من أساسه — مهما بدا في ظاهره متيناً ومُحكَماً. ولهذا لا يبدأ الإصلاح بتغيير السياسات، بل يبدأ بتصحيح المسمَّيات.

أولاً: التحريف منهجٌ لا حادثة — فهم طبيعة الظاهرة

الخطأ الأوَّل الذي يقع فيه كثيرٌ من المتابعين هو اعتبار هذا التحريف مجرَّد ارتخاءٍ لغوي أو تساهلٍ في الدقة؛ وكأنَّ من سمَّى الاستعمار "شراكةً" لم يقصد شيئاً، وكأنَّ من سمَّى الولاء للكافر "تحالفاً استراتيجياً" أخطأ في اللفظ دون قصد.

والحقيقة أن هذا التحريف في أغلبه صناعةٌ مُدبَّرة ومشروعٌ مُمنهج، يعرف أصحابه جيداً أن الحكم الشرعي يتبع المسمَّى الصحيح، فإذا استطاعوا تغيير الاسم استطاعوا تغيير الحكم في وجدان الناس ودفعهم إلى قبول ما كانوا سيرفضونه لو سُمِّي باسمه.

وقد رصد العلماء عبر التاريخ هذه الآلية وحذَّروا منها؛ فقال ابن القيم رحمه الله في "إغاثة اللهفان" مُحذِّراً من الحيل التي تُغيِّر أسماء المحرَّمات:

"إنَّ مِن أعظم الكيد والمخادعة أن تُغيَّر الأسماء الشرعية عمَّا وضعها الشارع عليه، فيُسمَّى الحرام بغير اسمه فينخدع به من لا بصيرة له."

وهذا بضبط صنيعة إبليس مع "شجرة الخلد"

وهذا بالضبط ما يجري في زماننا على نطاقٍ واسع — غير أنه لم يعد مقتصراً على المعاملات الفردية، بل امتدَّ ليطال المنظومة السياسية الشرعية كاملةً وأحكام العلاقات الدولية والمواقف من الأمم والدول والمشاريع.

والله المستعان 

ثانياً: جدول التحريف — الاسم الملفَّق والاسم الحق

دعنا نضع المسمَّيات المُزوَّرة في مواجهة نظيراتها الشرعية الصحيحة، فإنَّ في هذه المواجهة وحدها كشفاً كافياً:

① الموالاة يقابلها "التحالف الاستراتيجي"

الولاء الشرعي في الإسلام حكمٌ رفيع القدر، له أصله في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع العلماء؛ بُني على الدين ومُرادُه القربُ والنصرةُ والمحبةُ والمؤازرة. وحين يُستبدل بمفهوم "التحالف الاستراتيجي" تُسرَق منه روحه الدينية وتُبقى فيه 

المادة السياسية، فينفتح الباب أمام كلِّ تحالفٍ مع كلِّ طرف تحت مبرِّر المصلحة، دون أن يُستحضر معه سؤالٌ واحد: هل يُجيز الله هذا الولاء؟

② دار الحرب والكفر والشرك مقابلها "الدولة"

هذا من أخطر التحريفات وأعمقها أثراً؛ إذ أفضى إلى محو مفهومٍ فقهي بالغ الدقة والأثر، هو مفهوم دار الكفر ودار الحرب اللذَين يُرتِّب عليهما الفقه الإسلامي أحكاماً جسيمة تتعلق بالجهاد والولاء والموالاة والهجرة والمعاملة. فحين تُسمَّى كيانات الشرك والكفر بالمسمَّى العلماني المحايد "الدولة" تُطمس هذه الأحكام جميعاً، وتُصبح إيران وإسرائيل مجرَّد "دولٍ" تُحكَّم فيها معايير السياسة لا معايير الشريعة، ويُسوَّى في الوعي العام بينها وبين دولٍ مسلمة حقيقية.

