سلسلة: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾
ها هو شهر رمضان يُقبل علينا بنسائمه الإيمانية،
خصه الله بفضائل عديدة وجعله موسمًا للصيام والقيام،
ولكن السر الأعظم في علو قدره، هو ما أودعه الله فيه من نور وهدى،
قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
فشرف الزمان إنما هو بشرف ما نزل فيه من كلام الرحمن.
إنه الشهر الذي اختاره الله ليكون مولد النور الأعظم، وبداية الرسالة الخالدة.
فإذا كنا نصوم عن الطعام والشراب، فإن الصوم الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعصية،
وصيام القلب عن الانشغال بغير الله، لنصل إلى الغاية الكبرى:
قبل أن نفتح المصحف، وقبل أن تترطب ألسنتنا بآياته،
علينا أن نستحضر عظمة ما نقرأ.
إنه ليس كلام بشر، بل هو كلام رب البشر
الذي إذا تكلم به في السماء خرت الملائكة ساجدة، فزعًا وهيبة لعظمته.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ... فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ".
تأمل هذا المشهد المهيب!
ملائكة الله، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يضربون بأجنحتهم خضعانًا لقول الله عز وجل،
ويُفزَعون حتى يُغشى عليهم من هول ما يسمعون.
ثم إذا زال الفزع وسألوا: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ}، كان الجواب: {الْحَقَّ}، لأنه تعالى لا يقول إلا الحق.
هذا هو كلام الله، الذي تتصدع منه الجبال، وتخشع له القلوب المؤمنة، وتسكن له النفوس.
كم قرأناه ونحن في غفلة، وقلوبنا مشغولة بأمور الدنيا، وألسنتنا تلهج به دون تدبر؟!
كيف لا نجمع قلوبنا عليه ولا ننزله المنزلة التي هو أهل لها؟!
أثر القرآن في الكون: قصة أسيد بن حضير
إن تلاوتك الخاشعة للقرآن هو حدث كوني له تأثيره على العالم بأسره:
عالم الملائكة والجن والإنس..
من أعظم الشواهد على هذا الأثر العظيم ما حدث للصحابي الجليل أسيد بن حضير رضي الله عنه.
في الصحيحين أن أسيد بن حضير كان يقرأ القرآن في مربده (مكان تخزين التمر) ليلاً،
فجالت فرسه (اضطربت وتحركت)،
ثم جالت ثانية، ثم جالت ثالثة. وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فخاف أن تطأه، فقام إليها، فرفع رأسه إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، ثم صعدت إلى السماء حتى ما يراها.
فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ وأخبره، فقال له النبي ﷺ: "اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ".
ثم أخبره أن تلك الملائكة كانت تستمع لقراءته، وأنها لو قرأ لرآها الناس وما تستتر منهم.
سبحان الله! إنه صحابي جليل يقرأ القرآن بخشوع وتدبر،
فتنزل الملائكة الكرام لتصغي إلى صوته، وتدنو منه حتى تكاد تحتضن المكان!
وفي حديث آخر عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: أن رجلاً كان يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط، فتغشته سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها،
فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر له، فقال: "تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ".
إنها السكينة التي تتنزل على قارئ القرآن، فتغمر قلبه،
إنه نور يغشى المكان، وبركة تعم الأرجاء.
رمضان، شهر الأنوار..والعالم المظلم
نحن اليوم نعيش في عالم يموج بالظلم والفساد،
عالم تتلاطم فيه أمواج الفتن، وتنتشر فيه الرذائل، وتُستباح فيه الحرمات.
إخوان لنا في كل مكان يُقتلون ويُشرّدون، وتُسفك دماؤهم بغير حق، وتُهتك أعراضهم، ويُحاصرون في أوطانهم.
عالم يئن تحت وطأة الجهل والظلم والاستكبار.
وفي هذا العالم المعتم، يأتي رمضان ليذكرنا أن هناك نورًا لا ينطفئ،
وأن هناك هدى لا يضيع.
يأتي رمضان ليؤكد أن القرآن هو النور الذي يبدد هذا الظلام،
والمنهج الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم.
