img
img

حين تُزيل الأنظمةُ العربيةُ سدودَها بيدها الاجتثاث الداخلي والفراغ الاستراتيجي

img
الشبكة

حين تُزيل الأنظمةُ العربيةُ سدودَها بيدها الاجتثاث الداخلي والفراغ الاستراتيجي

مقال تحليلي في السياسة الشرعية والجيوسياسة الإسلامية

إعداد : الأستاذ الدكتور عصام اشويدر 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

ثمة سؤال يجب أن يُطرح بصراحة تامة، بعيداً عن الأدب الدبلوماسي المعتاد الذي يُلطّف الحقائق المرّة: هل أدركت الأنظمة العربية التي أمضت عقوداً في حرب شاملة على حركاتها الإسلامية أنها كانت في الوقت ذاته تُنجز جزءاً من مشروع ليس مشروعها؟ وهل وعت حجم ما أعطته لأعدائها مجاناً، حين أسقطت بيدها الطبقات الأكثر تماسكاً ودفعاً ورفضاً لمشاريع الهيمنة الخارجية؟

دعني أتحدث بصراحة يستحقها الموضوع، فقد طال السكوت والمداراة.

ثمة حقيقة موجعة تتجنب النخب السياسية والأكاديمية في العالم العربي والإسلامي الاقتراب منها بجدية: أن جزءاً من الأنظمة العربية لم يكن يحارب "التطرف" حين شنّ حروبه الشرسة على حركاته الإسلامية، بل كان يُنجز بالوكالة مهمةً تصبّ في خدمة مشروع التمدد الصهيوني. سواء أكان ذلك عن وعي وتنسيق مسبق، أم عن قصر نظر استراتيجي فادح جعل الأنظمة تُخطئ عدوّها الحقيقي — فإن النتيجة الموضوعية واحدة: الحركات الإسلامية التي كانت تمثّل العائق الأعسر أمام مشروع الهيمنة الإقليمية باتت اليوم منهكة أو مُشرَّدة أو محصورة في زنازين لا تُفتح.

وحين تشتعل الحرب الإقليمية الكبرى — وهي قادمة لا محالة بحسابات كل المحللين الجادين — ستجد هذه الأنظمة نفسها أمام معادلة مرعبة: العدو الخارجي يتقدم، والداخل فارغ من كل قوة مجتمعية حقيقية قادرة على التصدي. وعندها فقط، في تلك اللحظة المريرة، قد يُدرك من أمضوا عقوداً في اجتثاث مكوناتهم الحية أنهم لم يكونوا يحمون كراسيهم، بل يُعِدّون قبورهم.

المقال الذي بين يديك لا يُدافع عن حركة بعينها، ولا يُبرّئ أحداً من أخطائه. لكنه يُحكّم المنطق الاستراتيجي الصارم والمرجعية الشرعية في قراءة ظاهرة خطيرة: ظاهرة تحوّل الصراع الداخلي من ضبط التوترات إلى اجتثاث منظم للمكونات الحية للأمة، في لحظة تاريخية بالغة الحساسية يتربص فيها المتربصون.


● أولاً: المشهد بحجمه الحقيقي

لا يمكن فهم ما يجري في المنطقة دون استحضار سياقه الكامل. إسرائيل الدولة المزعومة لم تتوقف يوماً عن التمدد، ومشروعها التوسعي ليس فكرة مطروحة للنقاش بل هو واقع تنفيذي متحرك، يتقدم حين تتوفر الشروط، ويتريث حين تستيقظ المقاومة. وفي المراحل الأكثر اشتعالاً وخطورة، تحتاج هذه المشاريع إلى بيئة إقليمية تتسم بثلاث خصائص: الانقسام العربي، والإنهاك الداخلي، وغياب القوى المجتمعية القادرة على تشكيل ثقل موازٍ.

