إعداد: أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]
الملخص
تتناول هذه الدراسة ظاهرة خطيرة تواجه الأمة الإسلامية في العصر الحديث، وهي ظاهرة "فقهاء العلمانية الجدد" الذين يستخدمون الفقه الإسلامي أداةً لتسويغ الطروحات العلمانية واللادينية. يسعى البحث إلى تحليل هذه الظاهرة من منظور أصولي مقاصدي، مستنداً إلى أقوال الأئمة المتقدمين كالإمام الشاطبي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.
يتناول البحث ستة محاور رئيسة: التعريف بهؤلاء الفقهاء وبيان الفرق بينهم وبين العلماء الحقيقيين، ونقد منهجهم الفقهي وكشف تناقضاته، وأثر تزيينهم للباطل على الأمة، وأساليبهم في تأويل النصوص، ثم الدعوة للعودة إلى الفقه الصحيح، وأخيراً بيان خطورة هذه الظاهرة على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية.
توصلت الدراسة إلى أن هذه الظاهرة تمثل انحرافاً منهجياً خطيراً عن أصول الاجتهاد المعتبرة، وأنها تهدد الهوية الإسلامية ووحدة الأمة، مما يستوجب تضافر جهود العلماء الحقيقيين في مواجهتها وتصحيح مسارها.
الكلمات المفتاحية: فقهاء العلمانية، التأويل الفاسد، مقاصد الشريعة، الاجتهاد، السياسة الشرعية، تزيين الباطل.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من أخطر ما تواجهه الأمة الإسلامية في هذا العصر ظهور طائفة من المنتسبين إلى العلم الشرعي يسعون إلى تفريغ الفقه الإسلامي من مضمونه، وتحويله إلى أداة لخدمة الأجندات العلمانية واللادينية. هؤلاء يتدثرون برداء العلم والاجتهاد، بينما هم في حقيقة الأمر يهدمون ما بناه الأئمة المجتهدون عبر قرون من الاجتهاد الرشيد.
وقد حذّر الله تعالى من هذا الصنف في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]. وهذه الآية تصف بدقة منهج هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويتلاعبون بالنصوص خدمةً لأهوائهم.
المبحث الأول: تعريف فقهاء العلمانية الجدد وتمييزهم عن العلماء الحقيقيين
المطلب الأول: حقيقة فقهاء العلمانية الجدد
فقهاء العلمانية الجدد طائفة من المنتسبين إلى الدراسات الإسلامية، تأثروا بالفكر الغربي الحديث ومناهجه في قراءة النصوص الدينية، فأخذوا يُخضعون الشريعة الإسلامية لمعايير الحداثة الغربية، ويسعون إلى تكييف أحكام الدين وفق متطلبات العصر بمفهومه العلماني.
وقد تنبه الإمام الشاطبي (ت 790هـ) لهذا الصنف من الناس حين قال في "الموافقات": "إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فمن ادعى فيها التكميل بتقديم العقل على النص، أو تخصيص العام بغير دليل معتبر، أو الاستحسان المجرد، فقد غلط" (الشاطبي، الموافقات، 2/17).
ويتميز هؤلاء بسمات منها: التأثر الشديد بالفلسفات الغربية ومناهج النقد الحديثة، والسعي إلى فصل الدين عن مجالات الحياة العامة كالسياسة والاقتصاد، وادعاء "التجديد" و"الاجتهاد" مع مخالفة أصول الاجتهاد المعتبرة، والتركيز على "المقاصد" مع إهمال الأحكام الجزئية الثابتة بالنصوص القطعية.
المطلب الثاني: الفرق بينهم وبين العلماء الحقيقيين
العالم الحقيقي هو الذي يتقيد بمنهج السلف الصالح في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع، ويلتزم بضوابط الاجتهاد المقررة عند الأئمة. قال الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ): "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام" (ابن مفلح، الآداب الشرعية، 2/44). وهذا يعني أن الاجتهاد لا بد أن يكون ضمن إطار المنهج العلمي المتوارث.