فيا أيها المؤمن، إذا رأيت هذا الظلام يخيم على الأرض، فلا تيأس، ولا تقنط.
إن الظلام لا يُقاوم بمثله، وإنما يُقاوم بالنور.
جعلك الله في هذه الأرض خليفته لتهتدي بهديه وتقيم شرعه.
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 38]
أن تحمل القرآن في قلبك، وتنشره بين الناس بخلقك وسلوكك ودعوتك.
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه لهذا العالم في رمضان هو أن تنهل من نور القرآن، ثم تنطلق به في الأرض.
حلق يا مؤمن بهذا المعنى
أنت في هذا الشهر مدعو لأن تحلق في آفاق القرآن، لتتذوق حلاوته، وتستشعر عظمته، وتتعرف على منة الله عليك به.
اقرأ قوله تعالى: {الرَّحْمَٰنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1-2].
إنه الرحمن، الذي وسعت رحمته كل شيء، ومن تمام رحمته أن علّم الإنسان هذا القرآن.
إنه ليس مجرد كتاب، إنه أعظم هدية أرسلها الله إلى البشرية،
فيه شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للعالمين.
اجعل قلبك وعاء للخير
القلب هو وعاء الإيمان، وهو موضع نظر الرب.
والله لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أموالنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.
فاجعل قلبك في هذا الشهر وعاءً نقيًا للخير،
استقبل به آيات القرآن، واجعل له منفذًا مفتوحًا لا يُغلق.
قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].
فاشترط الله أمرين للانتفاع بالقرآن: وجود قلب حي، وإلقاء السمع مع حضور وشهود.
عندما تمر بك آية رحمة، اجعلها تنزل على جرحك فتداويه،
وعندما تمر بك آية عذاب، استحضر رحمة الله بك أن حذرك ما يسخطه عنك
وعندما تمر على الأحكام، تب من التقصير واستعن بالله ولا تعجز..
اعرض نفسك على القرآن
رمضان فرصة عظيمة للمحاسبة ومراجعة الذات،
وأفضل ميزان للمحاسبة هو القرآن.
اعرض نفسك على القرآن في هذا الشهر، واسأل نفسك: أين أنا من هذه الآيات؟
تقرأ قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]،
فهل تشعر بأخوتك لإخوانك المستضعفين في كل مكان؟
هل يوجعك ألمهم، ويسعدك فرحهم؟
تقرأ قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72]،
فهل تبحث عن سبل نصرتهم؟ هل تدعو لهم في ظهر الغيب؟ هل تسعى لتخفيف معاناتهم بمالك أو بما تستطيع؟
تقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [الصف: 10-11]،
فهل جهزت خطتك للتجارة مع الله؟
هل تبذل من وقتك وجهدك لنصرة دينه؟
تقرأ قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل: 20]،
هل تتصدق؟ هل تشارك في أعمال الخير؟
إن القرآن ليس مجرد كتاب يتلى، إنه منهج حياة وسبيل الفلاح.
فإذا قرأته، فاجعله نبراسًا يضيء لك الطريق، ودليلاً يرشدك إلى ما يرضي الله.
الخاتمة
أخي المسلم، أختي المسلمة، إن رمضان شهر القرآن، فاغتنموه، ولا تضيعوا أيامه ولياليه في اللهو والغفلة.
اجعلوا القرآن رفيقكم في هذا الشهر، ففيه النجاة، وفيه السعادة، وفيه النور الذي يبدد ظلمات هذه الحياة.
تذكروا قصة أسيد بن حضير، وتذكروا كيف نزلت الملائكة تستمع لقراءته،
وتذكروا كيف تنزلت السكينة على قارئ سورة الكهف..
واعلموا أن ربكم الذي أنزل هذا القرآن هو الحي القيوم، الذي لا ينام،
لا تشغله عنك دعوة داع، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
فارفعوا أكف الضراعة إليه، واسألوه أن يرحم إخوانكم المستضعفين في كل مكان،
وأن ينصرهم على أعدائهم، وأن يفرج كربهم، وأن يوحد كلمتهم، وأن يمكن لهم في الأرض.
واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا.
اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، وارفع عنهم البلاء، واجعل لهم من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
اكتب مراجعة عامة