img
img

○ الشِّرَّة والفَتْرة ○ مقاربة شرعية نفسية لتجاوز الفتور وتحقيق الثبات

img
الشبكة

○ الشِّرَّة والفَتْرة ○ مقاربة شرعية نفسية لتجاوز الفتور وتحقيق الثبات

دراسة تكاملية في ضوء الحديث النبوي الشريف وعلم النفس الحديث


سلسلة : جسور بين التوجيه الشرعي والإرشاد النفسي


إعداد : أ.د عصام اشويدر
 رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرةٌ، فمن كانت فَتْرتُهُ إلى سُنَّتي فقد أفلحَ، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلكَ»

رواه الإمام أحمد في مسنده، وصححه الألباني


المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

إنَّ من أعظم السنن الكونية التي أودعها الله تعالى في طبيعة الإنسان أنَّ لكل عمل بدايةً حماسية قوية، يعقبها فتورٌ وتراجع. وهذا الأمر ليس قاصرًا على العبادات فحسب، بل يشمل كل مناحي الحياة من مشاريع مهنية وأهداف شخصية وعلاقات اجتماعية. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة الإنسانية العميقة بقوله: 

«لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرةٌ، فمن كانت فَتْرتُهُ إلى سُنَّتي فقد أفلحَ، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلكَ»

رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (مسند أحمد، وصححه الألباني). وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه: «لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرةٌ، فإنْ كان صاحبُها سدَّدَ أو قاربَ فارْجوه، وإنْ أُشيرَ إليه بالأصابعِ فلا تَعُدُّوه» (صحيح الترغيب: 57).

يكشف هذا الحديث النبوي الشريف عن فهم عميق للطبيعة البشرية، وهو ما يؤكده علم النفس الحديث بنظرياته المتعددة حول الدافعية والتحفيز والاستمرارية. ويهدف هذا المقال إلى تقديم مقاربة تكاملية تجمع بين التوجيه الشرعي والمعرفة النفسية لمساعدة الإنسان على تجاوز مرحلة الفتور وتحقيق الثبات والاستمرارية.

القسم الأول: التأصيل الشرعي لمفهوم الشِّرَّة والفَتْرة

أولًا: شرح المفردات والمعاني

الشِّرَّة في اللغة تعني النشاط والحدّة والحرص الشديد على الشيء، وهي مأخوذة من قولهم: شَرَّ الدابةُ إذا نشطت وجرت بقوة. أما الفَتْرة فهي السكون بعد الحدّة، والتراجع بعد الاندفاع، والضعف بعد القوة. قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر»: الشِّرَّة هي الحرص والنشاط على الأمر أوّلَ ما يُبتدأ فيه.

وقد أوضح الإمام المناوي في «فيض القدير» أنَّ المراد بالحديث أنَّ الإنسان يُقبل على العمل بحماس شديد في بدايته، ثم لا بدَّ أن يعتريه فتور وتراجع، فالمعيار ليس في عدم وقوع الفتور — فهو أمر طبيعي لا مفرَّ منه — وإنما في كيفية التعامل معه وما يؤول إليه.

ثانيًا: دلالات الحديث النبوي

يتضمن الحديث النبوي الشريف عدة دلالات جوهرية يمكن استخلاصها على النحو التالي:

الدلالة الأولى: تطبيع الفتور. إنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم «لكل عمل شِرَّة ولكل شِرَّة فترة» يؤسِّس لمبدأ نفسي عظيم، وهو أنَّ الفتور جزء من الطبيعة البشرية وليس علامة فشل. وهذا التطبيع النبوي يُعدُّ في حدّ ذاته علاجًا نفسيًا، إذ يُزيل عن كاهل الإنسان عبء الشعور بالذنب حين يمرُّ بمرحلة ضعف.

الدلالة الثانية: التسديد والمقاربة. في رواية أبي هريرة جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن كان صاحبها سدَّدَ أو قارَب فارجوه»، والتسديد هو إصابة الهدف تمامًا، والمقاربة هي الاقتراب منه دون بلوغه. وفي هذا إشارة نبوية بالغة الأهمية إلى أنَّ الكمال ليس مطلوبًا، وأنَّ المقاربة والاجتهاد في الوصول كافيان لبلوغ الفلاح.

