img
img

حُفَّت الجنة بالمكاره رحلة الطائفة المنصورة بين الابتلاء والنصر

img
الشبكة

حُفَّت الجنة بالمكاره رحلة الطائفة المنصورة بين الابتلاء والنصر

سلسلة : جسور بين التوجيه الشرعي والإرشاد النفسي


كتبه : أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

في ساعات الليل الأخيرة، حين يسكن الناس وتهدأ الأصوات، ثمة قلوب لا تعرف السكينة. قلوب تنبض بهموم أمة، وتتألم لجراح لا تندمل، وتحترق شوقاً لنصر يتأخر. إنهم أصحاب المبادئ، حملة الهموم الكبرى، الذين نذروا أنفسهم لقضية أعظم من ذواتهم، فدفعوا من راحتهم ثمناً لم يُكتب في العقود، ولم يُتفق عليه في المواثيق.

تراهم في النهار يبتسمون للناس، ويواسون المحزونين، ويُطمئنون الخائفين، ويُثبِّتون المتزلزلين. لكن في خلواتهم، يعتصر القلق أفئدتهم حين يتأملون مصير الأمة، ويثقل الحزن أرواحهم وهم يرون انكسار المسلمين، ويسكن الخوف جوانحهم خشية أن يُداهم الأحبة خطب، أو أن تُمتهن الحرمات، أو أن يضيع الحق في زحمة الباطل المدوِّي.

ومنهم من أنهكته الأفكار المتسارعة، تلاحقه في يقظته ومنامه: كيف ننهض بالأمة؟ من أين نبدأ؟ ما الحل لهذه المعضلة؟ كيف ندافع عن هذه القضية؟ أفكار تتزاحم كموج البحر في عاصفة، لا تهدأ حتى تأتي أخرى أشد منها، فيصبح العقل كالطائر المحاصر في قفص، يضرب بجناحيه يميناً وشمالاً بحثاً عن منفذ لا يجده.

وبعضهم استنزفته القضايا المتراكمة: فلسطين تستغيث، والشام ينزف، والعراق يتألم، واليمن يئن، والروهينغا يُذبحون، والإيغور في معسكرات الموت،وإعتقال المصلحين والدعاة هنا وهناك، وتغيب شرع الله عن الحكم، وإنتشار التفاهة ، وتكميم أفواه علماء الحق وسكوت جلهم وإعتلاء علماء الضلالة ، وقلّة الناصر والمعين ... كل قضية تحتاج جيشاً من المصلحين، وكل محنة تطلب آلاف الأيدي، وهو واحد... ضعيف... محدود. فيتشتت قلبه بين الجهات، ويتمزق فؤاده بين الأولويات، ويسأل نفسه في لحظات الإنهاك: من أين أبدأ؟ وأيّ جرح أداوي أولاً وكلها تنزف؟

وثمة من تأثرت أعصابهم من طول المعاناة، فأصبحوا كالقوس المشدود دائماً، لا يسترخي ولا يرتاح. القلب يخفق بسرعة لأتفه الأمور، والجسد يرتعش من التوتر، والنوم أصبح غريباً عن العيون، والصداع صديقاً لا يفارق. حتى الطعام فقد طعمه، والفرح أضحى ذكرى من زمن بعيد. ويتساءل في سره المكلوم: أين تلك الحلاوة التي يتحدث عنها أهل الإيمان؟ أين السكينة التي وُعدنا بها؟ لماذا أشعر بهذا الثقل، وأنا أسير في طريق الله؟

بل ربما تسلل إلى بعضهم – في لحظات الضعف البشري – شعور بالذنب حين يقارن نفسه بمن اعتزلوا الناس فوجدوا راحة القلوب، وطمأنينة النفوس، وحلاوة العبادة. يراهم يصلون بخشوع لم يعرفه منذ زمن، ويذكرون الله بحضور قلب أصبح منه بعيداً. فيهمس الشيطان في أذنه: «لعلك أخطأت الطريق، لعل في منهجك خللاً، لعلك لست من أهل هذا الطريق».

وحين يخطئ – وهو بشر يخطئ – يتضاعف ألمه، فيقول لنفسه: «كيف أدعو الناس وأنا أخطئ فلحظة غضب وأنكسار؟ كيف أصلح في الأمة وأنا لم أصلح نفسي؟ كيف أحمل هم الإسلام وأنا أقع في لحظة غفلة؟». فيثقل عليه الذنب أضعافاً مضاعفة، حتى يكاد اليأس يتسلل إلى قلبه، والإحباط يوشك أن يقعده عن المسير.

