نقد استهلاك "ماذا سنقول عندما نلقى الله"
دراسة شرعية ونفسية في خطورة تحول المحاسبة إلى استسلام
مقدمة: بين الورع الحقيقي والاستسلام المُقنَّع
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،
في زمن الكوارث والمحن، حين تُسفك دماء إخواننا في غزة وتُهدم البيوت على ساكنيها، وحين يصرخ الأطفال تحت الأنقاض، ويقتلون قصفا وجوعا وبردا ، نسمع عبارة تتردد على كل لسان: "ماذا سنقول عندما نلقى الله؟"
ظاهر هذه العبارة ورع وخشية، لكن واقعها - في كثير من الأحيان - أصبح تخديرًا جماعيًا للضمائر، وتبريرًا ناعمًا للعجز، وستارًا يُخفي وراءه الاستسلام المُقنَّع بلباس الدين. لقد تحولت من سؤال محاسبة ذاتية يدفع للعمل، إلى تنهيدة يائسة تُلقى في الهواء ثم يمضي كل منا في حاله، كأن السؤال نفسه هو الفعل، وكأن التحسر هو الجهاد!
أولاً: استهلاك العبارة - من المحاسبة إلى المسكنات
١. العبارة في أصلها: محرك للفعل لا للتحسر
حين سأل النبي ﷺ أصحابه: "أتدرون من المُفلس؟"، لم يكن يدعوهم إلى البكاء والاستسلام، بل إلى الحذر والعمل. كان السؤال عن اللقاء مع الله في قلوب الصحابة باعثًا على الجهاد والإنفاق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا على الجلوس والتفرج على المظالم.
[الحديث رواه مسلم (2581) عن أبي هريرة رضي الله عنه]
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا"، لكنه لم يجلس يومًا واحدًا يتحسر دون فعل! بل كان يطوف في المدينة بالليل، ويُفتش عن حاجات الناس، ويُقيم العدل بيده. المحاسبة عنده كانت وقودًا للحركة، لا مخدرًا للسكون.
[أثر صحيح رواه الترمذي في سننه (2459) وحسنه الألباني]
٢. التحول الخطير: من الدافع إلى المُثبِّط
اليوم، أصبحت العبارة طقسًا كلاميًا يُردد دون أن يُحرك ساكنًا. نقولها على وسائل التواصل، ننشرها مع صور الدمار، نكتبها في التعليقات، ثم نغلق الهاتف ونعود إلى حياتنا كأن شيئًا لم يكن.
هذا الاستهلاك حوّل العبارة من سؤال مُقلق يوقظ الضمير، إلى مُهدئ نفسي يُريح الضمير!
صارت بمثابة: "لقد قلت العبارة، إذن أنا بريء، لقد أديت ما عليّ!" - وهذا من أخطر أنواع الخداع الذاتي.
ثانيًا: تحليل التحول - من المسؤولية إلى التبرير
١. سيكولوجية الاستسلام المُتدين
في علم النفس الاجتماعي، هناك ما يُسمى "التفريغ العاطفي الكاذب" (False Catharsis)، حين يشعر الإنسان بالراحة لمجرد التعبير عن القلق، دون أن يتخذ أي إجراء حقيقي. هذا بالضبط ما يحدث مع استهلاك عبارتنا.
حين نقول "ماذا سنقول لله؟" ونحن نشاهد المآسي، نشعر وكأننا فعلنا شيئًا، وكأن السؤال نفسه عمل! هذا وهم نفسي خطير يُخدّر إرادة الفعل الحقيقي.
٢. الورع البارد - حين يصبح الدين عذرًا للعجز
الورع الحقيقي هو الذي يدفعك للفعل خوفًا من الله، أما الورع البارد فهو الذي يُشلّك عن الحركة بحجة الخوف من الله!
يقول أحدهم: "ماذا سأقول لله؟ إذن لن أفعل شيئًا لأنني عاجز!" - هذا ليس ورعًا، هذا يأس مُتنكر في ثوب التقوى. الله تعالى يقول:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
[سورة التغابن: 16]
لم يقل سبحانه: "ولمّا لم تستطيعوا الكمال فلا تفعلوا شيئًا!"، بل أمرنا بفعل ما نستطيع.
٣. الاستضعاف الذاتي - قتل الأمل قبل قتل الأعداء
حين تستهلك العبارة في سياق الاستسلام، فأنت تمارس استضعافًا نفسيًا جماعيًا. تقول للأمة بطريقة غير مباشرة: "نحن عاجزون، والأمر قد انتهى، ولن نستطيع فعل شيء، وليس أمامنا إلا انتظار يوم القيامة ليُحاسبنا الله على تقصيرنا!"
