img
img

الفكر الباطني المعاصر وخرافة "الطاقة الباطنية"

img
الشبكة

الفكر الباطني المعاصر وخرافة "الطاقة الباطنية"

نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية السنية


كتبه : أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 



المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

شهدت الساحة الفكرية الإسلامية المعاصرة ظهور تيارات وأفكار منحرفة تحاول النيل من صفاء العقيدة الإسلامية ونقائها، ومن أخطر هذه التيارات ما يعرف بـ"الطاقة الباطنية" أو ما يروج له تحت مسميات متعددة كـ"الطاقة الكونية" و"قانون الجذب" و"التأمل التجاوزي" وغيرها من المصطلحات البراقة التي تخفي خلفها عقائد باطنية وثنية قديمة أعيد تغليفها بلغة عصرية.

ويكتسب هذا البحث أهميته من خطورة انتشار هذه الأفكار بين الشباب المسلم، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال بعض المؤثرين الذين يخلطون بين الحق والباطل، مستغلين حاجة الناس الفطرية للبحث عن السكينة والراحة النفسية.

أولاً: الباطنية: التعريف والأصول التاريخية

1.1 التعريف اللغوي والاصطلاحي

الباطنية لغة مشتقة من الباطن، وهو خلاف الظاهر. واصطلاحاً، الباطنية هي فرقة من الفرق الضالة التي تدعي أن للنصوص الشرعية ظاهراً وباطناً، وأن الباطن هو المقصود الحقيقي، بينما الظاهر للعامة فقط.

قال الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه "فضائح الباطنية": "وهؤلاء يسمون الباطنية، لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنهم هم المخصوصون بدرك بواطنها" (الغزالي، فضائح الباطنية، ص 9).

1.2 الجذور التاريخية للفكر الباطني

يعود أصل الفكر الباطني إلى فلسفات ومعتقدات وثنية قديمة، تأثرت بالفلسفات اليونانية والهندية والفارسية. وقد تسللت هذه الأفكار إلى الفكر الإسلامي عبر طرق متعددة، أبرزها:

• الفلسفة الأفلاطونية الحديثة: التي تقول بنظرية الفيض والعقول العشرة.

• الديانات الشرقية: كالبوذية والهندوسية التي تؤمن بالحلول والاتحاد.

• الزرادشتية والمانوية: التي تقول بثنائية النور والظلمة.

يقول الدكتور سعد الغامدي في كتابه "الانحرافات العقدية": "الباطنية تيار فكري قديم له جذور في الفلسفات الوثنية، وقد تستر بلباس إسلامي لهدم الإسلام من الداخل" (الغامدي، الانحرافات العقدية، ص 125).

1.3 أبرز الفرق الباطنية التاريخية

من أشهر الفرق الباطنية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي:

• الإسماعيلية: التي أسست الدولة الفاطمية في مصر.

• القرامطة: الذين قاموا بأعمال إجرامية ضد المسلمين وسرقوا الحجر الأسود.

• النصيرية (العلويون): المنتشرون في بلاد الشام.

• الدروز: المنتشرون في لبنان وسوريا وفلسطين.

ثانياً: خرافة "الطاقة الباطنية" المعاصرة

2.1 ماهية "الطاقة الباطنية"

"الطاقة الباطنية" أو ما يسمى بـ"الطاقة الكونية" هي مفهوم وثني قديم أعيد إحياؤه في العصر الحديث، يزعم أصحابه وجود طاقة خفية في الكون يمكن للإنسان التحكم بها واستخدامها لتحقيق رغباته وشفاء أمراضه وجلب الرزق، دون الحاجة إلى الله عز وجل.

