img
img

زَوْجِي شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

زَوْجِي شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ

د. عادل حسن يوسف الحمد (حفظه الله تعالى) -عضو رابطة علماء المسلمين ودكتوراه في الشريعة الإسلامية


  • لَا يَزَالُ الحَدِيثُ عَنْ مُعَانَاةِ المَرْأَةِ السَّابِعَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَالَّذِي وَصَفَتْهُ بِقَوْلِهَا: 
  •  شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ.
  •  
  • هَذَا الصِّنْفُ مِنَ الرِّجَالِ عَنِيفٌ مَعَ زَوْجَتِهِ، كَثِيرُ الضَّرْبِ لَهَا، وَغَالِبًا مَا يَجْمَعُ مَعَ الضَّرْبِ صِفَاتٍ أُخْرَى سَيِّئَةً، مِثْلَ: الغِلْظَةِ، وَالفَظَاظَةِ، وَسُرْعَةِ الغَضَبِ وَشِدَّتِهِ، مَعَ قِلَّةِ الحِكْمَةِ فِي مُعَالَجَةِ الأُمُورِ.
  • ضَرْبُ المَرْأَةِ مِنَ المَوْضُوعَاتِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الخَلَلُ مِنْ حَيْثُ الفَهْمُ وَالتَّطْبِيقُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ؛
  • فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الضَّرْبَ وَيَرْفُضُهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
  • وَمِنْهُمْ مَنْ يُسِيءُ تَطْبِيقَ الضَّرْبِ، وَيَتَجَاوَزُ الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ فِيهِ.
  • وَمِنْهُمْ مَنْ نَوَّرَ اللهُ بَصِيرَتَهُ فَيَسْتَخْدِمُ الضَّرْبَ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ.
  • وَسَبَبُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي المَوْقِفِ مِنْ (ضَرْبِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهِ) هُوَ المَفَاهِيمُ الَّتِي يَحْمِلُهَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ، وَالثَّقَافَةُ المُجْتَمَعِيَّةُ المُنْتَشِرَةُ فِي المُجْتَمَعِ.

  • وَلِتَصْحِيحِ هَذِهِ المَفَاهِيمِ نَحْتَاجُ أَنْ نَتَنَاوَلَ المَوْضُوعَ مِنْ عِدَّةِ جَوَانِبَ:
  • أَوَّلًا: الضَّرْبُ المَشْرُوعُ:
  • قَالَ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34] 
  • هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي أَخْطَأَ بَعْضُ النَّاسِ فَهْمَهَا فِي كُلِّ مَوْضُوعَاتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ؛ مِثْلَ قِيَامِ الرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَحَقِّهِ فِي تَأْدِيبِهَا، وَمَرَاحِلِ التَّأْدِيبِ وَغَيْرِهَا.
  • وَهِيَ تَتَكَلَّمُ عَنْ نَوْعَيْنِ مِنَ النِّسَاءِ:
  • النَّوْعُ الأَوَّلُ: المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالَّتِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهَا فِي الآيَةِ وَبَيَّنَ صِفَاتِهَا.
  • وَالنَّوْعُ الثَّانِي: النَّاشِزُ، وَهِيَ الَّتِي بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ مُعَالَجَةِ نُشُوزِهَا.

  • فَمَرَاحِلُ التَّأْدِيبِ لَا تُطَبَّقُ عَلَى المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ؛ لِأَنَّهَا صَالِحَةٌ، وَلَيْسَتْ نَاشِزًا، وَمِثْلُ هَذِهِ الصَّالِحَةِ تُذَكَّرُ إِذَا نَسِيَتْ أَوْ غَفَلَتْ، وَهَذَا يَكْفِيهَا لِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِي قَلْبِهَا مِنَ الإِيمَانِ.
  • فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُكَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيُّهَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ فَلَا يَجُوزُ لَكَ ضَرْبُهَا.
  • وَإِنْ كَانَتْ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي وَهِيَ النَّاشِزُ، فَلَا تَسْتَعْجِلْ فِي حَرْقِ المَرَاحِلِ وَتَنْتَقِلْ مُبَاشَرَةً إِلَى الضَّرْبِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
  • قَالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَقَوْلُهُ: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ مَقْصُودٌ مِنْهُ التَّرْتِيبُ كَمَا يَقْتَضِيهِ تَرْتِيبُ ذِكْرِهَا مَعَ ظُهُورِ أَنَّهُ لَا يُرَادُ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّرْتِيبُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُتَبَادِرُ فِي الْعَطْفِ بِالْوَاوِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعِظُهَا، فَإِنْ قَبِلَتْ، وَإِلَّا هَجَرَهَا، فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ، وَإِلَّا ضَرَبَهَا)). (التحرير والتنوير 5/42)
  • وَلَكِنْ مَا نَوْعُ الضَّرْبِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي تَأْدِيبِهَا؟
  • أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ هُوَ ضَرْبُ تَأْدِيبٍ وَلَيْسَ ضَرْبَ تَعْذِيبٍ وَإِيذَاءٍ.
  • قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أَيْ: إِذَا لَمْ يَرْتَدِعْن بِالْمَوْعِظَةِ وَلَا بِالْهِجْرَانِ، فَلَكُمْ أَنْ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "واتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشكم أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْن فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبا غَيْرَ مُبَرِّح، وَلَهُنَّ رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بِالْمَعْرُوفِ".
  • وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي غَيْرَ مُؤَثِّرٍ. 
  • قَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ أَلَا يَكْسِرَ فِيهَا عُضْوًا وَلَا يُؤَثِّرَ فِيهَا شَيْئًا)). (تفسير ابن كثير 1/492)
  • إِذَا كَانَ كَلَامُ العُلَمَاءِ عَنْ نَوْعِيَّةِ الضَّرْبِ أَنَّهُ الضَّرْبُ الخَفِيفُ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، فَمَا فَائِدَةُ الضَّرْبِ إِذًا؟