هذه الرسالة أخطر من أي سلاح يُوجّه للأمة، لأنها تقتل الإرادة من الداخل. والأمة التي تموت إرادتها، قد ماتت فعلاً وإن كانت تتنفس.
ثالثًا: الخبال والفتنة - حين يصبح الكلام سُمًّا يسري في جسد الأمة
وهنا تظهر خطورة أخرى لهؤلاء الذين يستهلكون هذه العبارة في سياق سلبي: إن بعضهم يُشبهون أولئك الذين وصفهم الله تعالى بقوله:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[سورة التوبة: 47]
١. ما معنى الخبال والإيضاع؟
الخبال في اللغة هو الفساد والاضطراب الذي يُضعف البنيان من الداخل. والإيضاع هو السعي بالفساد والإسراع في نشره بين الناس. والآية الكريمة تصف فئة من المنافقين الذين لو خرجوا مع المؤمنين إلى الجهاد، ما زادوهم إلا فسادًا وضعفًا وإرجافًا وتثبيطًا.
وهذا بالضبط ما يفعله بعض مُستهلكي عبارتنا اليوم! فبدلاً من أن تكون كلماتهم محفزة للعمل والجهاد والصبر، تصبح مُثبطة للعزائم، ومُحبطة للهمم، ومُشيعة لروح الهزيمة.
٢. كيف يكون كلامهم خبالاً؟
يظهر الخبال في استهلاك العبارة من خلال عدة مظاهر:
• نشر اليأس: حين يُكرر أحدهم "ماذا سنقول لله؟" في كل مناسبة بنبرة استسلامية، فهو يُشيع رسالة خفية مفادها: "لا فائدة من أي فعل، كل شيء انتهى".
• تثبيط العاملين: من يعمل ويجتهد ويحاول التغيير، يسمع هذه العبارة فيشعر أن جهده لا قيمة له، وأنه في النهاية سيُحاسب على التقصير مهما فعل.
• تبرير الخذلان: البعض يستخدم العبارة لتبرير خذلانه وعدم نصرته لإخوانه، كأنه يقول: "أنا أعلم أنني مقصر، وسأُحاسب على ذلك، لكن لا حيلة لي!"
• إضعاف روح المقاومة: حين تُستهلك العبارة بكثرة في سياق المصائب، تتحول المصيبة من محفز للنهوض إلى مبرر للانكسار.
٣. "وفيكم سماعون لهم" - خطورة الاستجابة للخبال
الآية تُحذرنا من أمر آخر خطير: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ - أي أن في صفوف المؤمنين من يستمع لهذا الخبال ويتأثر به! وهذا يحدث اليوم بكثرة.
كثيرون يسمعون هذه العبارة المستهلكة بنبرتها اليائسة، فيتأثرون بها ويُصابون بالإحباط، ظنًّا منهم أنها من الورع والتقوى، بينما هي في الحقيقة من الخبال والتثبيط.
فليحذر المسلم أن يكون من "السماعين" لأهل الخبال، وليُميّز بين الورع الذي يدفع للعمل، والتثبيط الذي يُلبس ثوب الدين!
رابعًا: الدرس من أصحاب السبت - الإنكار لا التحسر
وهنا نأتي إلى مثال قرآني عظيم يُبيّن الفرق بين المحاسبة الحقيقية التي تدفع للإنكار، والتحسر العاجز الذي لا يُغير شيئًا.
١. قصة أصحاب السبت - ثلاث فئات
يروي الله تعالى لنا في سورة الأعراف قصة قرية من بني إسرائيل كانت على البحر، حُرّم عليهم الصيد يوم السبت، فاعتدى بعضهم وصادوا الحيتان يوم السبت. وانقسم أهل القرية إلى ثلاث فئات:
• فئة العاصين: الذين اعتدوا في السبت وصادوا.
• فئة المنكرين: الذين أنكروا المنكر ونهوا الناس عنه.
• فئة الساكتين: الذين سكتوا ولم ينكروا، بل قالوا للمنكرين:
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾
[سورة الأعراف: 164]
٢. جواب المنكرين الخالد
لاحظ هنا! الفئة الساكتة لم تقل: "ماذا سنقول عندما نلقى الله؟" ثم تستسلم وتسكت! بل سكتوا ابتداءً، وحين رأوا المنكرين ينكرون، حاولوا تثبيطهم!
أما المنكرون - الفئة الصالحة - فماذا قالوا؟ هل قالوا: "ماذا سنقول لله؟" ثم جلسوا؟
كلا! بل قالوا:
﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
[سورة الأعراف: 164]
٣. الفرق بين "معذرة إلى ربكم" و"ماذا سنقول لله"
انظر الفرق العظيم!