الدلالة الثالثة: التحذير من الغلو. قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن أُشير إليه بالأصابع فلا تعدُّوه» تحذير صريح من الإفراط والمبالغة في العمل إلى حدٍّ يجعل صاحبه محلَّ إشارة الناس وإعجابهم، لأنَّ هذا القدر من الغلو لا يُستدام، وغالبًا ما يعقبه انتكاسة شديدة. وهو ما يتوافق مع مبدأ الاعتدال الذي يقوم عليه المنهج الإسلامي بأسره.

الدلالة الرابعة: الرجوع إلى السُّنَّة ميزان النجاح. جعل النبي صلى الله عليه وسلم مآل الفتور هو المعيار الحاسم، فمن كانت فترته إلى التزام بالسنة والاعتدال فقد أفلح، ومن انجرَّ فتوره إلى ترك العمل كليًا أو الانحراف فقد خسر. والمقصود أنَّ الإنسان حين يفتر ينبغي أن يحافظ على الحدّ الأدنى من العمل الصالح، ولا يترك كل شيء بسبب عدم قدرته على الحفاظ على المستوى الأعلى.

القسم الثاني: التأصيل النفسي لظاهرة الشِّرَّة والفَتْرة

أولًا: نظرية منحنى الحماس (The Motivation Curve)

أثبتت الدراسات النفسية أنَّ الحماس البشري يسير وفق منحنى يبدأ مرتفعًا ثم ينخفض تدريجيًا قبل أن يستقر عند مستوى معين. هذا المنحنى يُعرف في أدبيات علم النفس بمنحنى الحماس أو ما يُسميه بعض الباحثين بـ«وادي خيبة الأمل» (Trough of Disillusionment).

في البداية يكون الإنسان في حالة من الإثارة والتوقعات العالية، ثم يصطدم بالواقع والتحديات فيدخل في مرحلة تراجع، وبعدها إما أن يتكيّف ويستمر أو ينسحب ويتوقف.

هذا المنحنى يتطابق تمامًا مع وصف النبي صلى الله عليه وسلم للشِّرَّة والفَتْرة، مما يؤكد أنَّ الهدي النبوي سبق المعرفة العلمية الحديثة بأربعة عشر قرنًا في تشخيص هذه الظاهرة الإنسانية.

ثانيًا: نظرية التقرير الذاتي (Self-Determination Theory)

طوَّر عالما النفس إدوارد ديسي وريتشارد رايان نظرية التقرير الذاتي التي تُعدُّ من أهم النظريات المعاصرة في فهم الدافعية الإنسانية. تُفرِّق هذه النظرية بين نوعين من الدافعية: الدافعية الداخلية (Intrinsic Motivation) التي تنبع من داخل الإنسان ومن إيمانه بقيمة ما يفعل، والدافعية الخارجية (Extrinsic Motivation) التي تعتمد على محفزات خارجية كالثناء والمكافآت.

تؤكد هذه النظرية أنَّ الأشخاص الذين يعتمدون على الدافعية الداخلية هم الأكثر قدرة على تجاوز مرحلة الفتور والاستمرار في العمل. وهذا يتوافق مع التوجيه النبوي بأنَّ من كانت فترته إلى السُّنَّة — أي إلى العمل المبني على الإيمان والقناعة الداخلية — فقد أفلح، بينما من كان دافعه خارجيًا — كالرياء وطلب ثناء الناس (أن يُشار إليه بالأصابع) — فهو الأقرب للانتكاسة.

ثالثًا: نظرية الاستنزاف الذاتي (Ego Depletion Theory)

قدَّم عالم النفس روي باوميستر نظرية الاستنزاف الذاتي التي تُشبِّه قوة الإرادة بعضلة تتعب من كثرة الاستخدام وتحتاج إلى الراحة لتتعافى. وفقًا لهذه النظرية، فإنَّ الإنسان الذي يبذل جهدًا كبيرًا في ضبط النفس والالتزام بمستوى عالٍ من الأداء سيصل حتمًا إلى نقطة استنزاف تتراجع فيها قدرته على المواصلة.

هذا يُفسِّر لماذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو في العبادة والعمل. فالذي يُحمِّل نفسه فوق طاقتها في البداية (الشِّرَّة المفرطة) يستنزف مخزون إرادته بسرعة، فتأتيه الفترة أشدَّ وأعنف. بينما من اعتدل في عمله وسدَّد وقارب حفظ مخزون إرادته واستطاع الاستمرار.