③ الفتنة الطائفية المُفتعَلة مقابلها "التنوع"

الفتنة في الفقه الإسلامي جريمةٌ كبرى تُحرِّم الشريعةُ الإسهامَ في إشعالها وإدامتها. أما حين تُسمَّى "تنوعاً" أو "تعدديةً" فإنها تكتسب طابع الإيجابية والثراء الحضاري، ويتحوَّل من يُحذِّر منها إلى عدوٍّ للتعدد، ومن يُؤجِّجها إلى مُثرٍّ للمشهد الفكري. 

وهكذا تُصادَر الأداةُ الفقهية قبل أن تُستعمَل، ويُقيَّد العالم في سلاسل المصطلح الغربي قبل أن يتكلَّم.

④ الاستعمار الجديد مقابله "الشراكة / الحماية المشتركة / التعاون الأمني"

وقد سبق تفصيل هذا في محوره، لكن أهمية إدراجه هنا أنه يُجسِّد القانون الذهبي للتحريف: كلما كان المسمَّى الحقيقي أشدَّ فداحةً كان المسمَّى الملفَّق أكثر جاذبيةً وأبعد عن الحقيقة. فلا شيء أشدُّ إيلاماً في الوجدان الإسلامي من الاستعمار، لهذا استبدلوه بـ"الشراكة" التي تُوحي بالندِّية والاختيار والتكافؤ — وكلُّها أوهامٌ لا أصل لها في الواقع.

⑤ العدوان الصفوي التدميري مقابله "المقاومة والممانعة"

وهذا أشدُّ التحريفات فتكاً، لأنه يستعمل مفردةً إسلامية عريقة — "المقاومة" — يأبى الوجدان الإسلامي رفضها، ثم يُلصقها بمشروعٍ يقوم على نقيض ما تعنيه هذه المفردة. فـ"المقاومة" الحقيقية تعني: صون الأرض والعِرض والدين، وردَّ العدوان عن المستضعفين. أما المشروع الصفوي فقد أثبتت وقائع 28 فبراير 2026 وما قبلها بعقود أنه لم يُقاوم عدواً خارجياً بقدر ما دمَّر 

مجتمعاتٍ مسلمةً من داخلها في العراق وسوريا واليمن ولبنان، فأيُّ مقاومةٍ تلك التي تُمزِّق الأمة وتُصوِّب صواريخها نحو أبناء الأمة أنفسهم؟!

⑥ الردَّة والانسلاخ عن الإسلام مقابلها "الحرية الدينية / المعتقد الشخصي"

حين تُسمَّى الردَّة "حريةً دينيةً شخصية" يتحوَّل حكمٌ شرعيٌّ ثابتٌ بالكتاب والسنة والإجماع إلى قسوةٍ وتشدُّدٍ وانتهاكٍ لحقوق الإنسان، ويُصبح العالم المُبيِّن لحكم الردَّة متهَماً بالإرهاب الفكري. وهذا النوع من التحريف يكشف الوجه الأعمق للمشروع: إنه لا يكتفي بتغيير السياسة بل يستهدف تفكيك بنية الفقه الإسلامي من داخله.

ثالثاً: الآليات الأربع لتزوير الوعي الديني

لا يقع هذا التحريف دفعةً واحدة، بل يسير في مسارات مُتدرِّجة تعمل معاً بصورةٍ مُتكاملة:

الآلية الأولى — الاستبدال التدريجي:

لا يُستبدل المصطلح الشرعي بالمصطلح المُزوَّر دفعةً واحدة، بل 

تُطرح أولاً مصطلحاتٌ "مُوازية" تُقدَّم على أنها "أوسع وأشمل"، ثم تتوسَّع على حساب الأصيل تدريجياً حتى يُصبح الأصيل هو الغريب. وهذا بالضبط ما جرى مع مفهوم "دار الإسلام ودار الكفر" الذي أُحلَّ محله مفهوم "الدولة القومية" تدريجياً حتى أصبح الأول غريباً في سياق الخطاب المعاصر.