إلى كل هؤلاء... إلى كل من يعرف نفسه في هذه السطور... إلى كل قلب مثقل بهموم لا يراها إلا الله... إلى كل نفس تتساءل: «هل أنا على الطريق الصحيح؟»

يأتي هذا المقال ليضع يدك على حقيقة قرآنية كبرى، وسُنَّة نبوية ماضية، وسيرة أنبياء وصالحين: أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن الابتلاء ليس علامة على سخط الله، بل قد يكون أعظم دليل على محبته واصطفائه. وأن ما تعانيه ليس ضعفاً في إيمانك، بل هو ثمن الطريق الذي اخترته، أو بالأحرى: اختارك الله له.

فتعال معي في رحلة نستكشف فيها طبيعة هذا الطريق، ونفهم فيها حكمة الابتلاء، ونتعرف على الطائفة المنصورة التي اختارت أن تدفع من راحتها ثمناً لنصرة دين الله، فنالت من الله وعداً لن يتخلف: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

 أولاً: فهم طبيعة الطريق – الدوائر الثلاث

لقد أحسن الشيخ سلمان العودة – فك الله أسره وفرج كربه – حين قسَّم الأمة الإسلامية إلى ثلاث دوائر متداخلة، تساعدنا على فهم طبيعة المسير إلى الله، وتفسر لنا سبب ما نجده من اختلاف في الأحوال والمشاعر:

1. الدائرة الكبرى: دائرة الإسلام العام

هذه الدائرة تشمل كل من نطق بالشهادتين وأقرَّ بأركان الإسلام، بغض النظر عن انتماءاته المذهبية أو الفكرية. هي دائرة الأخوة الإيمانية العامة التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. وهي دائرة واسعة رحيمة، تحتضن كل وتخرج منها بعض الفرق التي وقعت في ناقض من نواقض الإسلام.

2. الدائرة الوسطى: دائرة الفرقة الناجية

هذه الدائرة أضيق من الأولى، وتضم أهل السنة والجماعة الذين التزموا بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في العقيدة والمنهج. وقد أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. 

وهؤلاء – في الغالب – قد يجدون حلاوة الإيمان وبحبحته، لأنهم اعتزلوا كثيراً من فتن الناس ومخالطتهم، فاستراحت قلوبهم واطمأنت نفوسهم. فهم في دائرة النجاة، يعبدون الله على بصيرة، ويحفظون دينهم من البدع والضلالات.

3. الدائرة الصغرى: دائرة الطائفة المنصورة

وهذه هي أصغر الدوائر وأشرفها، وأخصها وأكثرها ابتلاءً. إنها دائرة من اختاروا أن يحملوا هموم الأمة، ويخوضوا معاركها، ويواجهوا تحدياتها. هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» [رواه البخاري ومسلم].

هؤلاء هم من وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» [رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني].

ثانياً: طبيعة الابتلاء في طريق النصرة – حقيقة نفسية وشرعية

إن أفراد الطائفة المنصورة يواجهون نوعاً خاصاً من الابتلاء، يجمع بين البعدين النفسي والشرعي. وفهم هذا الابتلاء يساعد على الصبر عليه والثبات معه:

1. الضغط النفسي والعصبي: ثمن المخالطة

عندما يحمل المؤمن هموم الأمة ويخالط الناس، فإنه يعرِّض نفسه لأنواع من الضغوط النفسية التي لا يعانيها من اعتزل الناس. فالقلق من المستقبل، والخوف على الأحبة والدين، والحزن على أحوال المسلمين، والغضب لانتهاك الحرمات، بل وحتى الأمراض المرتبطة بالجهاز العصبي – كلها قد تكون من ثمار هذا الطريق الشاق.

ومن منظور علم النفس المعاصر، فإن ما يعانيه هؤلاء يشبه ما يُسمى بـ «إجهاد التعاطف» (Compassion Fatigue) أو «الاحتراق النفسي» (Burnout)، وهو حالة من الإرهاق الجسدي والعاطفي والذهني تصيب من يتعرضون لضغوط مستمرة في سبيل مساعدة الآخرين ورعاية قضاياهم. وقد أثبتت الدراسات أن المصلحين والدعاة والعاملين في المجال الإنساني هم الأكثر عرضة لهذا النوع من الإنهاك، لأنهم يستنزفون طاقتهم العاطفية بشكل مستمر دون أن يجدوا فرصة كافية للتعافي والاستشفاء.