أما فقهاء العلمانية الجدد فيتحررون من هذه القيود، ويرون في الموروث الفقهي عبئاً يجب التخلص منه، أو على الأقل "تحديثه" بما يتوافق مع "روح العصر". وقد بيّن ابن القيم (ت 751هـ) خطورة هذا المسلك فقال: "وكم من مريد للخير لا يصيبه، ومن ظان نفسه على الصراط المستقيم وهو أبعد الناس عنه" (إعلام الموقعين، 1/87).
والفارق الجوهري يتمثل في: أن العالم الحقيقي يبدأ من النص ثم ينظر في الواقع ليطبق الحكم الشرعي، أما الفقيه العلماني فيبدأ من الواقع ومتطلباته ثم يبحث في النصوص عما يؤيد ما يريد، فإن لم يجد لجأ إلى التأويل البعيد أو ادعى أن الحكم كان لزمان معين قد تجاوزه التاريخ.
المبحث الثاني: نقد المنهج الفقهي لفقهاء العلمانية
المطلب الأول: استخدام الفقه لتبرير العلمانية
يعتمد فقهاء العلمانية على مجموعة من الآليات في توظيف الفقه لخدمة أهدافهم، منها:
أولاً: التوسع في مفهوم المصلحة: فيجعلونها حاكمة على النصوص بدلاً من أن تكون النصوص حاكمة عليها. وقد رد الشاطبي على هذا المسلك بقوله: "لا يصح اعتبار المصلحة إلا إذا حافظت على مقصود الشرع، فإذا أدت إلى مخالفة نص أو إجماع فهي مصلحة ملغاة لا اعتبار لها" (الاعتصام، 2/129).
ثانياً: الادعاء بتاريخية الأحكام: فيقولون إن كثيراً من الأحكام الشرعية كانت مرتبطة بظروف زمنية معينة، وبانتهاء تلك الظروف ينتهي الحكم. وهذا مخالف لما قرره العلماء من أن الأصل في الأحكام العموم والاستمرار. قال ابن تيمية (ت 728هـ): "الشريعة جاءت بما يصلح للناس في كل زمان ومكان، وأحكامها لا تتغير بتغير الأزمان إلا ما ثبت أنه مؤقت بوقت معين أو معلق بسبب معين" (مجموع الفتاوى، 29/18).
ثالثاً: التفريق بين الدين والدولة: فيزعمون أن الإسلام لم يأتِ بنظام سياسي محدد، وأن أمور الحكم متروكة للتجربة البشرية. وهذا يناقض قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65].
المطلب الثاني: التناقضات في منهجهم
يعاني منهج فقهاء العلمانية من تناقضات جوهرية، منها:
أنهم يدعون إلى الاجتهاد المطلق بينما يرفضون الاجتهاد الذي توصل إليه أئمة الإسلام عبر القرون. فهم يريدون اجتهاداً يوافق ما يريدون لا اجتهاداً يبحث عن الحق أينما كان. وهم يزعمون اعتماد المقاصد بينما يهدرون مقصد حفظ الدين الذي هو أعلى المقاصد عند الشاطبي وغيره. وقد قال الشاطبي: "المقاصد الشرعية خمسة: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل. وحفظ الدين أصلها وأساسها" (الموافقات، 2/8).
كما أنهم يتهمون المتمسكين بالنصوص بالجمود والحرفية، بينما هم أنفسهم يتمسكون حرفياً ببعض النصوص التي تخدم توجهاتهم، كآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] يفسرونها بإطلاق من غير النظر في سياقها والأدلة الأخرى المقيدة لها.
المبحث الثالث: أثر تزيين الباطل على الأمة
المطلب الأول: آليات تزيين الباطل
يستخدم فقهاء العلمانية الجدد أساليب متعددة لتزيين الباطل وتسويقه للجماهير. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. ومن أبرز هذه الآليات:
استخدام المصطلحات البراقة كـ"التجديد" و"الوسطية" و"التنوير" و"الإسلام الحضاري"، وهي مصطلحات تحمل في طياتها مضامين مخالفة للشريعة. قال ابن القيم: "من مكايد الشيطان أنه يأتي أهل البدع بلباس الحق ويزينه لهم، حتى يقعوا فيما يريد منهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً" (إغاثة اللهفان، 1/115).