الآلية الثانية — تجريم المصطلح الأصيل:

بعد الاستبدال تأتي مرحلة جعل المصطلح الشرعي الأصيل يبدو مُتخلِّفاً أو متطرِّفاً أو خطيراً؛ فمن يستعمل مصطلح "دار الحرب" يُوصف بالتطرف، ومن يتكلَّم عن "الولاء والبراء" يُتَّهم بالإرهاب، ومن يُسمِّي الاستعمار باسمه يُوصف بالمؤامراتية. وهكذا يُحاصَر العالم بسياجٍ من التُّهم قبل أن يتكلَّم.

الآلية الثالثة — التنشئة الجيلية على المصطلح المُزوَّر:

وهذه أخطر الآليات وأبعدها أثراً؛ إذ حين تُبنى المناهج الدراسية والإعلام والخطاب العام على المصطلح المُزوَّر ينشأ جيلٌ كاملٌ لا يعرف سواه، فيُصبح المصطلح الشرعي الأصيل غريباً في أذنه أو مُبالَغاً فيه أو رجعياً — لا لأنه خاطئٌ بل لأنه غير مألوف، والأُلفة في مسائل المفاهيم لها سلطةٌ بالغة في تشكيل الحكم.

الآلية الرابعة — التوظيف الانتقائي:

وهي استعمال المصطلح الشرعي حين يخدم الأجندة وتغييبه حين يُعيقها؛ فيُستحضر مفهوم "الجهاد" حين يخدم التجنيد لمشاريع بعينها، ويُغيَّب حين يكون في غير خدمة هذه المشاريع، ويُستحضر مفهوم "الوحدة الإسلامية" حين يُراد به ابتلاع الخلافات مع المشروع الصفوي، ويُغيَّب حين يُراد تأجيج الفتنة الطائفية لخدمة الانقسام.

رابعاً: أثر التحريف على بناء المواقف وصناعة القرار

تبديل المسمَّيات ليس مجرَّد لعبٍ بالألفاظ؛ هو تزويرٌ منهجي للوعي الديني والسياسي يُفضي إلى سلسلةٍ متراكمة من العواقب:

أولاً: ينشأ جيلٌ يحمل مفاهيم مقلوبة يبني عليها مواقف فاسدة ويتخذ قراراتٍ مُدمِّرة بنيَّةٍ حسنة في الغالب — وهذا أشدُّ خطراً من الضالِّ الواعي بضلاله، لأن المخدوع يُقاتل عن خداعه بكلِّ إخلاصه.

ثانياً: تُصادَر أدوات الحكم الشرعي قبل استعمالها؛ فحين لا يعرف الفقيه أن ما بين يديه "موالاةٌ محرَّمة" لأنه يُسمِّيها "تعاوناً دولياً"، فإنه لا يستحضر الحكم الشرعي المناسب أصلاً.

ثالثاً: تنقلب معادلة الولاء؛ فيُصبح المُنكِر للمنكر هو الغريب المتشدِّد، ويُصبح المُقِرُّ للباطل هو العاقل المعتدل، ويُصبح الصادح بالحق هو المُفرِّق، ويُصبح المتساهل مع الفتنة هو الجامع.

رابعاً: تنهار المناعة الجمعية للأمة تجاه مشاريع الاختراق؛ لأن أول سطور المناعة هي التسمية الصحيحة — فمن لا يعرف اسم الداء لا يُحسن تشخيصه، ومن لا يُحسن التشخيص لا يملك الدواء.

خامساً: واجب العلماء الربانيين — إعادة الأسماء إلى نِصابها

ومن ثمَّ فإن من أولى مسؤوليات أهل العلم الربانيين في هذا الزمان — قبل الفتوى وقبل التحليل وقبل بناء المواقف — أن يُعيدوا المسمَّيات إلى نِصابها الشرعي الصحيح، بضوابط ثلاثة لا تُتجاوز

الضابط الأول — الشجاعة في التسمية الصريحة:

فيُسمَّى الاستعمار استعماراً، والموالاة المحرَّمة موالاةً محرَّمة، والمشروع التدميري مشروعاً تدميرياً — دون مداهنةٍ لسلطانٍ ولا مجاملةٍ لصاحبٍ ولا وجلٍ من إعلام. وقد قرَّر الفقهاء أن الصدق 

في التسمية هو أول خطوة في طريق الصدق في الموقف، ومن جبن عند الاسم جبن عند الحكم.