وتتجلى هذه الخرافة في عدة مسميات وممارسات معاصرة:

• الطاقة الحيوية (Chi, Prana, Ki)

• قانون الجذب (Law of Attraction)

• الشاكرات السبعة (Seven Chakras)

• الريكي (Reiki)

• اليوجا الروحية

2.2 الأصول الوثنية لمفهوم الطاقة

مفهوم "الطاقة الكونية" ليس جديداً، بل هو مستمد من عقائد وثنية قديمة، أهمها:

• الهندوسية: حيث يعرف بـ"برانا" (Prana)، وهو مفهوم مركزي في الفلسفة الهندوسية.

• البوذية: التي تتحدث عن "التشي" (Chi) أو الطاقة الحيوية.

• الطاوية الصينية: التي تقول بـ"التاو" أو الطريق الكوني.

يقول الدكتور فوز كردي في بحثه عن "الطب البديل": "إن مفهوم الطاقة في الطب البديل مستمد من الديانات الشرقية الوثنية، وهو يتناقض مع التوحيد الإسلامي" (كردي، الطب البديل بين الحقيقة والوهم، ص 78).

2.3 التناقض مع العقيدة الإسلامية

إن الاعتقاد بوجود "طاقة كونية" مستقلة يمكن التحكم بها يتناقض مع أصول العقيدة الإسلامية من عدة وجوه:

• ينافي توحيد الربوبية: لأنه يجعل للكون قوة مؤثرة مستقلة عن الله.

• ينافي توحيد الألوهية: لأنه يجعل الإنسان يتوجه لغير الله في طلب الشفاء والرزق.

• ينافي الإيمان بالقضاء والقدر: لأنه يجعل الإنسان متحكماً في مصيره بعيداً عن إرادة الله.

قال الله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 29].

ثالثاً: حقيقة هذه الممارسات: سحر وشعوذة

3.1 العلاقة بين "الطاقة الباطنية" والسحر

إن كثيراً من ممارسات ما يسمى بـ"الطاقة الباطنية" هي في حقيقتها أنواع من السحر والشعوذة المحرمة شرعاً. فالساحر يدعي القدرة على التأثير في الكون عبر طقوس وتعاويذ، وكذلك "معالج الطاقة" يدعي القدرة على التأثير عبر "تنظيف الهالة" و"فتح الشاكرات".


قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "كل من ادعى علم الغيب أو ادعى التأثير في الكون بقوى خفية فهو كاذب مفتر، وقد يكون ساحراً مشعوذاً" (فتاوى ابن باز، 8/128).

3.2 دور الجن والشياطين

كثير من الظواهر التي تحدث في جلسات "علاج الطاقة" يكون سببها الحقيقي تلاعب الجن والشياطين بالإنسان. فالجن قد يحدثون أموراً خارقة لإيهام الناس بصحة هذه الممارسات، وذلك لإضلالهم عن التوحيد.

قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) [الجن: 6].

وقد حذر العلماء من الاستعانة بالجن أو التعامل معهم، سواء كان ذلك مباشرة أو عبر وسائط كـ"الطاقة" المزعومة.

3.3 الأدلة الشرعية على تحريم السحر والشعوذة

جاءت النصوص الشرعية صريحة في تحريم السحر وكل ما يشابهه:

• قال تعالى: (وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [البقرة: 102].

• قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات... ومنها السحر" (متفق عليه).

• قال ابن القيم: "السحر هو كل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته" (بدائع الفوائد، 2/234).

رابعاً: خطر استبدال الدين الإسلامي بـ"دين الطاقة"

4.1 ظاهرة "أسلمة" المفاهيم الباطنية

من أخطر ما يواجه المسلمين اليوم محاولات "أسلمة" المفاهيم الباطنية والوثنية، حيث يحاول بعض المضللين إلباس هذه الخرافات لباساً إسلامياً بربطها بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية، مع تحريف معانيها وتأويلها بما يخدم أغراضهم الباطلة.

فنجد من يربط "الطاقة الكونية" بقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور: 35]، مع أن الآية تتحدث عن هداية الله لا عن "طاقة" مزعومة.