  • مَنْ يَعْرِفِ المَرْأَةَ جَيِّدًا، يَعْلَمْ أَنَّ المَرْأَةَ تَتَأَثَّرُ نَفْسِيًّا، بَلْ وَقَدْ تَبْكِي بُكَاءً حَارًّا لَوْ ضَرَبَهَا زَوْجُهَا هَذَا الضَّرْبَ الخَفِيفَ، لَا لِأَنَّهَا تَأَلَّمَتْ جَسَدِيًّا، وَلَكِنْ لِأَنَّهَا تَشْعُرُ بِنَقْصِ مَكَانَتِهَا عِنْدَ مَنْ ضَرَبَهَا.
  • وَيَعْنِي شَيْئًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي ضَرَبَهَا قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ مَا تَكْرَهُهُ المَرْأَةُ مِنَ الطَّلَاقِ، أَوِ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا.
  • فَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الضَّرْبِ الخَفِيفِ مَا زَالَتْ تَمْلِكُ قَلْبًا حَيًّا، فَالظَّنُّ بِهَا أَنَّهَا سَتَتْرُكُ النُّشُوزَ وَتَعُودُ إِلَى زَوْجِهَا وَتُطِيعُهُ، وَبِذَلِكَ تُنْقِذُ الأُسْرَةَ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالتَّصَدُّعِ بِتَعَقُّلِهَا.
  • قَالَ مُحَمَّدٌ أَبُو زَهْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الثَّالِثُ - مِنْ دَوَاءِ النُّشُوزِ، الضَّرْبُ، وَهُوَ أَقْصَاهَا، وَلَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ فَشَلِ الدَّوَاءَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الضَّرْبَ المُبَاحَ يَكُونُ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ دَرَجَةً يُخْشَى عَلَيْهَا مِنَ النُّشُوزِ وَالِافْتِرَاقِ، وَقَدْ قَيَّدَتْهُ السُّنَّةُ بِقَيْدَيْنِ:
  •  أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
  • وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُشِينٍ بِأَلَّا يُضْرَبَ الوَجْهُ.
  •  فَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الضَّرْبِ غَيْرِ المُبَرِّحِ، فَقَالَ: هُوَ الضَّرْبُ بِالسِّوَاكِ أَوْ مِثْلِهِ. وَهَذَا هُوَ الضَّرْبُ المُبَاحُ، فَهُوَ رَمْزٌ لِاسْتِحْقَاقِ الضَّرْبِ، وَلَيْسَ بِضَرْبٍ)). (زهرة التفاسير 3/1670)
  • وقَالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِذْنَ بِالضَّرْبِ لِمُرَاعَاةِ أَحْوَالٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَأَذِنَ لِلزَّوْجِ بِضَرْبِ امْرَأَتِهِ ضَرْبَ إِصْلَاحٍ لِقَصْدِ إِقَامَةِ الْمُعَاشَرَةِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ تَجَاوَزَ مَا تَقْتَضِيهِ حَالَةُ نُشُوزِهَا كَانَ مُعْتَدِيًا)). 
  • (التحرير والتنوير 5/43)
  • هَذِهِ الأَحْوَالُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ عَنْهَا العُلَمَاءُ هِيَ عِصْيَانُ المَرْأَةِ لِلرَّجُلِ وَتَرَفُّعُهَا عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ صُورَةٍ، مِمَّا يُهِينُ الرَّجُلَ، وَيُسْقِطُ شَخْصِيَّتَهُ فِي البَيْتِ، وَأَشَدُّهَا عَلَى نَفْسِيَّةِ الرَّجُلِ مَا تَفْعَلُهُ النَّاشِزُ أَمَامَ أَوْلَادِهِ، فَيَتَمَرَّدُ عَلَيْهِ الأَوْلَادُ بِسَبَبِهَا.

  • قَالَ مُحَمَّدٌ رَشِيدُ رِضَا رَحِمَهُ اللَّهُ: ((هَذَا وَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ قَدْ خَصُّوا النُّشُوزَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي يُبِيحُ الضَّرْبَ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِإِزَالَتِهِ بِخِصَالٍ قَلِيلَةٍ، كَعِصْيَانِ الرَّجُلِ فِي الْفِرَاشِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الدَّارِ بِدُونِ عُذْرٍ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ تَرْكَهَا الزِّينَةَ وَهُوَ يَطْلُبُهَا نُشُوزًا.
  •  وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ الدِّينِيَّةِ كَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ.
  •  وَالظَّاهِرُ أَنَّ النُّشُوزَ أَعَمُّ فَيَشْمَلُ كُلَّ عِصْيَانٍ سَبَبُهُ التَّرَفُّعُ وَالْإِبَاءُ، وَيُفِيدُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَطْعَنْكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾)). 
  • (تفسير المنار 5/76)

  • فَنَحْنُ أَمَامَ خِيَارَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاشِزِ الَّتِي لَمْ يَنْفَعْ مَعَهَا الوَعْظُ وَلَا الهَجْرُ، إِمَّا أَنْ نُجِيزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الضَّرْبِ الخَفِيفِ الَّذِي يُؤَدِّبُ المَرْأَةَ، وَيُعِيدُ لَهَا صَوَابَهَا، أَوْ أَنْ تَتَحَطَّمَ الأُسْرَةُ بِإِسْقَاطِ شَخْصِيَّةِ الرَّجُلِ، أَوِ الطَّلَاقِ!


  • نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله. 



تعليقات