تٌقلٍّبُ وجهَكَ في السماء، ترنو إلى العلياء..
ينظرُ اللهُ إلى قلبِكَ، فيرى منكَ الصدقَ،
صدقَ إرادةِ مرضاتِه، وطلبَ القربِ من جنابه.
.....
تطمعُ أن يفتحَ اللهُ عليك بجمعِ قلبِكَ
على آيةٍ تتأوَّلُها عند تهجُّدِكَ في الأسحار،
أو عند رباطِكَ على صلاةِ القيام.
تطمعُ أن يجمعَ اللهُ عليك قلبَكَ فَيُصَبُّ المعنى،
وما أجلَّه من معنى، في قلبِكَ فيسقيه،
ويُخرجَ الأدرانَ التي فيه:
من تعلُّقاتٍ بالدنيا أثقلته،
من مخاوفَ يضخُّها الشيطانُ ضَخَّا..
ترجو أن يفتحَ اللهُ عليك بمعنى
تستحضرُ فيه عظمَ ذنبِكَ،
وقدرَ ربِّكَ الذي تعصيه،
فتغمرُ ذنبَكَ بصادقِ العَبَراتِ
وخالصِ الدعوات..
.....
وإذا قامَ في سُويداءِ قلبِكَ إرادةُ الخير،
وتوهَّجَتْ في الفؤادِ نيةُ البِرِّ،
ترجو أن يوفِّقَكَ لإغاثةِ ملهوف..
ولكن سرعانَ ما تتفلت
تتجاذبُكَ الأطماعُ وداعي الهوى.
فيشكرُ اللهُ لكَ صدقَ النيَّةِ وصفاءَ السريرة،
يفتحُ عليك بوجهٍ من البذلِ يطرقُ بابَكَ،
ويُيسِّرُ لكَ الخيرَ بطريقٍ لم يخطرْ ببالِكَ.
.........
ينظرُ اللهُ إلى قلبِكَ فيراهُ مُقِرًّا بإنعامِه،
عاجزاً عن أداءِ حقِّ شُكرِه،
عجزٌ يوَلِّدُ فيكَ الوجَل،
ويدفعُكَ لمزيدٍ من الشكر.
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]
فتسعى لشكرِه بوجدانِك:
قلبُكَ يلهجُ بحبِّه،
وروحُكَ ترفرفُ في فَضلِ رحمتِه،
تستشعرُ نعمَهُ في كلِّ حين:
في نسمةِ الهواءِ التي تملأ صدرَك،
وفي خطواتِكَ التي تحملُكَ لطاعتِه،
وفي سكونِ الليلِ الذي تخلو فيه إليه.
وتسعى لشكرِه بلسانِك:
فلا يفترُّ لسانُكَ عن حمدِه والثناءِ عليه،
تُردِّدُ: "ربَّنا لكَ الحمدُ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه"،
تستغفرُ من تقصيرِكَ في شكرِه،
فيكونُ الاستغفارُ شكراً،
ويكونُ الاعترافُ بالعجزِ حمداً.
وتسعى لشكرِه بجوارحِك:
تُسخِّرُ جوارحَكَ لطاعتِه،
تمتدُّ يدُكَ بالعطاءِ بسخاء،
ورجلُكَ تمشي لقضاءِ حوائجِ عبادِه،
وعينُكَ تدمعُ من خشيتِه،
ووجهُكَ يتَّجهُ إليه خاضعاً معظماً
.......
مهما كانَ الإنسانُ في ابتلاء،
فنعمةُ الإيمانِ هي أجلُّ النِّعَم.
هذا الابتلاءُ هو حبلٌ ممدودٌ بينكَ وبين الله:
فإن ابتُلِيتَ بالخوف، فاللهُ الحفيظُ
وإن ابتُلِيتَ بالجوع، فاللهُ الرزَّاق
وإن ابتُلِيتَ بالمرض، فاللهُ كاشفُ الكربات
دافعُ المخاطر، مجيب الدعوات..
.........
مرابطاً في ذلكَ كلِّه على إرادةِ مرضاتِه،
تدفعُ عنكَ الطمعَ في ثناءِ الناس،
تتخطفُكَ الأطماعُ في حظوظِ الدنيا الفانية،
تُقِرُّ أن لا عاصمَ لكَ منها إلا بالله.
فترابطُ على الاستعانةِ به على صادقِ النوايا،
والحفظِ من الزيغِ فهو من عظيمِ البلايا،
فلا ترى نفسَكَ بدونِه شيئاً.
يلهجَ لسانُكَ بدعاءِ موسى:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ [طه: 84]
.........
يقينا في الله فإن عنايته الربانية بالصادقين ستلبي نداءَكَ،
وأنَّ الرحمةَ الإلهيةَ ستغمرُكَ.
يُسخِّرُ لكَ من الأسبابِ ما لا يخطرُ على بالك.
تأتيهِ تمشي، بل تتعثَّرُ في ظُلماتِ الليلِ والنهارْ،
تُجاهدُ نفسَكَ لكي لا تتأخَّرْ،
وهو – بجلالِه وكرمِه – يأتيكَ هَرْوَلَةً بما قامَ في قلبِكَ من اسرارْ.
نعم، إنها هَرْوَلَةُ الرحمنِ لعبدهِ المُقبِلْ،
بما قامَ في سريرتِه من صِدقِ النوايا،
وبما أخفى من حبٍّ ورجاءْ.
.......
ما الذي أخَّرَك؟
ما الذي أعاقَك عن بُلوغِ هذا الرَّكْبِ من سنينْ؟
أينَ كنت عن هذا النَّعيمِ المقيمْ؟
فتسمعُ هاتفاً من باطنِكَ يُجيبْ:
غفلةٌ مضَتْ، ونور توهج،
فمَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، سلك سبيل التوفيق
وكان بخير طالما الخيرَ نوى
و أعظمُ الخيرِ درجات العلى
حيثُ لا كرب ولا فتنة ولا بلاء
هناكَ، في رَكْبِ مَنْ خَلٌصَتْ منهمُ المحبَّةُ للواحدِ القهَّارْ،
وتَرَقَّوْا في مراتبِ التعظيمِ والافتقارْ..
اكتب مراجعة عامة