4.2 بعض المؤثرين المعاصرين المروجين لهذه الأفكار

من المؤسف أن نجد في عصرنا هذا من يتصدر للدعوة إلى هذه الأفكار الباطلة، مستغلاً منصات التواصل الاجتماعي وثقة الناس فيهم. ومن هؤلاء:

أحمد عمارة

أحد المتحدثين الذين يخلطون بين التنمية البشرية والأفكار الباطنية، حيث يروج لمفاهيم "قانون الجذب" و"الطاقة الإيجابية" بطريقة تجعلها بديلاً عن التوكل على الله والدعاء. وقد انتقد كثير من العلماء المعاصرين هذا التوجه وحذروا منه.

الدكتور كريم علي

طبيب مصري يروج لمفاهيم "الطب الطاقي" و"الريكي" و"الشاكرات"، محاولاً دمج هذه الممارسات الوثنية مع الطب الحديث والإسلام. وقد صدرت فتاوى متعددة من علماء معتبرين تحذر من هذه الممارسات وتبين حرمتها.

قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "هذه الدعوات الحديثة إلى الطاقة وقانون الجذب هي دعوات باطلة تهدف إلى إبعاد الناس عن التوحيد" (من فتاواه المسجلة).

4.3 أثر هذه الأفكار على العقيدة

إن الانجراف وراء هذه الأفكار يؤدي إلى عواقب خطيرة على عقيدة المسلم:

• ضعف التوكل على الله: حيث يصبح الاعتماد على "الطاقة" بدلاً من الله.

• التعلق بالأسباب الوهمية: بدلاً من الأسباب الشرعية المشروعة.

• الوقوع في الشرك: بالاعتقاد بوجود مؤثرات مستقلة عن الله.

• إهمال العبادات الشرعية: كالدعاء والصلاة والصدقة، والاستعاضة عنها بممارسات وثنية.

خامساً: تدمير القيم الإسلامية وإضلال الشباب

5.1 استهداف الشباب المسلم

يستهدف الشباب المسلم بشكل خاص بهذه الأفكار الباطلة، وذلك لعدة أسباب:

• ضعف التحصين العلمي والعقدي لدى كثير من الشباب.

• البحث عن حلول سريعة للمشكلات النفسية والاجتماعية.

• التأثر بالمشاهير والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

• الانبهار بالمصطلحات الحديثة والأساليب العصرية في تقديم هذه الأفكار.

5.2 الآثار السلبية على القيم الإسلامية

إن انتشار هذه الأفكار يؤدي إلى تدمير القيم الإسلامية الأصيلة من عدة وجوه:

• إضعاف مفهوم العبودية لله: حيث يصبح الإنسان معتمداً على نفسه و"طاقته" بدلاً من الله.

• تشويه مفهوم القضاء والقدر: بادعاء القدرة على التحكم في المستقبل.

• نشر الأنانية والفردية: حيث يصبح التركيز على الذات و"تطويرها" بدلاً من العبادة والإحسان.

• التشكيك في الشريعة: باعتبارها "قديمة" لا تناسب العصر، والبحث عن بدائل في الفلسفات الشرقية.

5.3 الاستراتيجية الممنهجة للإضلال

إن انتشار هذه الأفكار ليس عشوائياً، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة للإضلال تتضمن:

• استخدام مصطلحات علمية زائفة لإضفاء المصداقية.

• الخلط بين الحق والباطل لتمرير الأفكار المنحرفة.

• استغلال حاجة الناس النفسية والروحية.

• تقديم "شهادات نجاح" مزيفة لجذب المزيد من الضحايا
.

سادساً: العقيدة السنية الصحيحة: الحل والحصن

6.1 منهج أهل السنة في تلقي العقيدة

إن منهج أهل السنة والجماعة في تلقي العقيدة واضح صريح، يقوم على:

• الأخذ بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.

• رفض التأويل الباطني والتحريف لنصوص الشرع.

• الالتزام بما كان عليه الصحابة والتابعون.

• إفراد الله بالعبادة والتوكل والخوف والرجاء.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" (أصول السنة، ص 11).

