د. ياسر قطب
الدبلوم الإستراتيجي في حقوق الإنسان والدبلوماسية
مقدمة
غالبًا ما يُتناول مفهوم حقوق الإنسان من زاوية قانونية محضة، تُركّز
على النصوص والمواثيق والآليات الإجرائية، وكأن الحق يولد لحظة تدوينه، أو يكتسب
شرعيته من توقيع سلطة سياسية عليه. غير أن هذا التصور، رغم انتشاره، يطرح إشكالًا
معرفيًا وأخلاقيًا عميقًا: هل القانون يخلق الحق أم يحميه؟
إن اختزال حقوق الإنسان في الإطار القانوني وحده أسهم في إفراغها من بعدها الإنساني، وجعلها عرضة للتسييس، أو الاستخدام الانتقائي، أو التجميد عند أول أزمة. من هنا، تأتي الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم حقوق الإنسان انطلاقًا من الفطرة الإنسانية، مرورًا بـ الكرامة بوصفها القيمة المركزية، وصولًا إلى القانون باعتباره أداة تنظيم وحماية، لا مصدرًا للحق ذاته.
أولًا: الفطرة الإنسانية كأساس سابق على القانون
الفطرة تمثّل البوصلة الأخلاقية الداخلية التي يولد بها الإنسان؛ ذلك
الاستعداد الفطري الذي يجعله ينفر من الظلم، ويميل إلى العدل، ويتألم لانتهاك
الكرامة، حتى قبل أن يتعلم لغة القوانين أو يطّلع على مواثيق الحقوق.
تاريخ المجتمعات الإنسانية يبيّن أن البشر مارسوا أشكالًا من حماية
الحقوق الأساسية—كالحياة، والعدل، والاحترام—قبل نشوء الدولة الحديثة والقانون
المكتوب. وهذا يدل على أن الحق لا ينشأ من النص، بل يُكتشف في الوعي الفطري ثم
يُنظَّم قانونيًا.
ولا يُقصد بالفطرة هنا مفهومًا دينيًا ضيقًا، بل أرضية إنسانية مشتركة تمثّل نقطة التقاء بين الثقافات والحضارات، وتُفسّر لماذا تظل مفاهيم مثل الظلم والكرامة مفهومة عالميًا رغم اختلاف السياقات.
ثانيًا: الكرامة الإنسانية بوصفها القيمة المركزية
إذا كانت الفطرة هي الأصل، فإن الكرامة الإنسانية هي القيمة
الجوهرية التي تنبثق عنها الحقوق. الكرامة ليست امتيازًا اجتماعيًا، ولا منحة
سياسية، ولا مكافأة قانونية، بل قيمة ملازمة للإنسان لكونه إنسانًا.
ثالثًا: من الكرامة إلى الحق – التحول من القيمة إلى التنظيم
الحق، في جوهره، هو استحقاق ثابت للإنسان، لا باعتباره مواطنًا فقط، بل باعتباره كائنًا مكرمًا. وقد ميّز الفكر القانوني والفقهي بين:
- الحقوق الطبيعية: الملازمة للإنسان منذ وجوده، مثل الحق في الحياة والكرامة والحرية والعدل.
- الحقوق المكتسبة: التي تنشأ من خلال التنظيم القانوني والاجتماعي، مثل التعليم، والجنسية، والمشاركة السياسية.
الفرق الجوهري أن الحقوق الطبيعية لا تُمنح بل يُعترف بها، بينما الحقوق المكتسبة تُنظَّم وفق السياق المؤسسي. كما أن كل حق يقابله واجب، إذ لا يمكن تصور حقٍ منفصل عن مسؤولية أخلاقية أو اجتماعية، وإلا تحوّل إلى أداة فوضى أو صراع.
رابعًا: القانون بوصفه حارسًا لا منشئًا
وظيفة القانون ليست خلق الحقوق، بل تنظيم آليات حمايتها ومنع
الاعتداء عليها. وحين ينفصل القانون عن الكرامة، يفقد عدالته حتى
لو التزم بالشكل الإجرائي.