الضابط الثاني — التمييز بين الأسماء الشرعية والأسماء السياسية:

فلا يُستغني بالمصطلح السياسي عن المصطلح الشرعي، ولا يُقبَل من الفقيه أن يُحكِّم الأول على حساب الثاني؛ إذ المصطلح السياسي وصفيٌّ بشري قابلٌ للتغيير والتزوير، أما المصطلح الشرعي فمبناه الوحي وميزانه الدليل وثباته فوق التقلُّبات السياسية.

الضابط الثالث — التنبيه الدائم على آليات التزوير:

فلا يكفي أن يُصحِّح العالم المصطلح مرةً واحدة، بل يجب أن يُنبِّه مستمعيه باستمرار على آليات التزوير ومصادره وغاياته، حتى تتشكَّل لديهم مناعةٌ مفهومية تصون وعيهم من أن يُخترق من باب الاسم.


خاتمة: الكلمة قبل المعركة

الأمم لا تُهزم أولاً في ميادين الحرب، بل تُهزم أولاً في قواميسها.

فحين تقبل الأمة أن يُسمَّى استعمارها شراكةً، وعدوُّها حليفاً، وفتنتها تنوُّعاً، ومن يدمِّرها مقاوِماً — فقد مُنيت بهزيمةٍ أعمق من هزيمة الجيوش: هزيمةٌ في القاموس.

ولن تقوم للأمة قائمةٌ حتى يقوم فيها رجالٌ يُعيدون الأسماء إلى أصحابها، والأحكام إلى موضوعاتها، والمسمَّيات الشرعية إلى سلطتها على العقول والضمائر — قبل أن يطال التزوير الجيلَ القادم فلا يجد في قاموسه ما يعرف به عدوَّه من وليِّه.


● المحور الثامن — الخاتمة

مسؤولية العلماء والصمت الذي يُدين


تمهيد: لحظة المحاسبة

لا يليق بمقالٍ تناول بالتشريح والتحليل كلَّ هذه الصور من اختطاف الخطاب الديني أن يختتم بكلماتٍ فضفاضة ودعواتٍ مُبهمة. بل يليق به أن يُخاطب أصحاب المسؤولية مباشرةً، ويضع على طاولة الحساب الشرعي ما كان يُتهرَّب من وضعه: مسؤولية العالم الرباني في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ الأمة.

واللحظة فارقةٌ بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ فبينما تُكتب هذه 

السطور تحترق سماء الخليج بصواريخ الصفوية الإيرانية — التي طالت السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن منذ 28 فبراير 2026 — وتحترق سماء طهران بضربات أمريكية إسرائيلية، والأمة في كل ذلك لا تملك موقفاً شرعياً جامعاً يُرشد عقولها ويصون هويَّتها وسط هذا الضجيج المتضارب من الخطابات المُزوَّرة والمواقف المشبوهة إلا من بعض الشرفاء بإستحياء أو بعمومات أو لا يسمع صوتهم .

وفي مثل هذه الأوقات تحديداً يكون الصمت العلمي جريمةً بحجم اللحظة ذاتها.

أولاً: الصمت الذي يُدين — تشريحٌ فقهي

يتوهَّم أصحاب الصمت أنه حياد، ويتذرَّع به المترددون خشيةً أو مجاملةً أو طلباً لما يُسمُّونه "السلامة"، وكلُّ هذه المسوِّغات تنهار أمام محكٍّ واحد جوهري: الصمت لا يُبقي الساحة فارغة، بل يملؤها غيره.