6.2 البدائل الشرعية لـ"الطاقة" المزعومة

إن الإسلام قدم للإنسان بدائل شرعية صحيحة لكل ما يحتاجه، دون الحاجة إلى الخرافات والخزعبلات:

• للشفاء: الدعاء والرقية الشرعية والتداوي بالأسباب الحسية المباحة.

• للسكينة النفسية: الذكر والصلاة وقراءة القرآن.

• للنجاح والتوفيق: التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة.

• للحماية من الشر: الأذكار الشرعية والاستعاذة بالله.

قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].

6.3 واجب العلماء والدعاة

على العلماء والدعاة مسؤولية كبيرة في مواجهة هذه الأفكار المنحرفة، وذلك من خلال:

• التحذير الواضح من هذه الأفكار وبيان خطرها على العقيدة.

• تعليم الناس العقيدة الصحيحة بأسلوب معاصر مبسط.

• إصدار فتاوى واضحة في حكم هذه الممارسات.

• استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر العلم الصحيح.

الخاتمة

في ختام هذا البحث، نخلص إلى النتائج والتوصيات التالية:

النتائج

• الفكر الباطني له جذور تاريخية قديمة في الفلسفات والديانات الوثنية.

• "الطاقة الباطنية" المعاصرة ما هي إلا إعادة تغليف لعقائد وثنية قديمة.

• كثير من ممارسات "الطاقة" هي في حقيقتها سحر وشعوذة محرمة شرعاً.

• هذه الأفكار تتناقض جذرياً مع أصول العقيدة الإسلامية.

• انتشار هذه الأفكار يشكل خطراً حقيقياً على عقيدة الشباب المسلم.

التوصيات

• تكثيف الجهود التعليمية لتحصين الشباب عقدياً.

• إنتاج محتوى إعلامي جذاب يبين خطر هذه الأفكار.

• تفعيل دور الأسرة في التربية العقدية للأبناء.

• إصدار فتاوى جماعية من هيئات علمية معتبرة تحذر من هذه الممارسات.

• مراقبة ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرد عليه علمياً.

إن حماية العقيدة الإسلامية من الأفكار المنحرفة واجب على كل مسلم، وخاصة أهل العلم والدعاة. وعلينا جميعاً أن نتمسك بالعقيدة السنية الصحيحة، وأن نحذر من كل ما يخالفها أو يشوبها. نسأل الله العلي القدير أن يحفظ دينه وأن يثبتنا على الحق.

والحمد لله رب العالمين


المراجع

1. الغزالي، أبو حامد محمد. (1964). فضائح الباطنية. تحقيق: عبد الرحمن بدوي. القاهرة: مؤسسة دار الكتب.

2. ابن تيمية، أحمد. (1986). مجموع الفتاوى. جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد.

3. ابن القيم، محمد. (1973). بدائع الفوائد. بيروت: دار الكتاب العربي.

4. ابن حنبل، أحمد. (1999). أصول السنة. تحقيق: محمد سعيد القحطاني. الرياض: دار الصميعي.

5. ابن باز، عبد العزيز. (1992). مجموع فتاوى ومقالات متنوعة. جمع وترتيب: محمد الشويعر. الرياض: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.

6. الغامدي، سعد بن سعيد. (2010). الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. الرياض: دار الصميعي.

7. كردي، فوز. (2008). الطب البديل بين الحقيقة والوهم. جدة: دار القلم.

8. الفوزان، صالح. فتاوى متفرقة حول الطاقة وقانون الجذب. تسجيلات صوتية ومكتوبة منشورة على الموقع الرسمي للشيخ.

9. الطيار، عبد الله بن محمد. (2015). مفاهيم ينبغي أن تصحح. الرياض: مدار الوطن للنشر.

10. الشريف، محمد بن عبد الله. (2012). القرآنيون وشبهاتهم حول السنة. الرياض: دار كنوز إشبيليا.

تعليقات

الكلمات الدلالية