img
img

بين الولاية ودبلوماسية الحماية : فقه التمييز في زمن اختلال الموازين

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

بين الولاية ودبلوماسية الحماية : فقه التمييز في زمن اختلال الموازين

د.ياسر قطب

مؤسس مشروع هندسة الشرعية والتحصين السيادي


المقدمة 

في زمن اختلال الموازين الدولية، وتراجع القوة الذاتية للأمم، يختلط على كثير من الناس – بل وعلى بعض النخب – الفرق بين مفهوميْن شديدي الحساسية: الولاية المنهيّ عنها شرعًا، ودبلوماسية الحماية التي يفرضها الواقع السياسي. ويؤدي هذا الخلط إلى مواقف متطرفة: إما اندفاع انتحاري لا يراعي موازين القوة، أو انبطاح مبرَّر يُلبس التبعية لباس الحكمة.

والحق أن الإسلام – بوصفه دين ميزان لا دين شعارات – فرّق بدقة بين التحالف الذي يُفقد الأمة مرجعيتها وقرارها وهويتها، وبين إدارة العلاقة الاضطرارية في ظرف ضعف لحماية الكيان وتأجيل الصدام دون السقوط في التبعية.

أولًا: ما معنى الولاية المنهي عنها؟

والولاية التي نعنيها هنا هي الولاية المنهيّ عنها في النص القرآني، كما في قوله تعالى: ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾، وهي لا تعني مجرد التعامل، أو التعايش، أو تبادل المصالح، أو الاتفاقات السياسية المؤقتة، وإنما تعني – في جوهرها المفهومي والشرعي – ولاية التبعية والذوبان والتنازل عن الهوية والمرجعية والشريعة.

فالولاية بهذا المعنى هي:

أن يُنقل مركز القرار إلى الخارج،

وأن تُعاد صياغة الأولويات وفق إرادة الغير،

وأن يُقبل بتغيير البوصلة القيمية والحضارية،

أو يُفرّط في الشريعة والمرجعية والخصوصية الحضارية تحت ضغط القوة أو الإغراء أو الخوف.

إنها ليست علاقة مصالح، بل علاقة ذوبان.

 وليست تنسيقًا، بل خضوع.

 وليست إدارة ظرف، بل تنازل عن الذات.

ولهذا كانت الولاية في القرآن مسألة هوية ومصير قبل أن تكون مسألة سياسة أو علاقات دولية.

وبهذا المعنى الدقيق، فإن:

الولاية في النص القرآني ليست مجرد تعامل أو تواصل أو اتفاق سياسي، بل هي تحويل جهة خارجية إلى مرجعية حاكمة على القرار والهوية والمصير.

ثانيًا: ما هي دبلوماسية الحماية؟

دبلوماسية الحماية ليست ولاية، وليست تحالفًا حضاريًا، وليست ذوبانًا في مشروع الغير.

ويُستخدم هنا مصطلح "دبلوماسية الحماية" بوصفه مصطلحًا إجرائيًا ومقترحًا مفاهيميًا نقدّمه ضمن الإطار النظري لمشروع هندسة الشرعية والتحصين السيادي، وضمن الدبلوم الاستراتيجي في حقوق الإنسان والدبلوماسية، لوصف نمط خاص من إدارة العلاقات الخارجية في ظروف الضعف. وليس المقصود به توصيفًا إنشائيًا، بل إطارًا تحليليًا ومعياريًا لتقييم السياسات في سياقات الهشاشة والضغط الدولي.

وهي تعني:

إدارة مؤقتة لحالة الضعف بهدف تقليل الخسائر، وكسب الوقت، وحماية ما يمكن حمايته، حتى تتغير موازين القوة، دون نقل المرجعية أو التفريط في الهوية أو القرار.

وهي تقوم على:

تجنب الصدام غير المتكافئ،

امتصاص الضغوط بدل الاصطدام المباشر،

الحفاظ على الحد الأدنى من الكيان والسيادة،

وعدم تحويل العلاقة إلى تبعية أو مرجعية.