وقد قرَّر الفقهاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن السكوت على المنكر إقرارٌ له في حقِّ من يملك القدرة على الإنكار، وأن المنكر الذي ينتشر بصمت العلماء أشدُّ خطراً من 

المنكر الذي يُقاوَم ويُردُّ، لأن الأول يتجذَّر في الأمة دون أن تُحسَّ به، والثاني يُقاوَم وإن طال الصراع.

وفي السياق السياسي الشرعي تتضاعف هذه المسؤولية؛ لأن الفراغ في الساحة الفكرية والدينية لا يبقى فراغاً — هو يملؤه أسرع الناس وصولاً لا أصوبُهم منهجاً:

حين يصمت العالم الرباني يتكلَّم عالم السلطان.

وحين يتردَّد الفقيه المُخلص يُفتي الفقيه الموظَّف.

وحين يتأخَّر أهل الحق يتقدَّم أهل الهوى.

والأجيال تأخذ من المتقدِّم لا من المتأخِّر، ومن الصوت المرفوع لا من الصمت المُعتذَر عنه.

وهذه ليست مجرَّد ملاحظةٍ نظرية، بل هي سُنَّة تاريخية مُشاهَدة: الأفكار الأكثر فساداً هي الأفكار التي ملأت الفراغ الذي تركه أصحاب الحق، وأكثر مشاريع الاختراق العقدي الذي تناولناه في هذا المقال إنما نجح ونما في الفراغ الذي أحدثه صمت العلماء أو تردُّدهم أو انشغالهم بأقل الأمور خطورةً.


ثانياً: ماذا يقتضي الواجب الشرعي اليوم؟

مسؤولية العلماء والمفكرين والمصلحين في هذه المرحلة تقتضي 

— من غير مواربةٍ ولا مداهنة ولا تلفيقٍ لمواقف وسطية زائفة — جملةً من الواجبات الشرعية المحدَّدة:

أولاً: أن يقولوا بوضوحٍ لا لبس فيه ما كانوا يترددون في قوله؛ فليس من الحكمة أن تُقال الحقيقة في المجالس الخاصة وتُكتم في الخطاب العام، لأن الحقيقة التي تخجل من نفسها في العلن حقيقةٌ ناقصة الأثر في أفضل الأحوال، ومتَّهمةٌ النية في أسوئها.

ثانياً: أن يُعيدوا الأمور إلى نِصابها الشرعي الصحيح وفق مقاصد الشريعة الكبرى من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ثم — وهذا ما يغيب عادةً — حفظِ الأرض والسيادة والكرامة الجمعية للأمة، لأنها من مقتضيات حفظ كل ما سبق.

ثالثاً: أن يُسمُّوا الأشياء بأسمائها أمام الحكومات قبل العامة، وأمام الموالي قبل الخصم، وفي الضوء قبل الظلام — لأن العالم الذي يُسمِّي الباطل بالحق سراً ثم يصمت عنه جهراً قد أدَّى نصف الواجب وأسقط نصفه الأهم.

رابعاً: أن يعجِّلوا قبل أن تتوارث الأجيال القادمة هذا الخطاب المُشوَّه المُحرَّف فيبنوا على فساده ما هو أفسد منه وأشد خطراً — والأجيال لا تنتظر، والوقت لا يتوقَّف انتظاراً لمن يُحسن توقيت الكلام.


ثالثاً: الموقف الشرعي الصحيح — ثلاثة محاور لا تقبل المساومة

وحتى لا يبقى الكلام في فضاء العموميات، فإن الموقف الشرعي الصحيح الذي ينبغي إعلانه بلا مواربة يقوم على ثلاثة نقط راسخة:

• النقطة الأولى: رفض التبعية لكل القوى الكبرى رفضاً شاملاً لا يستثني شرقاً ولا غرباً، ولا يفرِّق بين تبعيةٍ لأمريكا وتبعيةٍ لروسيا أو تبعيةٍ لأي قوةٍ دولية تضع مصالحها فوق مصالح الأمة الإسلامية.