2. الضغط النفسي في حياة النبي ﷺ: نموذج المعاناة والعلاج

إن أعظم ما يُطمئن قلب العامل لهذا الدين حين يشعر بالضيق والضغط النفسي، أن يعلم أن سيد الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم قد مرَّ بمثل ما يمر به، بل وأشد. فقد كان عليه الصلاة والسلام يتعرض لضغوط نفسية هائلة: من تكذيب المشركين، واستهزائهم به وبدعوته، وإيذائهم له ولأصحابه، واتهامهم إياه بأبشع الاتهامات، وإعراض الناس عن دعوته.

الأول: ضيق الصدر - الاعتراف الإلهي بالمعاناة النفسية

وقد أخبر الله تعالى نبيه بأنه يعلم ما يعانيه من ضيق الصدر، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]. وهذا اعتراف إلهي صريح بأن النبي ﷺ - وهو أكمل الخلق وأقواهم إيماناً - كان يشعر بضيق الصدر، وأن هذا الشعور طبيعي ومتوقع في مواجهة الإيذاء والتكذيب.

فإذا كان سيد ولد آدم يضيق صدره، فكيف بنا نحن الضعفاء؟ وإذا كان أشجع الناس وأصبرهم يشعر بالضيق النفسي، فلا عيب علينا أن نشعر به. بل العيب أن نستسلم له ولا نبحث عن العلاج.

الثاني: الحسرة على الناس - التحذير من الإفراط في الحزن

ولم يقتصر ضغط النبي ﷺ النفسي على ضيق الصدر من الأذى، بل كان يحزن حزناً شديداً على إعراض الناس عن الهدى، حتى كاد يُهلك نفسه حسرة عليهم. فأنزل الله تعالى يُخفف عنه ويُطمئنه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، أي: لعلك مُهلك نفسك ومُذهبها حسرة وحزناً عليهم إن لم يؤمنوا.

وفي آية أخرى يقول الله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]، أي: لا تُهلك نفسك حزناً وأسفاً على كفرهم وإعراضهم.


والدرس هنا عميق: أن الله يُخاطب نبيه بلطف ورحمة، ويطلب منه ألا يُحمِّل نفسه فوق طاقتها، وألا يُهلك نفسه حزناً على من لم يهتد. فإذا كان الله يقول لنبيه هذا، فكيف بنا نحن؟

الرسالة للعاملين: لا تُحمِّل نفسك أكثر مما تطيق، ولا تُهلك نفسك حزناً على من لم يستجب لدعوتك أو على قضايا لا تملك حلها. فأنت مُكلف بالسعي والبلاغ، لا بالنتائج. والهداية بيد الله، والنصر من عند الله، والتوفيق بتقدير الله. فافعل ما تستطيع، ثم توكل على الله، ولا تُذهب نفسك حسرات.


الثالث : التوجيه الرباني - العلاج بالعبادة

ولم يكتف الله بالاعتراف بمعاناة نبيه والتخفيف عنه، بل أرشده إلى العلاج الناجع لهذا الضيق، فقال بعدها مباشرة: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 98-99].

فالعلاج الإلهي لضيق الصدر والضغط النفسي والحسرة على الناس هو:

- التسبيح والذكر: الذي يملأ القلب طمأنينة ويُذهب الهموم

- السجود والصلاة: التي تُقرِّب من الله وتُنزل السكينة

- الاستمرار في العبادة: دون توقف أو استسلام للألم حتى الموت

الرابع: التطبيق النبوي للتوجيه الرباني

ولم يكن هذا التوجيه مجرد نظرية، بل كان النبي ﷺ يطبقه عملياً في حياته:

أ. الفزع إلى الصلاة عند الكرب:

كان إذا حزبه أمر - أي نزل به هم أو كرب - فزع إلى الصلاة. وكان يقول لبلال رضي الله عنه: «أرحنا بها يا بلال» [رواه أبو داود]، يعني الصلاة. فالصلاة عنده راحة لا تكليف، وسكينة لا ثقل، ومتنفس لا عبء.