كما يعمدون إلى استغلال وسائل الإعلام الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر أفكارهم، مستفيدين من ضعف الوعي الشرعي عند كثير من الناس. ويتظاهرون بالموضوعية والعلمية بينما يمارسون انتقائية فجة في التعامل مع النصوص والتراث.
المطلب الثاني: الأضرار الناجمة عن تزيين الباطل
تتعدد الأضرار الناجمة عن نشاط هؤلاء الفقهاء، ومنها:
إضعاف الثقة بالتراث الفقهي الإسلامي الذي تراكم عبر القرون، مما يؤدي إلى تشكيك الناس في دينهم وشريعتهم. وقد حذر الإمام الشافعي (ت 204هـ) من هذا المسلك بقوله: "من استحسن فقد شرّع، ومن ترك النص للاستحسان فقد ضل" (الرسالة، ص 507).
كما يؤدي نشاطهم إلى تفكيك الهوية الإسلامية للأمة، وفتح الباب أمام الانحلال الأخلاقي والقيمي، وتمهيد الطريق للهيمنة الثقافية الغربية، وإثارة الفتن والانقسامات داخل الأمة بين "محافظين" و"متنورين".
المبحث الرابع: اللعب بالفقه وتأويل النصوص
المطلب الأول: أساليب التأويل الفاسد
يتبع فقهاء العلمانية أساليب متعددة في تأويل النصوص الشرعية لتخدم أهدافهم. قال ابن تيمية: "التأويل الفاسد هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر لا يحتمله اللفظ إلا بدليل منفصل يوجب ذلك، فإذا لم يكن هناك دليل صحيح فهو تحريف للكلم عن مواضعه" (مجموع الفتاوى، 6/395).
ومن هذه الأساليب:
أولاً: التوسع في المعاني وحمل الألفاظ على غير ما أريد بها: فيؤولون آية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] لتعني حرية الاعتقاد المطلقة بما في ذلك حرية الردة، متجاهلين سياق الآية وما قرره المفسرون من أنها نزلت في شأن أهل الكتاب وأنها لا تنفي الجهاد ولا حد الردة.
ثانياً: القطع عن السياق والاستدلال بالجزء دون الكل: فيستشهدون بـ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] لتبرير فصل الدين عن الدولة، بينما السورة نزلت رداً على اقتراح قريش للمساومة في العقيدة، وهي تؤكد ثبات المسلم على دينه لا التنازل عنه.
ثالثاً: تعطيل الأحكام بدعوى تغير الزمان: فيقولون إن أحكاماً مثل الجهاد والحدود والجزية كانت لظروف تاريخية انقضت، وهذا من أبطل الباطل لأن هذه الأحكام ثابتة بنصوص قطعية لا تقبل النسخ. قال الشاطبي: "القطعي لا يُنسخ بالظني، والمحكم لا يُؤَوَّل بالمتشابه، والنص لا يُترك للقياس" (الموافقات، 3/183).
المطلب الثاني: أمثلة تطبيقية على التأويل الفاسد
من الأمثلة البارزة على تأويلاتهم الفاسدة:
تأويل الشورى لتعني الديمقراطية الغربية: فيساوون بين الشورى الإسلامية المقيدة بالشريعة وبين الديمقراطية الغربية التي تجعل الشعب مصدر التشريع. والفرق بينهما جوهري، فالشورى في الإسلام تكون فيما لا نص فيه، أما في الديمقراطية فالأغلبية هي التي تحدد الحلال والحرام. قال ابن تيمية: "ليس لأحد من البشر أن يشرع ما لم يأذن به الله، فمن ادعى أن للناس أن يحللوا ويحرموا بأهوائهم فقد جعلهم أرباباً من دون الله" (مجموع الفتاوى، 35/372).