هي فقه بقاء، لا فقه استسلام.

ثالثًا: هل تستطيع أن تفرض عزّك وأنت ضعيف؟

من أكبر الأوهام السياسية والحضارية أن تتصور أمة منهكة أنها تستطيع فرض شروط الكرامة الكاملة وهي بلا أدوات قوة.

لا تستطيع أن تفرض عزّك وأنت في حالة ضعف،

 لكنك تستطيع أن تحمي ما تبقّى من ذاتك دون أن تبيع روحك أو مرجعيتك أو قضيتك.

الفرق هنا جوهري بين:

من يدير ضعفه ليبني قوته،

ومن يبرر ضعفه ليؤبد تبعيته.

رابعًا: الخيط الفاصل بين الحكمة والخيانة

الخيط الفاصل ليس في شكل العلاقة، بل في موقع المرجعية:

إذا بقي القرار مستقلًا، والهوية مصونة، والشريعة والمرجعية محفوظة، والمشروع ذاتيًا → هذه دبلوماسية حماية.

إذا أصبح القرار مرتهنًا، والهوية مائعة، والمرجعية مُفرَّطًا فيها، والمشروع مستوردًا → هذه ولاية مرفوضة مهما تغيّر اسمها أو تلطّفت عباراتها.

خامسًا: توضيح ضروري – متى تكون العلاقة حماية؟ ومتى تتحول إلى ولاية؟

من أخطر ما يواجه هذا النقاش هو المنطقة الرمادية التي تختلط فيها المفاهيم، فيُبرَّر الاستسلام باسم الحكمة، أو يُخوَّن التعقُّل باسم المبدئية.

ولهذا لا بد من معيار واضح:

العبرة ليست بشكل العلاقة، بل بموقع المرجعية والسيادة فيها.

فإذا كانت العلاقة الخارجية:

تُدار من داخل القرار الوطني،

وتُضبط بسقف المصلحة الذاتية،

ولا تفرض تغييرًا في الهوية أو المنهج أو البوصلة،

ولا تمسّ الشريعة أو المرجعية،

ولا تنقل مركز القرار إلى الخارج،

فهي دبلوماسية حماية، حتى لو كانت مؤلمة أو غير متكافئة.

أما إذا أصبحت العلاقة:

تملي الخيارات الكبرى،

وتعيد تعريف الأولويات،

وتحوّل الخارج إلى مرجع سياسي أو أمني أو اقتصادي،

أو تفرض خطوطًا حمراء على الإرادة الوطنية والمرجعية،

فهنا لم نعد أمام "حماية"، بل أمام ولاية مقنّعة، حتى لو رُفعت شعارات السيادة والاستقلال.

الحماية تُدار من الداخل، والولاية تُفرض من الخارج.

 الحماية تحفظ المرجعية، والولاية تنقلها.

 الحماية مرحلة، والولاية مصير.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول أو الحركات في زمن الضعف هو:

أن تبدأ بدبلوماسية حماية…

ثم تنتهي دون أن تشعر في منطقة الولاية التدريجية الزاحفة.

وهنا لا يكون السقوط فجائيًا، بل انزلاقًا بطيئًا تحت عنوان الواقعية.

سادسًا: من فقه الشعارات إلى فقه المآلات

كثير من الخطاب السياسي والديني اليوم لا يزال أسير:

فقه الشعارات،

فقه الانفعال،

فقه ردّ الفعل.

بينما الواقع يحتاج إلى:

فقه المآلات،

فقه المراحل،

فقه بناء القوة التراكمي.

ليس كل تجنب للصدام جبنًا، وليس كل صدام شجاعة.

خاتمة: بين فقه البقاء وفقه النهوض

الولاية سقوط حضاري.

 ودبلوماسية الحماية مرحلة إدارة ضعف في طريق استعادة القوة.

الحكمة ليست أن تموت واقفًا،

 ولا أن تعيش راكعًا،

 بل أن تحفظ وجودك، وتبني قوتك، وتختار لحظة الوقوف.

تعليقات