ب. قيام الليل حتى تتفطر القدمان:

بل إن النبي ﷺ كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فلما سُئل عن ذلك قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» [متفق عليه]. فكانت العبادة عنده ملاذاً وسكناً، لا واجباً ثقيلاً.

ت. الاستغفار المستمر - تجديد القلب يومياً:

وحتى النبي ﷺ - المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - كان يستغفر الله في اليوم مئة مرة! قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّه لَيُغانُ على قَلبي، وإنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ في كُلِّ يَومٍ مِئةَ مَرَّةٍ» [رواه مسلم].

معنى "يُغان على قلبي": أي يُغطى ويُحجب بغيم رقيق من كثرة الانشغال بأمور الدعوة والناس والحياة. وفي رواية: «سبعين مرة».


والدرس المذهل هنا: إذا كان النبي ﷺ - وهو المعصوم - يشعر بأن قلبه يُحجب عن الله بسبب انشغالات الحياة والدعوة، فيُجدد صفاء قلبه بالاستغفار مئة مرة يومياً، فكيف بنا نحن؟ 

نحن الذين نخوض في هموم الأمة وقضاياها، ونخالط الناس ونحتك بهم، ونتعرض لضغوط نفسية وعصبية مستمرة، أولى بنا أن نُكثر من الاستغفار، لنُزيل الران والغين عن القلوب، ونُعيد الصفاء والنقاء إليها.

الخامس: العبادة علاج نفسي رباني - شهادة العلم الحديث

وهنا يتجلى الفرق بين العلاج النفسي البشري والعلاج الرباني:

- العلاج البشري يحاول تخفيف الأعراض بالأدوية أو الجلسات النفسية، وهذا حسن ومطلوب ولا نُنكره

- لكن العلاج الرباني يذهب إلى جذر المشكلة: فيربط القلب بالله، ويملأه بالسكينة، ويُنزل عليه الطمأنينة، ويُعيد توازن النفس فالعبادة - وخاصة الصلاة والذكر والتسبيح والاستغفار - ليست مجرد واجبات شرعية، بل هي علاج نفسي وروحي أثبتت الدراسات المعاصرة فعاليته في تخفيف القلق والاكتئاب والضغوط النفسية:

      - الصلاة: تُنظم التنفس، تُهدئ الأعصاب، تُخفض ضغط الدم، تُحسن المزاج

      - الذكر: يُعيد توازن الدماغ، يُقلل هرمونات التوتر، يزيد هرمونات السعادة

      - السجود: يُنزل الضغط من الرأس، يُريح الجهاز العصبي، يزيد تدفق الدم للدماغ

      - الاستغفار: يُجدد الأمل، يُزيل الشعور بالذنب، يُعيد الثقة بالله


السادس: رسالة للعاملين - إذا ضاق صدرك فافزع للعبادة

فيا أيها العامل لهذا الدين، إذا ضاق صدرك بما تسمع وترى، وإذا أثقلك الهم وأرهقك الحزن، وإذا كدت تُهلك نفسك حسرة على أحوال الأمة، فاعلم أن الله الذي علم بضيق صدر نبيه، يعلم بضيق صدرك. وكما أرشد نبيه إلى العلاج، فهو يرشدك إلى نفس العلاج:


أ. أكثر من ذكر الله: فـ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. اجعل لسانك رطباً بذكر الله في كل وقت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

ب. أطل السجود: فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. اسجد واشكُ إلى الله همومك، وابكِ بين يديه، واطلب منه العون والتثبيت.

ت. قم الليل ولو قليلاً: ففي جوف الليل سكينة لا توصف، وفي السحر مناجاة تُذهب الأحزان. ولو ركعتين قبل الفجر، فإنهما خير من الدنيا وما فيها.

ج. أكثر من الاستغفار: استغفر الله مئة مرة كل يوم، كما كان يفعل النبي ﷺ. فالاستغفار يُجدد القلب، ويُزيل الران، ويفتح أبواب الفرج.

ح. لا تُذهب نفسك حسرات: تذكر قول الله لنبيه، ولا تُحمِّل نفسك فوق طاقتها. افعل ما تستطيع، ثم توكل على الله، واترك النتائج له.