كما يؤولون آيات الجهاد ليقتصر معناها على "جهاد النفس" أو "الدفاع فقط"، متجاهلين النصوص الصريحة في جهاد الطلب والفتح. ويؤولون أحكام الحدود لتصبح "تعزيرية" يمكن استبدالها بعقوبات أخرى، مخالفين إجماع الأمة على توقيفية الحدود.
المبحث الخامس: دعوة للعودة إلى الفقه الصحيح
المطلب الأول: أسس الفقه الصحيح
الفقه الصحيح هو الذي يقوم على أسس راسخة وضوابط منهجية واضحة، من أهمها:
الالتزام بالكتاب والسنة مصدرين أساسيين للتشريع، ثم الإجماع والقياس الصحيح. قال الشاطبي: "الأدلة الشرعية أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. وما عداها فراجع إليها، فالاستحسان والمصلحة المرسلة وسد الذرائع كلها مستندة إلى هذه الأصول الأربعة" (الموافقات، 1/36).
ومن هذه الأسس أيضاً: فهم النصوص في ضوء فهم السلف الصالح وأئمة التفسير والفقه، ومراعاة قواعد الأصول في الاستنباط كتقديم النص على القياس والخاص على العام والمقيد على المطلق، والجمع بين النصوص المتعلقة بالموضوع الواحد وعدم الأخذ ببعضها دون بعض، وإدراك مقاصد الشريعة إدراكاً صحيحاً يجعلها خادمة للنصوص لا حاكمة عليها.
المطلب الثاني: دور العلماء الحقيقيين في التصحيح
العلماء الحقيقيون هم حراس الدين وورثة الأنبياء، وعليهم مسؤولية عظيمة في مواجهة هذا الانحراف. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (رواه البيهقي في السنن الكبرى، وحسنه بعض أهل العلم).
ومن أهم واجبات العلماء في هذا المقام: بيان الحق بالحجة والبرهان والرد على الشبهات بالعلم والحكمة، وتربية الأجيال على الفقه الصحيح والمنهج السليم، والتصدي للأفكار المنحرفة قبل انتشارها وترسخها، والعمل على إحياء التراث الفقهي وتقريبه للناس، والاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة في نشر العلم الصحيح.
قال ابن القيم: "العالم طبيب الأمة، فإن لم يعرف الداء ولم يصف الدواء فقد أخل بواجبه، وإن عرف ولم يبين فقد خان، وإن بين ولم يصبر على الأذى في ذلك فليس بعالم حقيقي" (مفتاح دار السعادة، 1/172).
المبحث السادس: خطورة الظاهرة على الأمة
المطلب الأول: المخاطر السياسية
تمثل ظاهرة فقهاء العلمانية خطراً سياسياً جسيماً على الأمة الإسلامية، يتجلى في عدة جوانب:
تسويغ التبعية السياسية للغرب من خلال فتاوى تبيح موالاة غير المسلمين على المسلمين، بحجة "المصالح الوطنية" أو "السيادة" أو "مكافحة الإرهاب". وهذا مناقض لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
كما يعملون على إضفاء الشرعية على أنظمة الحكم العلمانية التي لا تحكم بما أنزل الله، وتقديم تفسيرات للشورى والبيعة تفرغها من مضمونها الشرعي، وتثبيط الأمة عن المطالبة بتحكيم الشريعة بحجة "التدرج" أو "عدم جاهزية المجتمع".
المطلب الثاني: المخاطر الاجتماعية
على الصعيد الاجتماعي، تؤدي هذه الظاهرة إلى تفكيك منظومة القيم الإسلامية التي تحفظ تماسك المجتمع. فحين تُفتح الأبواب للتأويل غير المنضبط، تصبح كل القيم قابلة للنقاش والتغيير.
ومن المخاطر الاجتماعية: إضعاف مؤسسة الأسرة من خلال فتاوى تتساهل في أحكام الأسرة والمرأة، وانتشار الانحلال الأخلاقي بحجة "الحرية الشخصية"، وزعزعة ثقة الناس بعلمائهم ودينهم، مما يؤدي إلى فراغ روحي خطير، وانقسام المجتمع بين تيارات متصارعة تتنازع الشرعية.
