أ. سميحة بنعمر: الأمين العام لشبكة الرواد الإلكترونية ومستشارة منصة المرأة المسلمة وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض
"أن يثني عليك الناس ويشار لك بالبنان..
أن تكون المبجل، وأن يوسع لك في المجالس..
أن تفني عمرك لا همَّ لك سوى جمع الألقاب!
أن تكون غايتك صيتك بين الخلق.. هل ينفعك ذلك؟"
سؤال يفضح زيف التنافس الدنيوي الذي نعيشه،
ويهز كياننا الذي أرهقته مطاردة السراب:
من يلهث وراء لقب، أو منصب، أو كرسي، أو إعجاب، فقد حاد عن الغاية وأخطأ الرماية.
عمر ابن الخطاب: من تواضع لله رفعه الله
هذا خليفة المسلمين: أمير المؤمنين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة،
بل يكفي أن يذكر اسمه عاريا عن كل لقب:
عمر ابن الخطاب!
ويا لثقل هذا الإسم!
عظيم الصيت في الأرض والسماء ومع ذلك عاش متواضعا ومات معظِّما..!
مشهد خروج عمر!
تأمل هذا المشهد المهيب الذي يروى عن سيدنا عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ عندما طُعِنَ وهو في المحراب.
فأُتي بالحليب فشربه فخرج الحليب من خاصرته.. فقال له الطبيب: أوصِ يا أمير المؤمنين فإنك لن تعيش.
نادى عمر ابنه عبدالله وقال له: ائتني بحذيفة بن اليمان.
وجاء حذيفة وهو الصحابي الذي أعطاه الرسول ﷺ أسماء المنافقين.
وقال عمر والدماء تجري من خاصرته: يا حذيفة بن اليمان أناشدك الله هل قال الرسول اسمي بين المنافقين...؟
فسكت حذيفة ودمعت عيناه.
تخيل هذا الخوف العظيم! إنه خوف لا يشعر به إلا من عرف الله حقاً. إنه يخشى أن يكون اسمه في تلك القائمة، مع أنه المبشر بالجنة.
وبكى حذيفة وقال: ائتمنني على سر لا أستطيع أن أقوله يا عمر.
فألح عليه، فقال حذيفة: أقول لك ولا أقولها لغيرك، والله ما ذكر اسمك عندي.
هنا ارتاح عمر قليلاً، لكنه لم ينشغل بذلك.
بقي له من الدنيا أمر واحد.
قال لإبنه عبدالله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين،
فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه.
ذهب عبدالله إلى السيدة عائشة فوجدها قاعدة تبكي. قال لها الرسالة، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي. فأذنت له.
ثم عاد عبدالله فرحاً، فرأى خد عمر على التراب، فجلس ووضع خده على فخده. فنظر إليه عمر وقال له: لم تمنع خدي من التراب؟
قال: يا أبتاه. قال: ضع خد أبيك على التراب ليمرغ به وجهه، فويل لعمر إن لم يغفر له ربه غداً.
ثم أوصى ابنه في أمر دفنه: إن صليتُ عليّ في مسجد رسول الله، فانظر إلى حذيفة، فقد يكون راعني في القول، فإن صلى عليّ حذيفة، فاحملني باتجاه بيت رسول الله، ثم قف على الباب، فقل: يا أماه، ولدك عمر، ولا تقل أمير المؤمنين، فقد تكون استحيت مني فأذنت لي، فإن لم تأذن فادفني في مقابر المسلمين.
دفن سيدنا عمر _رضي الله عنه_ بجانب صاحبيه أبي بكر والنبي ﷺ.
لم يقل عمر "لا تقل أمير المؤمنين" جحوداً للقب الذي حمله بأمانة عشرين سنة،
بل قاله لأن اللقب عنده كان وظيفة قبل أن يكون شرفاً،
ومسؤولية قبل أن يكون مكانة.
حين انتهت الوظيفة بانتهاء القدرة على أدائها، رفض أن يحمل عنوانها.
وهذا هو الفرق بين من يلبس اللقب ومن يخدمه.
فكان أن اصطفاه الله فجعله قدوة للمسلمين فلقبوه بالفاروق و شهدت له المواقف بالتوفيق
ونال أعلى درجات التكريم لمكانته من النبي ﷺ وبشارته له بالجنة ومع ذلك لم يغتر بما آتاه الله بل زاده ذلك تواضعا وخشية.
هذا حال عمر فما حال بقية البشر؟!
الثناء الإلهي: عندما يختارك الله
ما قيمة ثناء الناس عليك أو ذمهم أمام ثناء الله عليك؟
هذه الآية تحمل بشرى عظيمة. إنها تخبرنا أن الأمة الإسلامية كلها هي أمة مصطفاة.
يعلق الإمام السعدي على هذه الآية في تفسيره قائلاً: "لهذا، لما كانت هذه الأمة أكمل الأمم عقولا، وأحسنهم أفكارا، وأرقهم قلوبا، وأزكاهم أنفسا، اصطفاهم الله تعالى،
واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب،
ولهذا قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وهم هذه الأمة.
{فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} بالمعاصي، [التي] هي دون الكفر.
{وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} مقتصر على ما يجب عليه، تارك للمحرم.
{وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} أي: سارع فيها واجتهد، فسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض، المكثر من النوافل، التارك للمحرم والمكروه.
فكلهم اصطفاه اللّه تعالى، لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه، فإن ما معه من أصل الإيمان، وعلوم الإيمان، وأعمال الإيمان، من وراثة الكتاب، لأن المراد بوراثة الكتاب، وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه".
إذن، أنت مدعو لتكون من المصطفين. على قدر أخذك للكتاب، وعلى قدر تعلقك به، يكون قدر ترقيك في درجات الاصطفاء.
اكتب مراجعة عامة