خ. اجعل الصلاة راحتك لا عبئك: كما كان النبي ﷺ يقول: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» [رواه النسائي وأحمد]. فالصلاة ليست واجباً ثقيلاً، بل هي الملاذ الآمن، والمتنفس الهانئ.

فالعبادة ليست مجرد واجب تؤديه وأنت منهك، بل هي الملاذ الذي تلجأ إليه حين يشتد بك الكرب، والدواء الذي تتعاطاه حين يضيق صدرك، والمتنفس الذي تستريح فيه من ضغوط الحياة وأثقال الدعوة، والمُجدد الذي يُعيد صفاء قلبك كل يوم.

2. افتقاد «حلاوة الإيمان»: تضحية مؤقتة لأجر دائم

وهذه حقيقة مهمة يجب أن يعرفها كل عامل لهذا الدين: أن حلاوة الإيمان قد لا تكون حاضرة دائماً في قلب من يخوض المعارك ويواجه التحديات. فالمخالطة تُشغل القلب، والأذى يُثقل النفس، والهموم تُكدِّر الصفو. وقد يجد العامل لهذا الدين نفسه يصلي دون خشوع، ويذكر الله بلسانه بينما قلبه مشغول بألف قضية وقضية.

لكن هذا لا يعني أن إيمانهم ضعيف أو أن منزلتهم أقل، بل العكس تماماً. فقد فوَّتوا على أنفسهم حلاوة الإيمان المؤقتة في الدنيا، لينالوا أعلى الدرجات في الآخرة. وهذا من أعظم أنواع التضحية: أن تضحي براحتك النفسية وسكينتك القلبية وخشوعك في صلاتك، في سبيل نصرة دين الله وإعلاء كلمته. إنها تضحية من نوع خاص، لا يعرف قيمتها إلا الله، ولا يُقدِّرها إلا من ذاقها.

3. المعاصي والاستغفار: جدلية الإنسانية والرسالية

ومن طبيعة هذه الطائفة أنهم بشر، يصيبون ويخطئون، يسيئون ثم يستغفرون، يقعون ثم ينهضون. وهذا ليس عيباً فيهم، بل هو دليل على إنسانيتهم وصدقهم مع أنفسهم ومع ربهم. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» [رواه مسلم].

فالمهم ليس ألا تخطئ – فهذا مستحيل – بل أن تعود إلى الله كلما أخطأت. والمهم ليس أن تكون معصوماً – فالعصمة للأنبياء وحدهم – بل أن تكون صادقاً في توبتك، مستمراً في مسيرتك، غير يائس من رحمة ربك. والفرق بين المؤمن والمنافق ليس في عدم الوقوع في الذنب، بل في الموقف من الذنب: المؤمن يستغفر ويتوب ويعود، والمنافق يُصر ويستمر ويستكبر.

وليعلم العامل لهذا الدين أن خطأه لا يُسقط قيمة عمله، ولا يُبطل جهاده، ولا يُنقص من أجره شيئاً – إذا تاب واستغفر. فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويُبدِّل السيئات حسنات لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.

4. التشتت بين القضايا: اختبار الأولوياتةت 

ومن أصعب ما يواجهه أصحاب الهمم العالية: تشتت القلب بين القضايا المتعددة. فالأمة جريحة من كل جانب، والمسلمون يُعانون في كل بقعة، والمعارك مفتوحة على جبهات لا تُحصى. وهو واحد، بقدرات محدودة، ووقت محدود، وطاقة محدودة.

وهذا التشتت قد يُصيبه بالإحباط، حين يشعر أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً ذا بال لضخامة التحديات. لكن الحقيقة أن الله لم يُكلفه بإصلاح الأمة كلها وحده، ولم يطلب منه أن يحل كل القضايا، بل كلفه أن يفعل ما يستطيع، في حدود قدراته، ضمن دائرة تأثيره. وأن يُخلص النية، ويبذل الوسع، ويدعو الله بالتوفيق. وما عليه إلا البلاغ، والنتائج على الله.

ثالثاً: سُنَّة الابتلاء في القرآن – ليس استثناءً بل قاعدة

لقد أنزل الله في كتابه آيات صريحة تؤكد أن الابتلاء سُنَّة ماضية في كل من أراد الجنة، وليس حالة طارئة أو استثناءً. يقول الله تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]

تفسير الآية: رحلة الابتلاء المحتومة

يقول الإمام السعدي في تفسيره لهذه الآية الكريمة ما معناه: إن الله يخبرنا أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، كما فعل بمن قبلهم. فهي سُنَّته الجارية التي لا تتغير ولا تتبدل.

