img
img

كفى بالموت واعظا

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

كفى بالموت واعظا

  •  أ. سميحة بنعمر
  • الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية، ومستشارة منصة المرأة المسلمة
  • وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض



  • {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]. 

  • حقٌّ لا مردَّ له، وحتم لا محيد عنه، 

  • ذاقه الجبار في قصره، والفقير في كوخه، 

  • والعزيز في سلطانه، والذليل في مهانته.

  • أين الذين عمرُوا القصور وشيدوا الصروح؟

  •  أين الذين جمعوا الدنانير وادخروا الملايين؟ 

  • أين الذين ملكوا الرقاب وخضعت لهم الجيوش؟

  •  ذاقوا الموت كما ذاقه الفقير المعدم،

  • {أَلهَىٰكُمُ التَّكَاثُرُ  *حَتَّىٰ زُرتُمُ المَقَابِرَ }[التكاثر: 1-2].

  • قال العُلَماءُ: "ينبغي لمن أراد عِلاجَ قَلْبِه، 

  • وانقِيادَه بسلاسِلِ القَهْرِ إلى طاعةِ رَبِّه أن يُكثِرَ مِن ذِكرِ هاذِمِ  اللَّذَّاتِ،

  •  ومُفَرِّقِ الجماعاتِ، ومُوتِمِ البَنينَ والبناتِ،

  •  ويواظِبَ على مُشاهَدةِ المحتَضَرينَ، 

  • وزيارةِ قُبورِ أمواتِ المُسلِمينَ؛ 

  • فهذه ثلاثةُ أمورٍ يَنبغي لِمَن قسا قلبُه ولَزِمَه ذَنْبُه أن يستعينَ بها على دواءِ دائِه،

  •  ويَستصرِخَ بها على فِتَنِ الشَّيطانِ وأعوانِه"

  • وهل القبر هو نهاية المطاف؟

  • {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185].

  • يقول الرازي في تفسير الآيةِ: "تأكيدُ تسليَةِ الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام،

  •  والمبالغةُ في إزالةِ الحزْن مِن قلْبِه، وذلك من وَجهينِ:

  •  أحدهما: أنَّ عاقِبةَ الكلِّ الموتُ، وهذه الغمومُ والأحزانُ تَذهبُ وتزولُ ولا يَبقى شيءٌ منها، 

  • والحزنُ متى كان كذلك لمْ يَلتفتِ العاقلُ إليه. 

  • والثاني: أنَّ بعدَ هذه الدارِ دارًا يَتميَّز فيها المحسِنُ عن المسيءِ، 

  • ويَتوفَّر على عملِ كلِّ واحدٍ ما يليقُ به من الجزاء، 

  • وكلُّ واحدٍ من هذينِ الوجهين في غايةِ القوَّةِ في إزالةِ الحُزْنِ والغَمِّ عن قلوبِ العُقلاء"

  • فالمؤمن يموت على رجاء، والكافر يموت على خسارة، والفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا.

  • ذكر الموت يذهب الحزن من قلب من ظُلم ويحثُّ على الاستعداد له

  • يقول ابن عثيمين: "حثُّ الإنسانِ على المبادرةِ للعملِ الصَّالح؛ 

  • لأنَّه إذا كان ميِّتًا ولا مَحالَةَ وهو لا يَدري متى يموت، فعليه أنْ يُبادرَ،

  •  ولا سِيَّما في قضاءِ الواجباتِ والتخلِّي عن المظالم والسيِّئات"

  • {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11]. 

  • فالملك الموكل يأتي بأمر مالك الملك، لا يتأخر لحظة، ولا يتقدم طرفة عين.

  • وإذا أردت تفصيلاً أعظم، فاقرأ قوله تعالى: 

  • {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42].

  •  فالموت قدر مقدور، والأجل كتاب مؤجل،

  •  والنوم موتة صغرى، والصحوة حياة مؤقتة، وكل ذلك بيد الكريم المتعال.

  • وإذا حان الأجل، وجاءت {سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19]، 

  • تلك الشدة التي تغشي المحتضر، رُفِعت الحجب.. 

  • عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عند الوفاة كان يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات". 

  • ثم تأتي اللحظة الحاسمة، حين {بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [الواقعة: 83]، 

  • يقول ابن عثيمين: "لأنَّ الحُلْقومَ مجرى النَّفَسِ، وبانقِطاعِه يموتُ الإنسانُ".

  •  ويذكر دلالة أخرى: "دليلٌ على أنَّ الرُّوحَ تَخرُجُ مِن أسفَلِ البَدَنِ، تَصْعَدُ حتَّى تَصِلَ إلى أعلى البَدَنِ، ثمَّ تُقبَضُ مِن هناك، فأوَّلُ ما يموتُ مِن الإنسانِ أسفَلُه".

  • ويصف القرآن المشهد المهيب: {وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 84-85].

  •  تنظرون إلى الجسد ولا ترون الروح، وتشهدون الموت ولا تدركونه،

  • {كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِىَ  * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ  * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ألْمَسَاقُ}[القيامة: 26-30].