رابعًا: الدورة النفسية للتغيير (Stages of Change Model)

طوَّر بروشاسكا وديكليمنتي نموذج مراحل التغيير الذي يصف خمس مراحل يمر بها الإنسان عند محاولة تغيير سلوكه: مرحلة ما قبل التأمل (عدم الوعي بالمشكلة)، ومرحلة التأمل (التفكير في التغيير)، ومرحلة الإعداد (التخطيط)، ومرحلة الفعل (التنفيذ)، ومرحلة الحفاظ (الاستمرارية). ويؤكد هذا النموذج أنَّ الانتكاسة جزء طبيعي من عملية التغيير، وأنَّ معظم الناس يمرون بعدة دورات من التقدم والتراجع قبل أن يثبتوا على التغيير المطلوب.

القسم الثالث: آفة جلد الذات وأثرها في الانتكاسة

أولًا: مفهوم جلد الذات ومظاهره

جلد الذات (Self-Flagellation / Self-Criticism) هو النقد المفرط والقاسي الذي يوجهه الإنسان لنفسه عند الإخفاق أو التقصير. ويتجاوز هذا النقد الحدَّ الصحي للمحاسبة الذاتية ليتحول إلى أداة تدمير نفسي تُقعد صاحبها عن النهوض مجددًا. من أبرز مظاهر جلد الذات: التعميم السلبي كأن يقول الإنسان لنفسه «أنا فاشل دائمًا»، والتهويل بتضخيم الخطأ وتصويره ككارثة، واللوم المستمر والعجز عن مسامحة النفس، ومقارنة الذات بالآخرين مقارنةً مجحفة.

ثانيًا: الفرق بين محاسبة النفس وجلد الذات

ثمة فرق جوهري بين محاسبة النفس التي حثَّ عليها الإسلام وبين جلد الذات المذموم. فمحاسبة النفس — كما وصفها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا» — تكون بالنظر في التقصير بعين الرحمة والعزم على الإصلاح، دون يأس أو قنوط. أما جلد الذات فهو استغراق في لوم النفس يُفضي إلى الشلل والعجز عن التقدم.

إنَّ محاسبة النفس المحمودة تقود إلى التوبة والتصحيح، بينما جلد الذات يقود إلى اليأس من رحمة الله. والقرآن الكريم يُحذِّر من هذا اليأس تحذيرًا شديدًا، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].

ثالثًا: الأثر النفسي لجلد الذات في تعميق الانتكاسة

أثبتت الدراسات النفسية أنَّ جلد الذات يدخل الإنسان في حلقة مفرغة من التراجع. فحين يقصِّر الإنسان في عمل ما ويبدأ بتأنيب نفسه بقسوة، يرتفع مستوى هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) في جسمه، مما يُضعف قدرته على اتخاذ قرارات سليمة ويُقلل من دافعيته، فيزداد تقصيره، فيزداد لومه لنفسه، وهكذا في دوامة لا تنتهي.

أظهرت أبحاث كريستين نيف (Kristin Neff) الأستاذة في جامعة تكساس أنَّ الأشخاص الذين يمارسون التعاطف مع الذات (Self-Compassion) بدلًا من جلد الذات هم الأكثر قدرة على النهوض بعد الإخفاق والعودة إلى المسار الصحيح. والتعاطف مع الذات لا يعني التهاون أو التبرير، بل يعني الاعتراف بالخطأ مع الرفق بالنفس والعزم على التحسين.


القسم الرابع: استراتيجيات تجاوز الفتور وتحقيق الثبات

أولًا: الاستراتيجيات الشرعية

1. الالتزام بالحد الأدنى وعدم الانقطاع الكلي. إنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ، كما جاء في الحديث الصحيح. فإذا كان الإنسان يقرأ جزءًا من القرآن يوميًا ثم فتر، فلا ينبغي أن يترك القراءة كليًا، بل يقرأ ولو صفحة واحدة. وهذا هو معنى «فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح»، أي من حافظ على الأساسيات والفرائض ولم ينقطع عن العمل كليًا.

2. تجديد النية واستحضار المعنى. من أعظم ما يُعين على تجاوز الفتور تجديدُ النية واستحضار الغاية من العمل. فالنية الصادقة تُحوِّل العادة إلى عبادة، وتمنح العمل الروتيني معنى جديدًا. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يجدد إيمانه بالذكر والدعاء والتفكر، وهو القدوة في ذلك.

3. التدرج والرفق بالنفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الدين يُسر، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا» (صحيح البخاري). هذا التوجيه النبوي يؤسس لمبدأ التدرج، فالإنسان ينبغي أن يبدأ بما يُطيق ثم يزيد تدريجيًا، لا أن يبدأ بحماس مفرط يعجز عن الاستمرار فيه.