وهذا الابتلاء يشمل ثلاثة أنواع رئيسية:

• البأساء: وهي الفقر والعوز المادي، فقد يُبتلى المؤمن بضيق الرزق وقلة المال وانشغال البال بلقمة العيش.

• الضراء: وهي الأمراض في الأبدان، فقد يصاب المؤمن بالأسقام والأوجاع التي تضعف جسده وتنهك قواه.

• الزلزلة: وهي أنواع المخاوف من التهديد بالقتل والنفي وأخذ الأموال وقتل الأحباب، وأنواع المضار التي تهز كيان الإنسان وتزلزل قلبه كما تهتز الأرض في الزلزال.

وهذه الابتلاءات تشتد حتى تصل بالمؤمنين إلى درجة يستبطئون فيها نصر الله – مع يقينهم به – فيقولون على سبيل الاستعجال للفرج: «متى نصر الله؟». وهنا يأتي الفرج، فالفرج يأتي عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، وكلما اشتدت الظلمة أوشك الفجر على البزوغ.

الدرس المستفاد: الابتلاء علامة الصدق

يقول السعدي: «فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها. ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان».

فالابتلاء إذن ليس علامة على ضعف الإيمان أو غضب الله، بل هو امتحان للصدق والثبات. وكلما اشتدت المحنة على المؤمن وصبر، كان ذلك دليلاً على قوة إيمانه وصدق عزيمته. وكلما كانت الابتلاءات أعظم، كانت الجوائز أكبر، والدرجات أرفع.

ويؤكد الله هذا المعنى في آية أخرى فيقول:

﴿ آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1-3]

فعند الامتحان، يُكرم المرء أو يُهان. والامتحان ليس اختياراً، بل هو سُنَّة إلهية لا مفر منها لمن أراد أن يدخل الجنة.

رابعاً: الشهيد وفتنة القبر – كفى ببارقة السيوف

ومن الأحاديث العظيمة التي تُبيِّن مكانة من يواجه الشدائد في سبيل الله، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يُفتَنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» [رواه النسائي وصححه الألباني].

دلالة الحديث: الابتلاء في الدنيا يُسقط الحساب

هذا الحديث يحمل معنى عميقاً يُطمئن قلوب أصحاب البلاء: أن من تعرَّض للفتن والابتلاءات العظيمة في الدنيا، فإن ذلك يُعفيه من الفتنة في القبر. فـ«بارقة السيوف» – أي بريقها ولمعانها فوق رأس المجاهد – وما تحمله من رعب وخوف وقلق وترقب للموت في كل لحظة، يكفي فتنة واختباراً. فقد اجتاز الامتحان الأصعب في الدنيا، فأُعفي من امتحان القبر.

وهذا ينطبق – بقياس أولى – على كل من يخوض معارك الدعوة والإصلاح، ويواجه تحديات النصرة والجهاد بكل أشكاله، ويتحمل ضغوط العمل لهذا الدين. فما يعانونه من قلق مستمر وخوف دائم وحزن عميق وضغوط نفسية وعصبية، هو في حقيقته «فتنة» مقدَّمة، اختبار في الدنيا يُسقط عنهم اختبارات أعظم في الآخرة.

من علم النفس: مفهوم «النمو ما بعد الصدمة»

ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى ما توصل إليه علم النفس الحديث فيما يُسمى بـ «النمو ما بعد الصدمة» (Post-Traumatic Growth)، وهو مفهوم يشير إلى أن الإنسان قد يخرج من التجارب المؤلمة والصعبة بنمو نفسي وروحي أكبر، وبفهم أعمق للحياة، وبتقدير أكثر لنعم الله، وبقوة أعظم في مواجهة التحديات.

فما يظنه البعض «انهياراً» نفسياً، قد يكون في حقيقته «تحوُّلاً» إيجابياً نحو نضج روحي أعمق وشخصية أقوى وفهم أكبر. والصبر على هذه الآلام والضغوط هو الذي يحوِّلها من محنة إلى منحة، ومن بلاء إلى عطاء، ومن كسر إلى جبر أجمل.