والمعادلة مرعبة في بساطتها: كلما اشتدت الحرب الداخلية بين الأنظمة وحركاتها الإسلامية، كلما اقتربت الشروط المثالية لتنفيذ المخططات الكبرى. هذا ليس تحليلاً نظرياً بل هو قراءة في خريطة الأحداث. المشاريع الكبرى لإسرائيل لم تُطرح بجدية ولم تجد آفاقاً للتنفيذ إلا في سياق ما أعقب الربيع العربي من ثورات مضادة أوجدت حالة الانشغال الداخلي الكبرى في تاريخ المنطقة.

الغائب الأكبر في معادلة القوة

حين يُفكر المحللون الاستراتيجيون في موازين القوى الإقليمية، يُحدّثونك عن الجيوش النظامية والصواريخ والطائرات وبنود الميزانيات الدفاعية. هذه عناصر حقيقية لكنها تُغفل عاملاً بالغ الأثر: القدرة المجتمعية على المقاومة المستدامة. وهذه القدرة لا تُصنعها الجيوش ، بل تصنعها الشعوب المتماسكة وراء قضية، والتنظيمات الراسخة في الوعي الجمعي، والقيادات التي تمتلك ثقة الشارع.

المقاومة  في غزة، أجبرت الاستراتيجيين الإسرائيليين على إعادة حساباتهم مرات عدة لسبب واحد فقط: وجودها يُعقّد معادلة التكلفة والعائد من أي عملية عسكرية. فالقوة العسكرية النظامية تستطيع هزيمة جيش، لكنها تعجز تاريخياً عن تصفية مقاومة مجتمعية ذات جذر ديني وشعبي عميق. هذه حقيقة أثبتتها فيتنام وأفغانستان وسوريا وغزة، وستُثبتها الأيام القادمة.

فحين تُحاصر الأنظمة العربية حركاتها الإسلامية وتُجرّدها من الحضور السياسي والاجتماعي والتنظيمي، فإنها لا تُضعف خصماً داخلياً فحسب، بل تُزيل من المعادلة الإقليمية كاملة العمق الاستراتيجي المجتمعي الذي يُكلّف أي معتدٍ خارجي ثمناً باهظاً.


● ثانياً: الاجتثاث الداخلي — ما الذي جرى فعلاً؟

▪︎ الاجتثاث الداخلي الذي نتحدث عنه ليس مجرد ملاحقة أمنية لجماعات مسلحة، وهو ما يستطيع أي نظام الدفاع عنه بحجج قانونية وأمنية مقبولة. نتحدث عن شيء أعمق وأخطر: الحرب على الهوية الإسلامية في الفضاء العام كله، تحريم العمل السياسي لكل من يستلهم الإسلام منهجاً، إغلاق مؤسسات العمل الخيري والتربوي والثقافي التي تنتمي إلى هذا الفضاء، ومطاردة العلماء والمفكرين والناشطين حتى خارج حدود بلدانهم.

ما الذي أُزيل فعلاً جراء هذه السياسات؟ أُزيلت شبكات العمل الشعبي التي بنتها الحركات الإسلامية على مدى عقود في التعليم والصحة والإغاثة والمساجد. أُزيلت الطبقة التنظيمية التي تستطيع في اللحظات الحاسمة تحويل الطاقة الشعبية الخام إلى فعل منظم. أُزيل الوجدان السياسي للشرائح الأكثر انتماءً وأشدها مقاومةً للتطبيع مع مشاريع الهيمنة. وبكلمة واحدة: أُزيلت المناعة الذاتية للأمة في أكثر مواطنها فاعلية.

▪︎ أنظمة الوكالة — الخيانة بوجه مُعافى لا يولد الحاكم بالضرورة خائناً. أحياناً تصنعه التبعية المالية والأمنية المتراكمة عبر سنوات، حتى يجد نفسه في يوم ما يُنفّذ أجندات لم يُقرّرها، ولا يستطيع الخروج منها دون أن يدفع ثمناً يراه باهظاً على نفسه وعلى سلطته. وأحياناً أخرى، يكون الاختيار واعياً مُحسوباً: الاندراج في منظومة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية مقابل ضمانات أمنية واقتصادية، والتنازل عن الاستقلالية الاستراتيجية مقابل الاعتراف الدولي باستقرار النظام.