وهذا الرفض لا يعني العزلة ولا إغلاق باب التعامل مع العالم، بل يعني ما قرَّره الفقهاء في السياسة الشرعية: أن التعامل مع القوى الكبرى يكون من موقع الاستقلالية الاستراتيجية لا من موقع التبعية، ومن موقع حفظ المصلحة المحقَّقة لا من موقع البيع والشراء في سوق المصالح الضيِّقة.

وعليه: لا تُسبَغ أي شرعيةٍ دينية على الوجود الأجنبي العسكري 

في ديار المسلمين، مهما تعدَّدت المسوِّغات وتنوَّعت المبرِّرات وتراكمت طبقات التأويل — لأن الحكم يدور على الحقيقة لا على الاسم، وحقيقة هذا الوجود لا تتغيَّر بتغيير مُسمَّاه.

• النقطة الثانية: رفض الاصطفاف مع أي مشروعٍ طائفي رفضاً مبدئياً صريحاً لا يُلطَّف ولا يُلوَّن؛ سواءٌ أكان هذا المشروع صفوياً إيرانياً أم غيره. وهذا الرفض مبناه الشرعي على حكمَين:

الحكم الأول: أن عداوة هذا المشروع لأعداء الأمة لا تجعله حليفاً للأمة — كما قرَّرنا في تحليل مغالطة العدو المشترك — والوقائع الدامية التي رصدناها من 28 فبراير 2026 وما قبلها بعقودٍ لم تُبقِ مساحةً لمُحسِنِ الظن.

الحكم الثاني: أن سجل المشروع الصفوي في تدمير المجتمعات السنِّية في العراق وسوريا واليمن ولبنان وتغيير ديموغرافيتها يُغني عن كل تأويل وكل مجادلة، وقد جاءت صواريخ فبراير 2026 على الخليج والأردن لتكتب الفصل الأخير في هذا السجل: إيران تُقاتل بالأمة لا من أجل الأمة.

• النقطة الثالثة : الاصطفاف الحقيقي مع الأمة — لا مع أعدائها بعضهم ضد بعض وهذا جوهر الموقف الشرعي الذي يُوجز ما سبق ويُتوِّجه:

الأمة لا تُنقذها ثنائيةٌ مُزيَّفة بين الصليبي والهلال الصفوي، ولا يُنقذها خيارٌ بين مستعمِرَين، ولا يحميها اصطفافٌ مع من يُدمِّرها من الداخل في مواجهة من يُهيمن عليها من الخارج. إنما تُنقذها — وقد كان هذا دائماً — عودةٌ إلى الحق الشرعي الصريح الذي لا يُجامل أحداً ولا يُعادي إلا من أعلن العداء لله ولرسوله وللمؤمنين.

وهذا الاصطفاف الحقيقي مع الأمة يعني عملياً:

- نصرة قضاياها العادلة وفي مقدِّمتها قضية فلسطين المحتلَّة نصرةً شرعيةً صادقة لا توظيفاً لها ورقةَ ضغطٍ كما فعل المشروع الصفوي عقوداً.

- صون وحدتها من كل مشروع تفتيتٍ سواءٌ أتى من داخل أروقة السلطة أم من منابر التحريض الطائفي أم من آلة الدعاية الصفوية أم من أجندات العلمانية الخارجية .

- ردِّ الاستعمار الجديد بكل أشكاله وأسمائه والمطالبة باستقلاليةٍ حقيقية تُكرِّس سيادة الأمة على أرضها وقرارها وثروتها.



● الخاتمة الكبرى: قبل أن تُطوى هذه الصفحات


تناول هذا المقال في محاوره الثمانية صوراً متنوِّعة لاختطاف الخطاب الديني: من توظيف الفقه لخدمة الكرسي، إلى شرعنة الاستعمار الجديد، إلى استخدام المنابر لتأجيج الانقسام، إلى الدعوة للاصطفاف مع الرافضة، إلى تحريف المسمَّيات الشرعية وتزوير الوعي، وصولاً إلى إثبات أن الرافضة والصليبيين وجهان لعملةٍ واحدة تُصرَف من حساب الأمة وحدها وكلُّ هذه الصور تلتقي عند جذرٍ واحد: ضعف العالم الرباني الحر وغياب صوته في اللحظات الفارقة.