خامساً: إصلاح البال – جائزة الصابرين

وبعد كل هذا الابتلاء، وبعد هذه الرحلة الشاقة المليئة بالمكاره، يأتي وعد الله العظيم للمؤمنين الصادقين الصابرين:

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [محمد: 2]

معنى «أصلح بالهم»: شمولية الإصلاح

يقول العلامة ابن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير»: إن «البال» يُطلق على القلب والعقل وما يخطر للإنسان من تفكير وتدبير. و«إصلاح البال» يعني إصلاح حال المؤمن كله: عقله، وقلبه، وتفكيره، ونفسيته، وشؤونه جميعها.

وهذا الإصلاح الشامل يتضمن:

• إصلاح الرزق والأعمال والدين والدنيا.

• جعل أنظارهم وتدبيرهم لا يميل إلا لصالح وناجح.

• إصلاح خيري العاجل والآجل، الدنيا والآخرة.

• توفيقهم في كل قرار يتخذونه وكل خطوة يخطونها.

فالله يُقيم أنظار وعقول المؤمنين الذين آمنوا بما نُزِّل على محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يفكرون إلا في صالح، ولا يتدبرون إلا في ناجح، ولا يسعون إلا في خير. وهذا مقابل «أضلَّ أعمالهم» الذي قيل في الكافرين.

الإصلاح النفسي والعقلي: من القلق إلى الطمأنينة

ومن أعظم معاني «إصلاح البال» في سياق موضوعنا، أن الله يُصلح الحالة النفسية والعقلية للمؤمنين بعد ما مروا به من ابتلاءات وضغوط. فبعد القلق المرهق يأتي الطمأنينة المريحة، وبعد الخوف المقلق تأتي السكينة المطمئنة، وبعد الحزن الثقيل يأتي الفرح الخفيف، وبعد الضيق الخانق يأتي الانشراح المنعش.

وهذا وعد إلهي لا يتخلف: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. فمع العسر يسر، لا بعده فحسب، بل معه في نفس الوقت. والعسر معرَّف بـ«أل» فهو واحد، واليسر نكرة فهو متعدد. فعسر واحد معه يسران، وضيقة واحدة معها فرجتان.

سادساً: رسالة إلى أصحاب المبادئ العاملين

إلى كل من يحمل همَّ هذا الدين، ويسهر الليل قلقاً على أحوال الأمة، ويبكي حزناً على ما أصابها، ويغضب لانتهاك حرمات الله، ويتألم لآلام المسلمين:

1. ألمك ليس ضعفاً، بل قوة واصطفاء

اعلم أن ما تشعر به من قلق وحزن وخوف وضغط نفسي، ليس دليلاً على ضعف إيمانك، بل هو دليل على قوة إحساسك ويقظة ضميرك وحياة قلبك. القلب الذي يتألم للأمة هو قلب حي نابض بالإيمان، والنفس التي تحزن على الإسلام هي نفس كريمة اختارها الله لحمل الأمانة. وهذا الألم الذي تشعر به، وهذا القلق الذي يعتصر فؤادك، هو جزء من الثمن الذي تدفعه لتكون من الطائفة المنصورة التي اختارها الله من بين العالمين.

2. لا تقارن طريقك بطريق من اعتزلوا

لا تنظر إلى من اعتزلوا الناس فوجدوا راحة القلب وسكينة النفس وحلاوة الإيمان، ثم تظن أن في طريقك خللاً أو في منهجك ضعفاً. فأنت في طريق مختلف، وأنت تدفع ثمناً مختلفاً، ولك أجر مختلف لا يعلم عظمته إلا الله. هم في دائرة النجاة تحفظهم من النار، وأنت في دائرة النصرة تنصر دين الله وتعلي كلمته. وشتان بين الدائرتين في المقام والمنزلة.

3. خطؤك لا يُسقط قيمة عملك العظيم

وإذا أخطأت فاستغفر واستمر في طريقك. لا تجعل من خطئك سبباً للتوقف أو اليأس أو الإحباط. فالكمال لله وحده، والعصمة للأنبياء. وأنت بشر تخطئ وتصيب، تقع وتقوم، تضعف وتقوى، تزل وتتوب. والمهم أن تظل في الطريق ماضياً لا تلتفت، وألا تستسلم لوساوس الشيطان الذي يريد أن يُيئسك من رحمة الله ويُقعدك عن العمل.

