مَن تأمَّلَ الآيةَ عَرَف أنَّ الدُّنيا مزرعةٌ، وأنَّ الآخِرةَ مَحصَدةٌ، فيَصيرُ مِن نَفْسِه على بصيرةٍ، وثارت إرادتُه لِمَا خُلِقَ له
فهي دعوة للنفس المؤمنة أن تنظر تارةً إلى جمال الرب وإحسانه فتشكر،
وأخرى إلى جلاله وقدرته فتخاف،
وتارةً ثالثة إلى مصيرها فتشفق على نفسها من الحرمان.
وهكذا تتجدد الدوافع، وتتجه الهمم نحو الإحسان في العمل،
وإصلاح النفس، وابتغاء رضا الرحمن.
وهذا الاجتهاد هو ما يحدد المصير الأخير،
عن أبي قتادة بن رِبْعيّ الأنصاري رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجِنازةٍ، فقال: "مُستريحٌ ومُستراحٌ منه!" قالوا: يا رسولَ الله، ما المُستريحُ والمُستراحُ منه؟ قال: "العَبدُ المُؤمِنُ يَستريحُ مِن نَصَبِ الدُّنيا وأذاها إلى رَحمةِ اللهِ، والعَبدُ الفاجِرُ يَستريحُ منه العِبادُ والبِلادُ، والشَّجَرُ والدَّوابُّ!".
فالمؤمن الصالح ينقلب رحيله من الدنيا إلى راحةٍ حقيقية،
راحة من تعب الحياة إلى جنات النعيم.
والفاجر المسيء يكون رحيله راحة للخلق جميعاً من شره وأذاه،
ولكن مصيره إلى العذاب الأليم.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين من فهم معنى الابتلاء فعمل له،
ومن غفل عنه فضيع عمره في الغفلة.
فالاستعداد للموت ليس ترهيباً مجرداً،
بل هو تذكير بالحكمة من خلقنا،
وتحفيز على شحذ الهمة،
وتجديد للعزم نحو العمل الصالح.
وهو أيضاً تسلية للأحياء بأن ما فات من الدنيا زائل،
وما يُعمل للآخرة باقٍ، وأن الفراق المؤقت سيعقبه لقاءٌ أبدي في دار القرار.
فسبحان الذي جعل الدنيا مزرعة الآخرة،
وخلق الموت والحياة حكمة وابتلاء،
وقسم الخلائق بعدهما إلى مستريح في رحمته،
ومستراح منه بعدله، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.
اكتب مراجعة عامة