4. صحبة الصالحين والبيئة المحفزة. قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]. والبيئة الإيمانية والصحبة الصالحة من أقوى العوامل المعينة على الثبات. فالإنسان حين يحيط نفسه بأشخاص يسعون نحو نفس الأهداف يجد فيهم سندًا وتشجيعًا يعينه على تجاوز لحظات الضعف.

5. الدعاء والتوكل على الله. لا ينبغي إغفال الجانب الروحي في مواجهة الفتور. فالدعاء سلاح المؤمن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: «يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلبي على دينك» (سنن الترمذي). والإنسان مهما بلغت قوة إرادته يحتاج إلى عون الله وتوفيقه.

ثانيًا: الاستراتيجيات النفسية

1. تقنية تقسيم الأهداف (Goal Chunking). تُشير الأبحاث النفسية إلى أنَّ تقسيم الأهداف الكبيرة إلى أهداف صغيرة قابلة للتحقيق يُقلل من الشعور بالإحباط ويُعزز الدافعية. فبدلًا من هدف «أحفظ القرآن كاملًا» يمكن تحديد هدف «أحفظ خمس آيات يوميًا». هذا التقسيم يُوفر إحساسًا مستمرًا بالإنجاز يُغذي الدافعية الداخلية.

2. التعاطف مع الذات (Self-Compassion). كما أسلفنا، فإنَّ ممارسة التعاطف مع الذات — وفق نموذج كريستين نيف — يتضمن ثلاثة مكونات أساسية: اللطف مع النفس بدلًا من القسوة عليها، والوعي بأنَّ المعاناة جزء من التجربة الإنسانية المشتركة (وهو ما يتوافق مع تطبيع الفتور في الحديث النبوي)، واليقظة الذهنية التي تعني ملاحظة المشاعر السلبية دون الانغماس فيها أو تضخيمها.

3. بناء العادات (Habit Formation). يرى عالم النفس ونستون ووود وكذلك جيمس كلير في كتابه «العادات الذرية» أنَّ السر في الاستمرارية يكمن في تحويل العمل من نشاط يعتمد على الإرادة والحماس إلى عادة تلقائية. وهذا يتحقق بالربط بين العمل المطلوب ومحفز ثابت في البيئة، وبالتكرار المستمر حتى يصبح العمل جزءًا من الروتين اليومي لا يحتاج إلى قرار واعٍ في كل مرة.

4. إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring). وهي تقنية من تقنيات العلاج المعرفي السلوكي تقوم على تغيير الأفكار السلبية التلقائية واستبدالها بأفكار أكثر واقعية وإيجابية. فبدلًا من فكرة «لقد فشلت ولا فائدة من المحاولة» يمكن استبدالها بـ«لقد أخذت استراحة مؤقتة وأستطيع العودة الآن». هذا التحول في التفكير يكسر حلقة جلد الذات ويفتح الباب أمام استئناف العمل.

5. نظام المكافآت والتعزيز الإيجابي. يُساعد ربط الإنجازات الصغيرة بمكافآت مناسبة على تعزيز السلوك المرغوب واستمراره. وقد أثبتت أبحاث سكينر وما تلاها في علم النفس السلوكي أنَّ التعزيز الإيجابي من أقوى أدوات تثبيت السلوك. ويُستحسن أن تكون المكافآت متنوعة ومتدرجة لتجنب اعتياد النفس عليها.

القسم الخامس: نموذج تكاملي للثبات والاستمرارية

بناءً على ما سبق من تأصيل شرعي ونفسي، يمكن اقتراح نموذج تكاملي للتعامل مع الفتور يتضمن المراحل التالية:

المرحلة الأولى: الوعي والتقبل. تبدأ الرحلة بالوعي بأنَّ الفتور أمر طبيعي لا مفرَّ منه، وأنَّه ليس دليلًا على الفشل بل هو جزء من الدورة الطبيعية للعمل البشري. هذا الوعي — المستمد من الحديث النبوي ومن علم النفس — يُزيل الضغط النفسي الذي يُفاقم المشكلة.

المرحلة الثانية: وقف جلد الذات. حين يُدرك الإنسان أنه في مرحلة فتور، عليه أن يتوقف فورًا عن لوم نفسه بقسوة، وأن يستبدل ذلك بمحاسبة رفيقة تعترف بالتقصير دون يأس، وتنظر إلى المستقبل بأمل. وليتذكر قوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

المرحلة الثالثة: العودة التدريجية. لا ينبغي للإنسان أن يحاول العودة إلى مستوى الشِّرَّة دفعة واحدة، بل يبدأ بالحد الأدنى ويزيد تدريجيًا. فمن ترك قيام الليل مثلًا يبدأ بركعتين خفيفتين، ومن انقطع عن الرياضة يبدأ بمشي عشر دقائق. المهم هو كسر حاجز التوقف والعودة إلى المسار.

