img
img

سلسلة: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾   القلب السليم: سفينة النجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون

img
الشبكة

سلسلة: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾   القلب السليم: سفينة النجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون

أ. سميحة بنعمر

الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية ومستشارة منصة المرأة المسلمة وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض



﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ * إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 83-84]. 

جاءَ مُخلصاً مُستسلماً، جاءَ وقد خَلُصَ من غِلِّ الشرك وشَكِّ الشبهات ووهَنِ الشهوات.. 

جاءَ وقد صَفَا قلبُه فصَفَتْ سريرتُه،  ما أَعْظَمَ هذا القلب!

سَلِمَ فصَلُحَتْ جوارحُ العبد كلّها، فانقادت لربِّها انقياداً طوعياً، واتجهت نحو بارئها اتِّجاه المُشتاق.

يقول العلامة السعدي: "{إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} من الشرك والشبه والشهوات المانعة من تصور الحق، والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليماً، سَلِمَ من كل شر، وحَصَل له كل خير" هذا القلب كيف يَقْدمُ على مولاه؟

يتجلَّى المثالُ الأروعُ في أب الأنبياء،

 جاءَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فكان أوَّلُ مَظْهَرٍ لسَلامته نُصْحه للخلق،

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾[الصافات: 85].

كان قلبه سليماً من صَمتِ المُقِرِّ على الباطل، سليماً من خَوَرِ الساكتِ عن الحق،

فانطلق لسانُه يعظ أباه وقومه شفقة عليه وعليهم:

 ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 86-87].

يسأل قلبه السليمُ قلوبَهم المريضة﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 

يقول ابن القيم في تفسير الآية:

"أظننتم : أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟

أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده، حتى يحتاج إلى شـركـاء تـعـرفـه بهـا كالملوك؟ 

أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ 

أم هـو قاس فيحتاج إلى شُفعاء يستعطفونه على عباده؟

أم ذليل، فيحتاج إلى ولي يتكثر بـه من القلة، ويتعزز به من الذلة؟ 

أم يحتاج إلى الولد، فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟

تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا"!

القلب السليم عند الابتلاء

بلاءٌ يُلَيِّنُ الصخر، وامتحانٌ تذوبُ منه الجبال:

أُلقِيَ في النار فما تزعزع إيمانُه، وما اضطرب يقينُه،

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: "كانَ آخِرَ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ".

فكانت معجزته: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].

الابتلاء تلو الابتلاء، والتالي أدهى وأمر 

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]

فما كان من القلب السليم إلا أن ينقاد ويستسلم تعظيما لأمر الله عز وجل

فكانت البشرى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107].

ومع شدة الابتلاء جاء ربه بقلب سليم

يقول الطاهر بن عاشور: "..فإن الله أمره بتزكِية نفسه فامتثل فأشبه حال من دعاه فجاءه. وهذا نظير قوله تعالى : { أجيبوا داعي الله} [ الأحقاف : 31 ]"

قلب مستسلم لمولاه لا يسأل لماذا أبتلى؟

 ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106].

يقول ابن عثيمين "بيانُ حكمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ فيما يُقَدِّرُه على عبدِه المؤمنِ مِن مكروهٍ؛ 

فلا يَقُلِ الإنسانُ: لماذا ابتلاني اللهُ تعالى بهذا دونَ غيري؟!

بل يقولُ: للهِ في ذلك حِكَمٌ عظيمةٌ، واللهُ عزَّ وجلَّ يَبتلي المؤمنَ بالمصائبِ؛

فإذا صَبَر نال بذلك درجةَ الصَّابرينَ،

 وإذا احتَسَب الأجرَ بهذا الصَّبرِ نال بذلك ثوابَ الصَّابرينَ،

والصَّبرُ مرتبةٌ عاليةُ يُوَفَّى فيها العاملُ أجْرَه بلا حسابٍ، 

ولا يُمكِنُ صَبْرٌ بلا مَصبورٍ عليه!

بل لا بُدَّ مِن ابتلاءٍ وامتحانٍ يُعْلَمُ به قَدْرُ صَبْرِ الإنسانِ حتَّى يُثابَ على قَدْرِ ما حَصَل منه مِن الصَّبرِ"

فهذا هو القلب السليم الذي ينجو

قلبٌ تَزَكَّى من ظنون السوء بربه

وتَطَهَّرَ من شوائب الشرك وعلائق الأوثان

صَفَا فَثَبَتَ عند البلاء، واستسلم ففاز بالرضا

أين قلوبنا من ذلك القلب الذي لا يشرك مع الله أحداً؟ 

أين قلوبنا من ذلك التسليم الذي لا يعترض على قضاء الله وقدره؟

أين قلوبنا من تلك القوة التي تواجه الباطل وتنصح الأهل والأقربين؟

لنعمل على تزكية قلوبنا

لنطهرها من الغلِّ والحسد،

لننقيها من الشكِّ والريب، لنخلصها لله وحده

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"

اللهم إنا نسألك قلباً سليماً

قلباً مستسلماً لأمرك، راضياً بقضائك، معظِّماً لشرعك

قلباً يسير على منهج خليلك إبراهيم

 آمنا يوم الفزع الأكبر  ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].


تعليقات