في كلتا الحالتين، كان الثمن الذي دفعته الشعوب فادحاً. فقد وجدت هذه الأنظمة في الحركات الإسلامية خصماً مثالياً لأسباب ثلاثة: أولها، أن هذه الحركات تمتلك شرعية شعبية مستقلة عن الدولة، وهو ما يُقلق أي نظام يستمد وجوده من القمع لا من الرضا. وثانيها، أن إسقاطها تحت شعار "مكافحة الإرهاب" يُرضي الراعي الدولي ويُوطّد العلاقة معه. وثالثها، أن غياب هذه الحركات يُفسح الطريق أمام التطبيع والتنسيق مع إسرائيل دون إزعاج شعبي منظم.

لم يكن اجتثاث الحركات الإسلامية حرباً على الإرهاب، بل كان في جوهره تصفيةً للقوى الوحيدة التي تمتلك مشروعاً إسلاميا مستقلاً ورفضاً مبدئياً لمنظومة الهيمنة.

▪︎ الكرسي مقابل الأمة في فقه السياسة الشرعية، ثمة مبدأ ثابت: الحاكم راعٍ ومسؤول عن رعيته. وأن يُفرّط الراعي في مصالح الرعية حفاظاً على كرسيه فهو من أشد صور خيانة الأمانة التي حذّر منها الفقه الإسلامي. لكن ما جرى كان أعمق من مجرد الإخلال بالأمانة: بعض هذه الأنظمة جعلت من مصلحة الأمة وقوداً تحرقه في مدفأة استمراريتها، وأضافت إلى ذلك بُعداً آخر أشد خطورة وهو التنسيق الاستراتيجي مع الخصم الخارجي ضد المكوّن الداخلي.

وحين سُئل بعض هؤلاء الحكام في ما مضى عن العلاقة مع إسرائيل أجابوا بحسابات اقتصادية وأمنية. لكن ما لم يقولوه هو أن التطبيع مع إسرائيل وإضعاف الحركات الإسلامية داخلياً وجهان لعملة واحدة: لا يمكن تمرير الأول دون إنجاز الثاني، ولا يمكن إسكات الرفض الشعبي دون تجريد المكوّن الإسلامي من أدواته.


▪︎ مفارقة المستفيد الأكبر يقول المنطق السياسي الصارم: إذا أردت معرفة من يستفيد من سياسة ما، فانظر من يُفرح بنتائجها. والسؤال الذي يستحق التأمل الصادق هو: مَن يُفرحه أكثر أن تختفي الحركات الإسلامية من المشهد العربي  — الأنظمة التي طالما وصفتها بالتهديد، أم إسرائيل التي تعرف جيداً أين تقع قوى المقاومة ومن أين تستمد زخمها؟

الإجابة تزعج لكنها ضرورية: المستفيد الاستراتيجي الأكبر من إضعاف الحركات الإسلامية في العالم العربي هو المشروع التوسعي الإسرائيلي والقوى الداعمة له. ليس لأن هذه الحركات معصومة من الخطأ، بل لأن غيابها يُزيل الكتلة الأكثر رفضاً للتطبيع والأكثر قدرة على تجنيد الرأي العام وتأطير الصراع بوصفه صراعاً وجودياً لا صراعاً على حدود.

لقد كان يمكن لبعض هذه الأنظمة أن تُدرك خطأها مع حركاتها الإسلامية وتستجيب لأمر ربها ووتصالح معها، بما يمنع تهديد السلطة دون أن يُؤدي إلى اجتثاث أحد. لكن الخيار كان مختلفاً: الاجتثاث الشامل للحركات الإسلامية الذي يُخدم، ربما دون وعي كامل، من هو أبعد من حدود هذه الأنظمة.