  • قال ابنُ عاشور: "بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ: أنَّ الرُّوحَ بَلَغَت الحنجَرةَ حيثُ تَخرجُ الأنفاسُ الأخيرةُ،

  •  فلا يُسمَعُ صَوتُها إلَّا في جهةِ التَّرْقُوةِ، وهي آخِرُ حالاتِ الاحتضارِ"


  • يقول ابن الجوزي: "مَن لك إذا ألمَّ الألمُ وسكت الصوت،

  •  وتمكَّن الندم، ووقع الفوت، وأقبل لأخذ الروح ملكُ الموت،

  •  وجاءت جنودهن وقيل: من راق؟ 

  • ونزلت منزلاً ليس بمسْكون، 

  • وتعوَّضت بعد الحركات السكون، 

  • فيا أسفًا لك كيف تكون؟

  •  وأهوال القبر لا تطاق،

  •  أكثر عمرك قد مضى،

  •  وأعظم زمانك قد انقضى،

  •  أفي أفعالك ما يَصلحُ للرِّضا إذا التقينا يوم التلاق؟"

  • وفي الحديث العظيم عن البراء بن عازب الذي يصور حال المؤمن والكافر عند الموت، بيان شافٍ وكافٍ.

  • فالمؤمن تخرج روحه بسهولة كما تَسيل القطرة من فم السقاء،

  •  ويقال لها: "أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان".

  •  وتصعد إلى الملأ الأعلى، وتفتح لها أبواب السماوات، 

  • حتى يبلغ بها العلي القدير، فيأمر بكتابتها في عليين.

  • أما الكافر، فتنتزع روحه انتزاعاً عنيفاً كما يُنتزع السفود من الصوف المبلول،

  •  ويقال لها: "أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب".

  •  وتغلق دونها أبواب السماوات، وتطرح في الأرض السفلى، 

  • ويكتب كتابه في سجين في الأرض السفلى..



إنَّ التأمل في حقيقة الموت والاستعداد له ليس وقوفاً عند حدود الحزن أو الخوف،بل هو ارتقاءٌ بالنفس إلى مصافِّ العقلاء الذين وعوا حكمة الخلق والابتلاء.

فقد جعل الله تعالى الدنيا دار اختبارٍ وامتحان،


  •  {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]. 

  • مَن تأمَّلَ الآيةَ عَرَف أنَّ الدُّنيا مزرعةٌ، وأنَّ الآخِرةَ مَحصَدةٌ، فيَصيرُ مِن نَفْسِه على بصيرةٍ، وثارت إرادتُه لِمَا خُلِقَ له

  • فهي دعوة للنفس المؤمنة أن تنظر تارةً إلى جمال الرب وإحسانه فتشكر،

  •  وأخرى إلى جلاله وقدرته فتخاف،

  •  وتارةً ثالثة إلى مصيرها فتشفق على نفسها من الحرمان.

  •  وهكذا تتجدد الدوافع، وتتجه الهمم نحو الإحسان في العمل،

  •  وإصلاح النفس، وابتغاء رضا الرحمن.

  • وهذا الاجتهاد هو ما يحدد المصير الأخير،

  • عن أبي قتادة بن رِبْعيّ الأنصاري رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجِنازةٍ، فقال: "مُستريحٌ ومُستراحٌ منه!" قالوا: يا رسولَ الله، ما المُستريحُ والمُستراحُ منه؟ قال: "العَبدُ المُؤمِنُ يَستريحُ مِن نَصَبِ الدُّنيا وأذاها إلى رَحمةِ اللهِ، والعَبدُ الفاجِرُ يَستريحُ منه العِبادُ والبِلادُ، والشَّجَرُ والدَّوابُّ!".

  • فالمؤمن الصالح ينقلب رحيله من الدنيا إلى راحةٍ حقيقية،

  •  راحة من تعب الحياة إلى جنات النعيم. 

  • والفاجر المسيء يكون رحيله راحة للخلق جميعاً من شره وأذاه،

  •  ولكن مصيره إلى العذاب الأليم.

  •  وهنا يكمن الفرق الجوهري بين من فهم معنى الابتلاء فعمل له، 

  • ومن غفل عنه فضيع عمره في الغفلة.

  • فالاستعداد للموت ليس ترهيباً مجرداً،

  •  بل هو تذكير بالحكمة من  خلقنا،

  •  وتحفيز على شحذ الهمة،

  •  وتجديد للعزم نحو العمل الصالح. 

  • وهو أيضاً تسلية للأحياء بأن ما فات من الدنيا زائل،

  •  وما يُعمل للآخرة باقٍ، وأن الفراق المؤقت سيعقبه لقاءٌ أبدي في دار القرار.

  • فسبحان الذي جعل الدنيا مزرعة الآخرة،

  •  وخلق الموت والحياة حكمة وابتلاء، 

  • وقسم الخلائق بعدهما إلى مستريح في رحمته، 

  • ومستراح منه بعدله، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.

تعليقات

الكلمات الدلالية