التجربة التاريخية تؤكد أن كثيرًا من القوانين الظالمة كانت “قانونية”
من حيث الصياغة، لكنها افتقدت الشرعية الأخلاقية. وهذا ما يفسّر تحوّل بعض
المواثيق الحقوقية، في الواقع الدولي، إلى أدوات ضغط سياسي بدل كونها ضمانات
إنسانية.
من هنا، فإن كثرة القوانين لا تعني بالضرورة حماية أفضل للحقوق، ما لم تُضبط ببوصلة الفطرة والكرامة.
خامسًا: الحاجة إلى منظور تكاملي
هذا القصور يستدعي منظورًا تكامليًا يعيد بناء التفكير الحقوقي من الداخل، لا عبر إضافة نصوص جديدة، بل عبر فهم شروط تحقق الحقوق واستدامتها.
سادسًا: شرح النموذج التكاملي للأبعاد السبعة (YK7-HR)
في ضوء ما سبق، يقدّم هذا المقال نموذج الأبعاد السبعة للوعي
الحقوقي المتزن (YK7-HR) بوصفه إطارًا تحليليًا وتفسيريًا، لا بديلًا عن
القانون، بل مرجعية لفهم الإنسان وحقوقه فهمًا شاملًا.
ينطلق النموذج من فرضية أن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، وأن أي اختزال لهذا التعدد يؤدي حتمًا إلى فشل حماية الحقوق، حتى لو ظل النص القانوني قائمًا. ويحدّد النموذج سبعة أبعاد مترابطة تمثّل متطلبات الكرامة الإنسانية:
1- البعد المعرفي: وعي الإنسان بحقوقه ومسؤولياته، إذ إن الجهل يعطّل ممارسة الحق ولو لم يُلغِه.
2- البعد النفسي: الأمان النفسي شرط أساسي لعدم القبول القسري بالظلم أو التنازل عن الحقوق.
3- البعد القيمي: القيم الأخلاقية التي تمنح الحقوق معناها، وتحول الالتزام بها إلى قناعة داخلية.
4- البعد الاجتماعي: تأثير الثقافة والبنية الاجتماعية في دعم الحقوق أو تقويضها.
5- البعد السلوكي: ترجمة الحقوق إلى ممارسات يومية لا إلى شعارات.
6- البعد البيئي والسياقي: أثر الظروف الاقتصادية والسياسية والأزمات في إمكانية التمتع بالحقوق.
7- البعد المؤسسي: القوانين والقضاء والهيئات الرقابية بوصفها الحارس المنظّم للحقوق، لا مصدرها.
ولا يُقدَّم هذا النموذج كتسلسل هرمي جامد، بل كنظام تكاملي؛ إذ إن اختلال أي بعد من هذه الأبعاد يُنتج خللًا حقوقيًا، حتى لو بدت الأبعاد الأخرى مستقرة.
سابعًا: موقع النموذج من القانون
يؤكد نموذج YK7-HR أن القانون يظل أداة مركزية لا غنى
عنها، لكنه ليس نقطة البداية ولا نهاية المطاف. فالقانون العادل
هو الذي ينبع من فهم الإنسان في كليّته، ويحمي كرامته عبر منظومة متكاملة من الوعي
والقيم والمؤسسات.
بهذا المعنى، لا يعيد النموذج تعريف الحقوق، بل يعيد تعريف شروط فاعليتها.
خاتمة
وحين ننطلق من الفطرة، ونرسّخ الكرامة، ونجعل القانون خادمًا لهما لا
متسلّطًا عليهما، نستعيد المعنى الحقيقي للحقوق بوصفها شرطًا للحياة الإنسانية
الكريمة، لا أداة تفاوض أو صراع.
بهذا الفهم، تصبح حقوق الإنسان جسرًا بين القيم والواقع، وبين الهوية
والكونية، وبين الإنسان والقانون، لا مجرد نصوص تُستدعى عند الحاجة.
اكتب مراجعة عامة