▪︎ لماذا تحديداً الحركات الإسلامية؟ بشكل أوضح  لماذا كانت الحركات الإسلامية تحديداً هي الهدف، دون سواها من القوى السياسية؟

الجواب يكشفه تحليل بسيط لخريطة القوى في المنطقة. الأحزاب الليبرالية والقومية والاشتراكية التي طُوردت هي الأخرى في فترات مختلفة، لم تستطع يوماً بناء شبكة مجتمعية مستقلة عن الدولة وتتجذر في وجدان الناس وحياتهم اليومية. لكن الحركات الإسلامية فعلت تحديداً ذلك: بنت مستشفيات ومدارس وأكاديميات ونقابات وشبكات دعم اجتماعي... تعمل مستقلة عن البيروقراطية الرسمية. وأنشأت علاقة ثقة عميقة مع قطاعات الشعب الأكثر تديناً والأشد رفضاً للتبعية الخارجية.

هذا الحضور المجتمعي الراسخ هو الذي يجعل الحركات الإسلامية خطرة على نوعين من الخصوم في آن واحد: خطرة على الأنظمة الاستبدادية لأنها تمثل شرعية موازية، وخطرة على مشاريع الهيمنة الخارجية لأنها تصنع الرفض المنظم الذي لا يمكن شراؤه ولا تجاوزه دبلوماسياً.

◈  المشروع النهضوي — ما لم يُقتل بعد

والأخطر من ذلك كله أن هذه الحركات تحمل — رغم كل إخفاقاتها وأخطائها الجسيمة التي لا يجوز إغفالها — مشروعاً نهضوياً متكاملاً: رؤية للدولة تقوم على الشورى والعدل والمرجعية الإسلامية، ومشروعاً تنموياً يستعيد الاستقلالية الاقتصادية، وموقفاً راسخاً من القضايا الكبرى في مقدمتها القضية الفلسطينية. هذا المشروع النهضوي هو ما لا تستطيع منظومة الهيمنة الخارجية التعامل معه، لأنه يرفض الاندراج في معادلاتها رفضاً مبدئياً ووجودياً.

لهذا بالتحديد، وليس لأسباب أمنية صرفة، كان القرار باجتثاث هذه الحركات قراراً استراتيجياً من الدرجة الأولى. من يمتلك مشروعاً نهضوياً مستقلاً لا يمكن احتواؤه، ومن لا يمكن احتواؤه يجب اجتثاثه — هذه هي المنطق الحقيقي لما جرى، حتى وإن جاء مُلبَّساً بخطاب التحديث ومكافحة الإرهاب

● ثالثاً: لحظة الحرب — حين تصحو الأنظمة على ما فعلته

لنفترض سيناريو ليس بعيداً عن الممكن: حرب إقليمية واسعة تندلع، وتتحرك إسرائيل لتنفيذ مشاريعها الكبرى، سواء أكانت توسعاً جغرافياً أم فرض وقائع جديدة على الأرض تغير وجه المنطقة. في هذه اللحظة، ماذا ستجد الأنظمة التي أمضت عقوداً في حروبها الداخلية؟

ستجد شعوباً مُنهكة من سنوات القمع، وفضاءً سياسياً مُصادراً، وطبقة وسطى مُحبطة لا تثق بنظام ولا تُؤمن بمستقبل. وستجد أن المكونات التي كانت الأكثر دافعيةً للمقاومة والأشد عداءً للمشاريع الخارجية قد غدت مُشتتة بين السجون والمنافي وصفحات التاريخ. وستكتشف أن الشعوب التي أُضعف وجدانها الجمعي لا تستطيع استعادته في يوم واحد حين تحتاجه.

هنا يكمن العقاب التاريخي الأشد إيلاماً: حين يدرك من فعلوا ذلك أنهم لم يحاربوا تهديداً داخلياً فحسب كما يحسبوه، بل كانوا يُهيئون الأرض لمن ينتظر خلف الأفق. وهذا الإدراك سيأتي متأخراً، في أسوأ لحظة ممكنة، حين لا ينفع الندم ولا يُسعف الوقت.

