لقد وعدهم الله تعالى بقوله: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد:2].
تكفير السيئات هو مغفرة الذنوب ومحو الآثار، وهو أول خطوات التطهير
ولكن النعمة الكبرى التي تلي ذلك هي ما أخبر به رب العزة: {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}.
الثمرة الثانية: ما معنى "إصلاح البال"؟
كلمة "البال" تحمل في طياتها معاني عميقة تشمل القلب والذهن والفكر والحال. وقد تنوعت أقوال المفسرين في تفسير صلاح البال:
يقول ابن كثير: ( كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) قال ابن عباس: أي أمرهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن زيد: حالهم. والكل متقارب.
وقد جاء في حديث تشميت العاطس : "يهديكم الله ويصلح بالكم "
يقول ابن عاشور: "إصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها؛ لأنّ تصرفات الإنسان تأتي على حسب رأيه،
فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن، ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء، والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك وحكاها عنهم القرآن في مواضع كثيرة.
والمعنى: أقام أنظارهم وعقولهم فلا يفكرون إلا صالحاً ولا يتدبرون إلا ناجحاً".
فإصلاح البال يعني إعادة تنظيم حياة المؤمن كلها، عقيدة وفكراً وسلوكاً وقراراً، فيصبح منظومة متكاملة تقاوم الزلل والضلال.
بينما يرى ابن جزي أن "حقيقة البال الخاطر الذي في القلب وإذا صلح القلب صلح الجسد كله،
فالمعنى: إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى".
فهو ينطلق من قاعدة أن القلب هو الملك، وإذا استقام استقامت الجوارح كلها مصداقا لقول النبي ﷺ:
"ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ."
تقول مها العنزي تعليقا على معنى الآيةالكريمة: "في الحياة قد يمر المرء بظروف يظن أن لا مخرج له، لكن الذي بيده إصلاح الحال وتبديل الأحوال هو الله فتوكل عليه".
سيَهْديهم اللهُ ويُصلِحُ شَأنَهم وحالَهم، ويُدخِلُهم الجنَّةَ يومَ القِيامةِ، ويَهْديهم إلى بُيوتِهم ومَساكِنِهم فيها بحيثُ لا يُخطِئونَها."موسوعة التفسير الدرر السنية
"وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ مُناسبةٌ حسنةٌ؛ فقد قال تعالَى هنا (يُصْلِحُ)، وفي أوَّلِ السُّورةِ قال: (أَصْلَحَ بَالَهُمْ) [محمد: 2]
ووَجْهُ ذلك: أنَّ الماضيَ والمستقبلَ راجِعٌ إلى أنَّ هناكَ وَعَدَهم ما وَعَدَهم بسَببِ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ، وذلك كان واقعًا منهم، فأخْبَر عن الجزاءِ بصِيغةٍ تدُلُّ على الوقوعِ،
وهاهنا وَعَدَهم بسَببِ القتالِ والقتلِ، فكان في اللَّفظِ ما يَدُلُّ على الاستقبالِ؛ لأنَّ قولَه تعالَى: فَإِذا لَقِيتُمُ [محمد: 4] يدُلُّ على الاستقبالِ" تفسير الرازي
وهنا تتجلى حكمة جديدة، فإصلاح البال هو جزاء للإيمان والعمل الصالح، وهي بشارة تتجدد لمن جاهد في سبيل الله.
إنه وعد من الله لا يتخلف، وضمان إلهي لمن كان همه الأكبر هو دين الله، يصغر أمامه كل هم آخر،
فمن أصلح ما بينه وبين الله؛ أصلح اللهُ له ما بينه وبين نفسه!
ومن حمل هم الإسلام وجاهد في سبيله أخلفه الله في أهله وأصلح باله وأهله وولده.
وهكذا يتجلى لنا أن "صلاح البال" الذي وعد الله به عباده المؤمنين ليس مجرد طمأنينة عابرة، بل هو نظام حياة متكامل، وهداية دائمة، ونقاء داخلي يجعل المؤمن يعيش في الدنيا بنعيم يشبه نعيم الجنة. ولا يتحقق هذا الصلاح العظيم إلا بصدق التوجه إلى الله، والتعلق به وحده.
ولذلك كان من حكمة النبي ﷺ وعمق فقهه في الدعاء أن يجمع لنا في دعائه الجامع أصول تحقيق هذا "الصلاح" الذي تتوق إليه نفس المؤمن.
فقد كان قلَّما يقوم من مجلس حتى يدعو لأصحابه بهذا الدعاء العظيم الذي هو بمثابة الخريطة العملية لصلاح البال:
"اللهمَّ اقسِمْ لنا مِنْ خشيَتِكَ ما تحولُ بِهِ بينَنَا وبينَ معاصيكَ
ومِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنَا بِهِ جنتَكَ
ومِنَ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ علَيْنَا مصائِبَ الدُّنيا
ولا تَجْعَلِ مُصِيبَتَنا في دينِنَا
ولَا تَجْعَلْ الدنيا أكبرَ هَمِّنَا، ولَا مَبْلَغَ عِلْمِنا
ولَا تُسَلِّطْ عَلَيْنا مَنْ لَا يرْحَمُنا"
فها هو الدعاء النبوي يرسم لنا الطريق: أن صلاح البال يبدأ بخشية تقي المعاصي، و بطاعة تقود إلى الجنة، وبيقين يهون المصائب، وبشعور راسخ بنعمة الثبات على الدين والخوف كل الخوف أن تكون المصيبة فيه، وسؤال الله السلامة من فتنة الدنيا وتسلط الأعداء.
فكما أن الله تعالى وعد في محكم كتابه المؤمنين العاملين {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 2]، ووعد المجاهدين {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [محمد: 5]،
فإن تحقيق هذا الوعد الإلهي في واقع حياتنا يكون بالتزام منهج النبي ﷺ في الدعاء والعمل.
فمن أصلح ما بينه وبين الله بالخشية والطاعة واليقين والدعاء، أصلح الله له باله في الدنيا قبل الآخرة، وجعله من الذين تنطبق عليهم هذه البشارة القرآنية الخالدة، فينعم بصفاء الذهن، وطهارة القلب، واستقامة الحال، وهي النعمة الكبرى في زمن القلق.
اكتب مراجعة عامة