قال الشاطبي محذراً من هذا المآل: "إذا تُرك العمل بظواهر الشريعة وصار الناس إلى التأويل الباطن، ذهبت الشريعة بالكلية وانحل نظام الدين من أصله" (الاعتصام، 1/231).
المطلب الثالث: المخاطر الثقافية
الخطر الثقافي ربما يكون الأعمق أثراً والأبعد مدى، لأنه يستهدف العقل والهوية. ومن أبرز مظاهره:
تشويه التراث الإسلامي وتصويره بصورة سلبية، والترويج لفكرة أن الحضارة الإسلامية لا يمكن أن تنهض إلا بتبني القيم الغربية، وإنشاء جيل منبت الصلة بتراثه وهويته، يستمد معاييره من خارج حضارته، وتحويل "التجديد" من تجديد للفهم والتطبيق في إطار الثوابت إلى تجديد يمس الثوابت نفسها.
قال ابن خلدون (ت 808هـ): "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده" (المقدمة، ص 147). وهذا ما يسعى إليه فقهاء العلمانية حين يزينون للأمة التخلي عن خصوصياتها الشرعية.
الخاتمة والنتائج والتوصيات
أولاً: النتائج
توصل البحث إلى عدة نتائج، أهمها:
1. فقهاء العلمانية الجدد يمثلون ظاهرة خطيرة تستهدف تفريغ الفقه الإسلامي من مضمونه وتحويله إلى أداة لخدمة الأجندات العلمانية.
2. منهج هؤلاء الفقهاء يقوم على التأويل الفاسد للنصوص، والتوسع غير المنضبط في المصالح، وادعاء تاريخية الأحكام الثابتة.
3. هذه الظاهرة تشكل خطراً متعدد الأبعاد: سياسياً واجتماعياً وثقافياً، يهدد وحدة الأمة وهويتها.
4. العودة إلى الفقه الصحيح المبني على الكتاب والسنة وفهم السلف هي السبيل الوحيد لمواجهة هذا الانحراف.
5. العلماء الحقيقيون يتحملون مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه الظاهرة وتوعية الأمة بخطورتها.
ثانياً: التوصيات
نوصي بما يلي:
1. تكثيف الجهود العلمية في الرد على شبهات فقهاء العلمانية بالحجة والبرهان.
2. إنشاء مراكز متخصصة لدراسة الفكر العلماني وتحليل خطابه والرد عليه.
3. الاهتمام بتدريس علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة تدريساً صحيحاً يحصن الطلاب من الانحرافات.
4. استخدام وسائل الإعلام الحديثة في نشر الفقه الصحيح والتوعية بخطورة التيارات المنحرفة.
5. التنسيق بين العلماء والمؤسسات الشرعية في مواجهة هذه الظاهرة بشكل منظم ومؤسسي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: القرآن الكريم
ثانياً: المصادر والمراجع
1. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (ت 728هـ)، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1416هـ.
2. ابن القيم، محمد بن أبي بكر (ت 751هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
3. ابن القيم، محمد بن أبي بكر (ت 751هـ)، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1395هـ.
4. ابن القيم، محمد بن أبي بكر (ت 751هـ)، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، دار الكتب العلمية، بيروت.
5. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت 808هـ)، المقدمة، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، دمشق، ط1، 2004م.
6. ابن مفلح، محمد بن مفلح المقدسي (ت 763هـ)، الآداب الشرعية والمنح المرعية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعمر القيام، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1419هـ.
7. البيهقي، أحمد بن الحسين (ت 458هـ)، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 1424هـ.
8. الشافعي، محمد بن إدريس (ت 204هـ)، الرسالة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مكتبة الحلبي، القاهرة، ط1، 1358هـ.
9. الشاطبي، إبراهيم بن موسى (ت 790هـ)، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، السعودية، ط1، 1417هـ.
10. الشاطبي، إبراهيم بن موسى (ت 790هـ)، الاعتصام، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، السعودية، ط1، 1412هـ.
اكتب مراجعة عامة