العوائق التي أُزيلت بلا ثمن من المنظور الاستراتيجي الصرف، يُعدّ الحضور الإسلامي الشعبي المنظم في الدول العربية بمثابة تكلفة ضمنية يتحملها أي مشروع يسعى إلى فرض هيمنته على المنطقة. هذه التكلفة تتجلى في: صعوبة شراء الصمت الشعبي على التطبيع، وعقبات دينية وأخلاقية أمام التوافقات التي تتجاوز الحقوق، وقدرة الحشد الشعبي التي تُعقّد أي حسابات عسكرية، فضلاً عن الشرعية الدينية الحقة التي تُضفيها الحركات الإسلامية على الرفض والمقاومة.

حين تُزال هذه التكلفة كلها، يُصبح المشروع أرخص بكثير مما كان. ولم يدفع من أراد إزالتها سوى الاستثمار في بضع علاقات مع بعض الأنظمة التي وجدت في الاجتثاث الداخلي هدفاً يشتركان فيه، وإن اختلفت الأسباب والمقاصد.

بتعبير آخر ومبسط لهذه الفقرة للإستعاب أكثر ! 

( الحرب الإقليمية الكبرى ليست سيناريو افتراضي بعيد، بل هي منطق حتمي تُفرزه المعطيات الراهنة: إسرائيل تتمدد دون رادع حقيقي، والدعم الأمريكي يُتيح لها هامشاً غير مسبوق من الجرأة، والفراغ العربي يفتح أمامها آفاقاً لم تكن متاحة في عقود سابقة. والمرحلة القادمة قد تحمل ما هو أشد من غزة ولبنان: مشاريع لإعادة رسم الخريطة الجغرافية والسكانية وفق منطق الهيمنة الكاملة.

في هذه اللحظة، ستواجه الأنظمة العربية سؤالاً وجودياً: هل تستطيع الصمود؟ والجواب يتوقف إلى حد بعيد على ما إذا كانت تمتلك عمقاً شعبياً حقيقياً يستطيع تحمّل أعباء المواجهة الطويلة. الجيوش النظامية تستطيع خوض بعض المعارك، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة إرادة المقاومة المستدامة التي أربكت إسرائيل في غزة لعقود. هذه الإرادة تصنعها الشعوب الإسلامية، وتُنظّمها الحركات المجتمعية الإسلامية، وتُؤطّرها المرجعية الشرعية الدينية .

 ◇ المفارقة التاريخية الصارخة ستكتشف الأنظمة التي أمضت سنوات في اجتثاث مكوناتها الإسلامية أنها أزالت بيدها الطبقة الوحيدة التي كانت قادرة على سدّ هذه الفجوة. ستكتشف أن الحركات الإسلامية التي سجنت قياداتها وطاردت كوادرها وأغلقت مؤسساتها كانت هي بالذات، بشبكاتها الشعبية وثقتها الجماهيرية ومرجعيتها الدينية، الأقدر على تحويل الغضب الشعبي من الشارع إلى مقاومة منظمة صامدة.

هذا هو معنى أن تُزيل الأنظمة درعها بيدها: لم تكن تحارب عدواً داخلياً، بل كانت تُفكّك المناعة الذاتية لمجتمعاتها. والأشد مرارة أن هذا التفكيك جرى في بعض الأحيان بتشجيع مباشر وبتمويل وأسلحة من القوى ذاتها التي تدعم المشروع التوسعي في المنطقة)


رابعاً: الخاتمة 

 السنن الإلهية والعاقبة للمتقين:

في خضم هذا التحليل المرير الذي استعرضنا فيه الأبعاد الشرعية والاستراتيجية والسياسية، يبقى الإيمان بسنن الله في التاريخ هو المرتكز الذي لا يتزعزع. وتلك السنن ليست أمانياً عاطفية بل هي قوانين أثبتها التاريخ مراراً: الظلم لا يبني استقراراً، والأمم التي تستنزف طاقاتها في القهر الداخلي تُصبح هشة أمام الضغوط الخارجية، وكل مشروع قائم على الإفساد والهيمنة يحمل في داخله عوامل زواله.