4. التشتت طبيعي فافعل ما تستطيع

وإذا شعرت بالتشتت بين القضايا الكثيرة، فاعلم أن الله لم يكلفك بإنقاذ الأمة كلها وحدك. بل كلفك أن تفعل ما تستطيع في حدود طاقتك ودائرة تأثيرك. ركِّز على ما أنت أهل له، وما تستطيع أن تُحدث فيه فرقاً حقيقياً، وثق أن الله سيُكمل المسيرة بغيرك. فما عليك إلا البلاغ والسعي، والنتائج على الله.

5. النصر قريب وإن طال الطريق

وتذكَّر دائماً قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. فمهما اشتدت الظلمة، فالفجر قريب. ومهما طال الليل، فالصبح آت لا محالة. ومهما كثرت المحن، فالمنح تليها. والله لا يُخلف وعده، ولن يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى. كل دمعة ذرفتها، وكل ليلة سهرتها، وكل همّ حملته، محفوظ عند الله في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.

6. أنت في الطريق الصحيح فاثبت

اعلم يقيناً أنك في الطريق الصحيح، حتى لو لم تشعر بحلاوة الإيمان كل يوم، وحتى لو أصابك القلق والخوف والحزن والإنهاك. فهذا هو الطريق الذي سلكه الأنبياء والمرسلون والصالحون، وهذا هو الثمن الذي دفعوه. ومن أراد الجنة فليتحمل مرارة الطريق ومشقة السير، فإن الجنة حُفَّت بالمكاره، والنار حُفَّت بالشهوات.


خاتمة: بشرى لأهل الابتلاء والصبر

لقد جعل الله الابتلاء علامة على المحبة والاصطفاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خُفِّف عنه» [رواه الترمذي وصححه الألباني].

فإذا كنت من أهل الابتلاء الشديد، فأبشر بأنك من أهل الاصطفاء الرفيع. وإذا كنت ممن يحملون هموم الأمة ويخالطون الناس ويصبرون على أذاهم، فأنت من الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله.

واعلم أن الله سيُصلح بالك كما وعد، وسيكفِّر عنك سيئاتك كما قال، وسيجعل لك من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل حزن سروراً، ومن كل خوف أمناً، ومن كل قلق طمأنينة. فاصبر واحتسب، وثق بوعد الله الذي لا يتخلف:

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾

وتذكَّر: أن كل دمعة ذرفتها لله محفوظة، وكل ليلة سهرتها في هم الأمة مكتوبة، وكل لحظة قلق عشتها في سبيل الله مسجلة. وسيأتي يوم تقف فيه بين يدي الله، فيجزيك على كل ذلك الجزاء الأوفى، وتنال ما لم تكن تحلم به في الدنيا من الكرامة والرفعة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المراجع والمصادر

أولاً: المصادر الشرعية

1. القرآن الكريم

2. صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري

3. صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري

4. سنن الترمذي، للإمام محمد بن عيسى الترمذي

5. سنن النسائي، للإمام أحمد بن شعيب النسائي

6. سنن ابن ماجه، للإمام محمد بن يزيد ابن ماجه

ثانياً: كتب التفسير

1. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

2. التحرير والتنوير، للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور

ثالثاً: المراجع النفسية

1. Figley, C. R. (2002). Compassion Fatigue: Psychotherapists' Chronic Lack of Self Care. Journal of Clinical Psychology, 58(11), 1433-1441.

2. Maslach, C., & Leiter, M. P. (2016). Understanding the Burnout Experience: Recent Research and Its Implications for Psychiatry. World Psychiatry, 15(2), 103-111.

3. Tedeschi, R. G., & Calhoun, L. G. (2004). Posttraumatic Growth: Conceptual Foundations and Empirical Evidence. Psychological Inquiry, 15(1), 1-18.

رابعاً: مصادر أخرى

1. شريط صوتي للشيخ سلمان بن فهد العودة (حفظه الله وفرج عنه)، في موضوع الدوائر الثلاث والطائفة المنصورة.

2. سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني

نسأل الله أن يجعلنا من الطائفة المنصورة، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يصلح بالنا وأحوالنا، ويكفر عنا سيئاتنا، ويتقبل منا صالح أعمالنا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

تعليقات

الكلمات الدلالية