تأملوا قوله تعالى: {أَذَاعُوا بِهِ}. الإذاعة هنا تعني النشر والإشاعة. فالقرآن لا يعاتبهم على سماع الخبر أو تلقي المعلومة، بل يعاتبهم على قرار الإذاعة والنشر قبل أن يردوه إلى من يستطيع أن يقرر مدى صواب هذا النشر من خطئه.
الاستنباط: معادلة دقيقة بين المصالح والمفاسد
إن العبرة ليست في نقل الحقائق فحسب، بل في الحكمة من نقلها.
فهناك حقائق ينبغي كتمانها رحمة بالناس، وحقائق ينبغي نشرها لتثبيت القلوب. وهنا يأتي دور "الذين يستنبطونه منهم"، كما يقول العلامة السعدي: "يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة" وينظرون:
· هل في نشر هذا الخبر إثارة للفرقة أم جمع للكلمة؟
· هل فيه كشف لعورة مسلم أم دفع ظلم عنه؟
· هل فيه تقوية لقلوب المؤمنين أم إضعاف لها؟
· هل فيه خدمة للمصلحة العامة أم تحقيق لغرض خاص؟
يقول السعدي موضحًا هذا المعنى: "فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه".
النموذج العملي: صورة الأسير بين صحة الخبر وخطورة النشر
لنأخذ المثال الذي يهز القلب: صورة أسير من المجاهدين في هيئة مُذلّة. الخبر صحيح، والصورة حقيقية. ولكن السؤال الجوهري: هل قرار نشر هذه الصورة صائب؟
هنا لا يكفي أن نقول: "العدو نشره، فلننشره نحن أيضًا". لا. بل يجب أن نرده إلى أهل العلم والرأي الذين يزنونه بميزان الشرع:
1. ميزان الستر: قال صلى الله عليه وسلم: "من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة". فهل نشر صورة الإذلال، حتى ولو كان من العدو، فيها ستر للمسلم أم كشف لعورته وتمزيق لكرامته مرة أخرى؟ في حين أن حقه علينا التكريم الاجلال!
2. ميزان المصلحة: هل يُتوقع أن ينصر هذا النشر قضيته؟ أم أنه سيصبح أداة دعائية للعدو تثبت بها "هيمنته"، وتُدخل اليأس على قلوب المؤمنين؟
3. ميزان التعامل مع الله: نحن نتعامل مع الله، وليس فقط مع ردود الأفعال. فالعدو قد ينشر لتحقيق هدف دنيوي خسيس، أما نحن فهدفنا رضا الله. وقد يكون الصمود وعدم إظهار الحدث، والسعي عبر وسائل مشروعة لتحرير الأسير وإنزاله المنزلة التي يستحقها بجهاده عن أمة هو التعامل الأقرب إلى الحكمة.
إن نشر مثل هذه الصور قد يكون مشاركة في الإذلال، وليس فضحًا له. كما قال الشيخ عبدالعزيز الطريفي: "تناقل الأخبار العامة المصيرية وتداولها من غير تثبّت منها من صفات المنافقين إرجافاً وفتنة".
الخطورة: عندما يسبق العامَّةُ أهلَ الاختصاص
يحذر صاحب تفسير المنار من هذا الخطر بقوله: "خوضُ العامَّةِ في السِّياسة وأمور الحربِ والسِّلم، والأمن والخوف، أمرٌ معتادٌ، وهو ضارٌّ جدًّا إذا شُغِلوا به عن عملِهم، ويكونُ ضررُه أشدَّ إذا وقَفوا على أسرار ذلك وأذاعوا به، وهم لا يستطيعون كتمانَ ما يعلَمون، ولا يعرِفون كُنْهَ ضررِ ما يقولون".
فكم من خبر "صحيح" نشره عامة الناس قبل أهله، فكان بمثابة إفشاء لسر عسكري، أو كشف لخطة، أو إفساد لمفاوضات سرية!
إن القرار بنشر خبر يتعلق بالأمن القومي، أو بمسار المعركة، أو بسمعة أفراد، هو قرار استراتيجي لا يملكه إلا "أولو الأمر" والعلماء الراسخون الذين يعرفون خلفيات الأمور ويدركون تبعاتها.
القلب بين العاطفة والحكمة
نعم، القلب ينفطر عند رؤية المأساة، والعاطفة تشتعل للرد. ولكن المؤمن الحكيم هو من يروض قلبه بعقل راجح، ويوجه عاطفته ببصيرة نافذة.
اكتب مراجعة عامة