مشروع التوسع الإسرائيلي بكل ما يحظى به من دعم دولي وغطاء سياسي، ومهما بلغ من تقدم ميداني في لحظة من اللحظات، لن يستطيع أن يُفرز حقيقة جغرافية وديموغرافية مستقرة تقبلها الشعوب الإسلامية بكل مكوناتها. التاريخ لا يُنهيه الغزاة، بل تُنهيه مشيأة الله بإرادة الشعوب التي تسعى لإعلاء كلمة حين تُقرر أن تنتصر. والشعوب التي تمتلك وعياً دينياً حياً ونسيجاً مجتمعياً متماسكاً لا تنضب قدرتها على الاسترداد مهما طال الليل.

والله عز وجل الذي جعل التداول في الأيام سنةً لا تتبدّل، والذي وعد بنصر أوليائه وإن طالت المحن، لا يُخلف وعده. وما يبدو الآن من تراجع وضعف هو فصل في مسيرة طويلة، لا هو النهاية. غير أن هذا اليقين الإيماني لا يعفي أحداً من تحمّل مسؤوليته: فالله يُعين المؤمنين لكنه لا يفعل نيابةً عنهم ما يستطيعون فعله. والذين أسهموا في تمكين الأعداء بحروبهم الداخلية ضد من يحمل شعار الإسلام مطالبون أمام الله ثم التاريخ بحساب لا يُؤجَّل إلى الأبد.

التأريخ فسيُسجّل هذه الحقبة بوصفها لحظة أُهدر فيها رأس المال البشري والاجتماعي لأمة على مذبح سياسة ممنهج إستئصالية لأنظمة حاكمة  .

بيد أن اليأس لا يسكن في قاموس من يُحسن قراءة التاريخ والسنن. فمشاريع الهيمنة والشر، مهما بلغت في لحظة من اللحظات ذروتها وسيطرتها، إلا أنها تحمل في داخلها بذور انهيارها لأنها تقوم على الباطل، والباطل لا يُبنى عليه صرح دائم. وسيكشف الزمن أن الاستئصال لا يُنهي فكرة حية، وأن الأمة التي تحمل في أعماقها إيمانًا صادقاً بحقها في الوجود والكرامة لا تنضب قدرتها على النهوض.


الأمل ليس سذاجة:

وليعلم كل من يقرأ هذا أن الأمل في انتصار الحق لا يعني الاسترخاء ولا يعني الانتظار السلبي. السنة الإلهية ترتبط بالسعي الإنساني: الله ينصر أولياءه لكنه يريدهم أن يكونوا في مستوى النصر، أن يُصلحوا ما أفسدوه في أنفسهم، أن يُراجعوا أخطاءهم بشجاعة، أن يبنوا وحدتهم على الحق لا على العصبية.

ولا بد من قول ما يجب قوله: إن على الحركات الإسلامية ذاتها أن تُراجع تجربتها بعمق وجرأة — أين أخطأت في قراءة الواقع، وأين قصّرت في بناء الثقة، وأين دفعت الناس بعيداً بسلوك لا يليق بمن يحمل مشروعاً نهضوياً. هذه المراجعة ليست ضعفاً بل هي شرط النهوض. والأمة لن تنهض بحركات تُضخّم انتصاراتها وتُخفي إخفاقاتها، بل بحركات تستطيع النظر في المرآة دون أن ترتعش.

— ✦ —

وفي النهاية: ما يجري في المنطقة ليس مجرد صراع سياسي قابل للتفاوض، بل هو صراع وجودي على هوية الأمة ومستقبلها. والأنظمة التي اختارت أن تكون أداةً في يد من يُريد حسم هذا الصراع ضد الأمة ستجد يوماً ما أنها كانت تحفر قبرها بأيديها. أما الله عز وجل فسيُتم نوره ولو كره الكارهون، وسيُمكّن لأوليائه في الأرض وسيمكر بمن مكر — وسنة الله في ذلك ماضية لا تُردّ.

— ✦ —

تعليقات