المنكرون قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ - أي: ننكر المنكر ليكون لنا عذر عند الله، ولسنا من الساكتين الراضين. هذا إنكار مع العمل.
ثم قالوا: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ - أي: ولعل إنكارنا يكون سببًا في رجوعهم عن المعصية. هذا أمل في التغيير وإصلاح الواقع.
لم يقولوا: "ماذا سنقول لله؟" ثم يستسلموا ويتركوا الإنكار! بل أنكروا المنكر، وعملوا، وجعلوا عملهم معذرة لهم عند الله.
٤. النتيجة - نجاة المنكرين وهلاك الساكتين
وماذا كانت النتيجة؟
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
[سورة الأعراف: 165]
نجا المنكرون - الذين أنكروا المنكر وعملوا وقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾.
وهلك العاصون الذين اعتدوا في السبت.
أما الفئة الساكتة - التي لم تنكر ولم تعمل - فقد اختلف العلماء في مصيرها، والراجح أنها هلكت مع الظالمين، أو على أقل تقدير لم تُذكر مع الناجين.
٥. العبرة لنا اليوم
القصة واضحة:
• المحاسبة الحقيقية: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ - أي أعمل وأنكر وأجاهد ليكون لي عذر عند الله.
• الهدف من العمل: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ - أي الأمل في التغيير، لا الاستسلام لليأس.
• النجاة للعاملين: الذين أنكروا وعملوا، لا للساكتين المتحسرين.
فإذا كنت تقول: "ماذا سنقول لله؟" - فلتقلها وأنت تعمل وتنكر وتجاهد، لا وأنت ساكت مستسلم!
خامسًا: دحض الفهم الخاطئ - الإسلام دين الحركة لا الاستسلام
١. النصوص الشرعية تُحرّض على العمل لا على التحسر
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[سورة التوبة: 105]
الأمر بالعمل، لا بالتحسر!
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
[سورة الرعد: 11]
التغيير مرهون بالفعل البشري، لا بالتمنيات!
"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز"
[رواه مسلم (2664) عن أبي هريرة رضي الله عنه]
النبي ﷺ يحذر من العجز صراحة!
"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير"
[رواه مسلم (2664) في نفس الحديث السابق]
القوة مطلوبة ومحبوبة إلى الله، لا الضعف والاستسلام!
٢. أمثلة من السيرة: العمل في أحلك الظروف
غزوة الأحزاب - العمل وسط اليأس
في غزوة الأحزاب، حين حُوصرت المدينة من كل جانب، وبلغت القلوب الحناجر، ووصف الله تعالى الموقف:
﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾
[سورة الأحزاب: 10]
لم يقل الصحابة: "ماذا سنقول لله؟" ثم استسلموا! بل حفروا الخندق وقاوموا، والنبي ﷺ كان يحفر معهم حتى تشقق بطنه الشريف من الجوع، وربط على بطنه الحجر.
[رواه البخاري (4101) ومسلم (1803) في قصة حفر الخندق]
صلح الحديبية - التسليم للحكمة مع الاعتراض الشرعي
في صلح الحديبية، حين بدا الصلح ظلمًا للصحابة، لم يقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ماذا سنقول لله؟" ثم انسحب! بل اعترض وسأل وناقش، ولما بانت له الحكمة، امتثل وعمل.
[رواه البخاري (2731، 2732) ومسلم (1785) في قصة صلح الحديبية]
كانت المحاسبة عندهم في سياق الحركة، لا في سياق الاستسلام.
سادسًا: خطورة العبارة المستهلكة على الأمة
١. نشر ثقافة الهزيمة النفسية
حين تتردد العبارة في سياق اليأس، فهي تُرسّخ في العقل الجمعي للأمة أن الهزيمة قدرنا، وأن ما علينا إلا الانتظار. هذا تدمير ممنهج للروح القتالية التي أمر الله بها:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
[سورة الأنفال: 60]
٢. تحويل المصائب إلى مخدر بدلاً من محفز
المصائب في الإسلام ابتلاء ومحك، يُفترض أن تُخرج أفضل ما في الأمة من قوة وصبر وإبداع. لكن حين نستهلك العبارة في سياق سلبي، نحوّل المصيبة من وقود للنهوض إلى مبرر للاستسلام.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة البقرة: 155]
الآية تبشر الصابرين - أي الذين يصبرون ويعملون، لا الذين يستسلمون ويتحسرون!
٣. خذلان الثابتين والمجاهدين
حين يسمع المرابط في غزة، أو الطبيب الذي يعمل تحت القصف، أو الأم التي تُخرج أطفالها من تحت الأنقاض - حين يسمعون هذه العبارة من بعيد في سياق التحسر والعجز، يشعرون بالخذلان المُضاعف: خذلان من العدو، وخذلان من إخوانهم الذين اكتفوا بالكلام!