المرحلة الرابعة: بناء النظام والعادة. بعد العودة التدريجية يأتي دور بناء نظام مستدام يحول العمل من اعتماد على الحماس المؤقت إلى عادة راسخة. ويشمل ذلك تحديد أوقات ثابتة للعمل، وربطه بعادات قائمة، وتهيئة البيئة المحيطة لتكون داعمة.

المرحلة الخامسة: التقييم والتعديل المستمر. ينبغي للإنسان أن يراجع أداءه بشكل دوري ويُعدِّل خططه بما يتناسب مع طاقته وظروفه المتغيرة. وهذا التقييم المستمر يمنع تراكم الفجوة بين الأداء الفعلي والأهداف المرجوة، ويُقلل من احتمالية وقوع فتور حاد.

الخاتمة

إنَّ ظاهرة الشِّرَّة والفَتْرة سنة كونية لا يمكن إلغاؤها، ولكن يمكن التعامل معها بحكمة واعتدال. وقد قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الجامع منهجًا متكاملًا يبدأ بتطبيع الفتور وتقبله كحالة طبيعية، ويمرُّ بالتسديد والمقاربة والاعتدال، وينتهي بربط الفلاح والنجاح بالثبات على السُّنَّة والالتزام بالحد الأدنى من العمل.

وقد أكدت الدراسات النفسية الحديثة هذا المنهج النبوي من زوايا متعددة، مما يُبرز عظمة السُّنَّة النبوية وصلاحيتها لكل زمان ومكان. والمطلوب من الإنسان ليس أن يكون مثاليًا في كل لحظة، بل أن يكون صادقًا في سعيه، معتدلًا في عمله، رفيقًا بنفسه حين يقصِّر، عازمًا على العودة والمواصلة مهما تكررت لحظات الضعف.

وختامًا، فإنَّ الثبات الحقيقي ليس في عدم السقوط، بل في النهوض بعد كل سقوط. والفلاح ليس في الكمال، بل في الاستمرار والمقاربة. نسأل الله تعالى أن يرزقنا الثبات والسداد، وأن يجعل فتراتنا إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين.



المراجع والمصادر

أولًا: المصادر الشرعية

- القرآن الكريم.

- الإمام أحمد بن حنبل. المسند. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة.

- البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. دار ابن كثير.

- الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي. تحقيق: بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي.

- الألباني، محمد ناصر الدين. صحيح الترغيب والترهيب. المكتب الإسلامي.

- الألباني، محمد ناصر الدين. السلسلة الصحيحة. مكتبة المعارف.

- ابن الأثير، مجد الدين. النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق: طاهر الزاوي ومحمود الطناحي. المكتبة العلمية.

- المناوي، محمد عبد الرؤوف. فيض القدير شرح الجامع الصغير. دار الكتب العلمية.

- ابن القيم الجوزية. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. دار الكتاب العربي.

- الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. دار المعرفة.

ثانيًا: المراجع النفسية

- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (2000). The "what" and "why" of goal pursuits: Human needs and the self-determination of behavior. Psychological Inquiry, 11(4), 227-268.

- Baumeister, R. F., & Tierney, J. (2011). Willpower: Rediscovering the Greatest Human Strength. Penguin Books.

- Neff, K. D. (2011). Self-Compassion: The Proven Power of Being Kind to Yourself. William Morrow.

- Neff, K. D. (2003). Self-compassion: An alternative conceptualization of a healthy attitude toward oneself. Self and Identity, 2(2), 85-101.

- Prochaska, J. O., & DiClemente, C. C. (1983). Stages and processes of self-change of smoking: Toward an integrative model of change. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 51(3), 390-395.

- Clear, J. (2018). Atomic Habits: An Easy & Proven Way to Build Good Habits & Break Bad Ones. Avery.

- Wood, W., & Rünger, D. (2016). Psychology of habit. Annual Review of Psychology, 67, 289-314.

- Bandura, A. (1997). Self-Efficacy: The Exercise of Control. W.H. Freeman.

- Seligman, M. E. P. (2011). Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being. Free Press.

- Dweck, C. S. (2006). Mindset: The New Psychology of Success. Random House.

تعليقات

الكلمات الدلالية