دكتور فارس يغمور
عميد المعهد العالي لحقوق الإنسان والعلوم الدبلوماسية
أربعة عشر عامًا من الحرب كانت كافية، بل وأكثر مما يحتمله شعب ووطن. كافية لتقول لنا بوضوح مؤلم إن العنف لا يبني دولة، وإن السلاح لا يصنع مستقبلًا، وإن التحريض الطائفي لم يكن يومًا طريقًا للخلاص، بل بوابةً واسعة للدمار والانقسام.
لقد أنهكت هذه الحرب السوريين جميعًا دون استثناء. أنهكت الإنسان في كرامته، وفي أمنه، وفي أبسط حقوقه بالحياة. لم تفرّق بين طائفة وأخرى، ولا بين عرق ودين، ولا بين مدينة وريف. الجميع خسر، والجميع دفع ثمنًا باهظًا من دمه، وبيته، ومستقبله، وأحلام أطفاله.
الحرب لم تدمّر الحجر فقط، بل كسرت الروابط الاجتماعية، وأضعفت الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وفتحت جراحًا عميقة في الذاكرة الجماعية للسوريين. مدارس تحولت إلى ركام، مستشفيات خرجت عن الخدمة، عائلات تفرقت، وأجيال نشأت على صوت القصف بدل صوت الحياة. كل ذلك يفرض علينا اليوم وقفة شجاعة مع الذات، وسؤالًا صريحًا: إلى متى؟
إن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي أن لا حل عسكريًا لما جرى ويجري في سوريا. الحوار الوطني الشامل هو الطريق الوحيد، والطريق الإجباري، للخروج من هذا النفق المظلم. حوار يقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى احترام التعددية السياسية والفكرية والدينية والعرقية، وعلى الإيمان بأن سوريا لا يملكها طرف واحد، بل هي ملك لجميع أبنائها.
سوريا لا تُبنى بالإقصاء ولا بالانتقام، بل بالشراكة. لا تُحكم بالخوف، بل بالثقة. ولا تستقر بالقوة، بل بالعدالة وسيادة القانون. إن المشاركة الحقيقية لكل المكونات السورية في العملية السياسية والديمقراطية ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية لضمان عدم تكرار المأساة.
ومن هنا، فإن تمكين المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني يشكّل ركيزة أساسية في أي عملية ديمقراطية حقيقية. هذه المنظمات ليست خصمًا للدولة، بل شريكًا في حمايتها من الانزلاق مجددًا إلى الاستبداد أو العنف. دورها في مراقبة احترام حقوق الإنسان، ونشر ثقافة المواطنة، وتعزيز الحوار، وبناء السلام المجتمعي، هو دور لا غنى عنه في مرحلة ما بعد الحرب.
المجتمع المدني القوي والفاعل هو صمام أمان للدولة، وضمانة لحقوق الأفراد، وجسرٌ بين المواطن ومؤسسات الحكم. ودون إشراكه الحقيقي، ستبقى أي عملية سياسية منقوصة وعرضة للانهيار.
لقد تعب السوريون، وتعب الوطن. ولم يعد هناك متسع لمزيد من الدم أو الكراهية. آن الأوان أن نرمي السلاح، لا ضعفًا، بل احترامًا لحياة الإنسان. آن الأوان أن نختار الحوار الوطني الصادق، وأن نمنح الديمقراطية فرصتها، وأن نؤمن بأن اختلافنا يمكن أن يكون مصدر قوة لا سببًا للصراع.
كفى حربًا. سوريا تستحق السلام، وتستحق دولة قانون، وتستحق مستقبلًا يُبنى بالعقول والقلوب، لا بالدمار. هذه ليست أمنية، بل مسؤولية تاريخية تقع على عاتقنا جميعًا.
اكتب مراجعة عامة