هم يريدون منا الدعم والعمل والجهاد بما نستطيع، لا التحسر والاستسلام!
سابعًا: إعادة فهم العبارة - كيف نُحييها من جديد؟
١. اجعلها محاسبة على الفعل لا على العجز
السؤال الصحيح ليس: "ماذا سنقول لله ونحن لم نفعل شيئًا؟"بل: "ماذا سنقول لله إن لم نفعل الآن ما يمكننا فعله؟"
الفرق جوهري! الأولى استسلام، الثانية تحريض.
٢. اربطها بالعمل الملموس
• ماذا ستقول لله إن لم تتبرع بما تستطيع؟
• ماذا ستقول لله إن لم تنشر الحقيقة وأنت قادر؟
• ماذا ستقول لله إن لم تربِّ أولادك على العزة والكرامة؟
• ماذا ستقول لله إن لم تعمل على تقوية نفسك وأمتك؟
• ماذا ستقول لله إن لم تُنكر المنكر وأنت قادر؟
اجعل العبارة مُلزمة بفعل، لا مُبررة لعجز.
٣. ذكّر بالأمل والنصر الإلهي
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران: 139]
النصر وعد إلهي لمن عمل بالأسباب وصبر. الاستسلام ليس من الإيمان، بل هو نقيضه.
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
[سورة محمد: 7]
ثامنًا: دعوة للنهوض - من الألم إلى الفعل
١. الألم يجب أن يكون وقودًا
كل قطرة دم في غزة، كل صرخة طفل جوعا وموت اخر بردا او قصفا، كل دمعة أم، يجب أن تتحول إلى طاقة فعل:
• طاقة علمية: ندرس ونتفوق سعيا للقوة المعرفية والمادية
• طاقة اقتصادية: نعمل ونُنتج ونقاطع من يدعم ظلمنا
• طاقة إعلامية: نكشف الحقيقة ونفضح الكذب
• طاقة روحية: نُربي جيلاً لا يعرف الاستسلام
• طاقة دعوية: ننشر الإسلام الصحيح ونُحيي الأمل
٢. كل واحد في موقعه جندي
لست مطالبًا بأن تكون بطلاً خارقًا، بل مطالب بأن تفعل ما تستطيع في موقعك:
• الطبيب: يُتقن علمه ليكون سلاحًا للأمة
• المهندس: يُبدع في عمله ليُقوي أمته
• الأب والأم: يُربيان جيلاً عزيزًا غير مستسلم
• الإعلامي: يكشف الحقيقة ولا يسكت
• التاجر: يُقوي اقتصاد أمته ويمنع المال عن عدوها
• الطالب: يتفوق ويبني مستقبلاً مشرقًا لأمته يستحضر في ذلك الأمر الرباني بإعداد العدة
الكل جنود، والميدان واسع.
٣. لا مكان للاستسلام في معجم الإيمان
الاستسلام كُفر بوعد الله، وتكذيب لقوله:
﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
[سورة النساء: 141]
إذا كان لهم علينا سبيل اليوم، فلأننا تركنا أسباب القوة التي أمرنا الله بها، لا لأن الله خذلنا!
خاتمة: السؤال الحقيقي
"ماذا سنقول لله"
ليس سؤالاً للتحسر والبكاء والاستسلام.
بل هو سؤال محاسبة صارم يُلزمك بالعمل الآن، وأنت على قيد الحياة!
سنقول لله:
• يا رب، فعلنا ما استطعنا
• يا رب، لم نيأس حين يئس غيرنا
• يا رب، صبرنا وعملنا وقاومنا ولم نستسلم
• يا رب، ربّينا أجيالاً عزيزة لا تعرف الخنوع
• يا رب، جعلنا الألم وقودًا للنهوض لا سببًا للانهيار
• يا رب، أنكرنا المنكر وقلنا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
• يارب ، سقطنا فنهضنا بقوتك، وغفلنا فأيقظتنا برحمتك، وداخت بنا السبل ففررنا إليك. فجعلت نهضتنا عملاً لا تحسرًا، ويقظتنا عزما لا استسلامًا، وفرارنا إليك حركةً لا سكونًا. إنك أنت القوي العزيز.
هذا ما سنقوله لله بإذنه.
أما من اكتفى بترديد العبارة دون فعل، فماذا سيقول؟
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت: 69]
اللهم أعز الإسلام والمسلمين
وانصر المستضعفين في غزة وفي كل مكان
واجعلنا من العاملين لا من المتحسرين
آمين
اكتب مراجعة عامة