ولهذا فإن الدين لا يُختطف بالسيف وحده:

بل يُختطف بالفتوى المُزوَّرة، والمنبر المُوظَّف، والكرسي المحمي بعمامة علماء السلطان، والقاعدة العسكرية المُغطَّاة بخطاب الشراكة، والاصطفاف الطائفي المُلبَّس ثوب المقاومة، والصمت المُتعمَّد في وجه الباطل.

وكلُّ من هندس لخدمة الكرسي بالفقه، ومن فتح الأبواب للأجنبي بالفتوى، ومن دعا إلى الاصطفاف مع الرافضة بحجة العدو المشترك — كلُّهم في الميزان الشرعي في موضعٍ واحد: خدموا أعداء الأمة بأدواتٍ مختلفة ونتيجةٍ واحدة، ولن يُجيرهم من ذلك لا منصبٌ ولا عمامة ولا كثرة الكتب المُؤلَّفة ولا طول الألقاء .


وقفةٌ أخيرة مع العلماء الربانيين الأحرار

والكلام في هذا المقام لا يتوجَّه إلى الموظَّفين ولا إلى من اتَّخذ قراره ببيع القلم — هذا الصنف قرَّر أمره وطوى ملفَّه أمام الله وأمام التاريخ.

الكلام يتوجَّه إلى العلماء الربانيين الأحرار الذين يعرفون الحق لكنهم يُقيِّدهم الخوف، أو يُقعدهم الحرص على السلامة، أو تُثقلهم الحسابات الدنيوية. فإليهم يُقال بكل صدق ومحبة - حفظكم الله ورعاكم -:

إن الأمة لن تنهض إلا حين يتكلَّم علماؤها الربانيون بما يُرضي الله لا بما يُرضي الناس .

وإن الصمت في هذه اللحظة التاريخية ليس فضيلةً بل تقصير، وليس حكمةً بل مشاركةٌ صامتة في الجريمة.

وإن من كلَّمه الله علماً وأعطاه الأمة ثقةً ومنحه موضع الأنبياء 

ميراثاً — لا يملك ترف الصمت وهو يرى الأمة تُنهَب بالفتوى وتُباع بالمنبر وتُدمَّر بالاصطفاف.

"وليتَّق الله امرؤٌ أُعطي علماً فكتمه، وأُعطي منبراً فصمت عنده، وأُعطي ثقة الأمة فردَّها إلى أعدائها صمتاً أو مداهنة."


الدعاء الختامي

 اللهم إنَّا نسألك أن تُثبِّت علماء الأمة الربَّانيين الأحرار، وأن تمنحهم الجرأة التي تفقدها الأقلام الخائفة والقلوب المُقيَّدة، وأن تُريهم الحق حقاً وترزقهم اتِّباعه، وأن تكشف للأمة زيف من باعوا الدين بثمن الكرسي والقاعدة والمشروع الطائفي.

اللهم ارزق الأمة وحدةً تقوم على الحق الشرعي الصريح لا على التحالفات المشبوهة والاصطفافات المُزيَّفة، واجمع كلمتها على ما فيه خير دينها ودنياها وآخرتها.

اللهم لا تجعل الدين في أيدي من يُوظِّفونه، ولا المنبر في أفواه من يبيعونه، ولا الأمة فريسةً لمن يصطادون في مائها الآسن بشعاراتٍ فارغة وفتاوى مصنوعة.

والله المستعان وعليه التكلان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى 

آله وصحبه أجمعين.


- لن تُختطف الأمة حين يقف علماؤها حيث يقف الحق  لا حيث يقف الكرسي.-

تعليقات