img
img

وصية إلى الثابتين على الحق في زمن الفتن

img
الشبكة

وصية إلى الثابتين على الحق في زمن الفتن


كتبه : أ.د عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية

ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 



مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

يا أيها الذين اصطفوا طريق الحق في زمن عزّ فيه الناصر، وقلّ فيه المعين، وكثر فيه الخاذل والمثبط! يا من حملتم على أكتافكم همَّ الأمة المستضعفة، وألم المظلومين! يا من لم ترضوا بالدون، ولم تقبلوا الذل، ولم تسالموا الظلم!

هذه كلمات من قلب يعتصره الألم لحال الأمة، ويمتلئ أملًا بكم أنتم - الثابتين - الذين لم تغيركم الأهواء، ولم تزلكم الفتن عن مواقعكم.


أولاً: اعلموا مقامكم عند الله

قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]. في هذه الآية الكريمة تكمن حقيقة عظيمة: أن الله يرى عملكم، وأن الحساب الحقيقي عنده سبحانه، لا عند الناس.

أنتم - يا عباد الله - من تلك الطائفة المنصورة التي بشر بها النبي ﷺ حين قال:

«لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» [متفق عليه].

تأملوا - بارك الله فيكم - هذه البشارة النبوية! إنها تحمل في طياتها حقائق ينبغي أن تكون نصب أعينكم:

· الحقيقة الأولى: أنكم ستخذلون، وستخالفون، بل وستقاتلون. هذا قدركم، وهذا طريقكم. فلا تستغربوا إذا جاء الخذلان من أقرب الناس إليكم، ولا تعجبوا إذا وقف في وجهكم من كنتم تظنونهم معكم.

· الحقيقة الثانية: أن هذا الخذلان والمخالفة لن يضروكم شيئًا ما دمتم ثابتين على الحق، قائمين بأمر الله. فالنصر من عند الله، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

· الحقيقة الثالثة: أن هذه الطائفة باقية إلى قيام الساعة، فأنتم لستم وحدكم في هذا الطريق، وإن قلَّ العدد وضعفت العدة.


ثانياً: احذروا الانجرار إلى المعارك الجانبية

إن أخطر ما يواجه العاملين لله هو الانشغال بمعارك جانبية تنسيهم المعركة الأساسية. فالشيطان - أعاذنا الله من كيده - يجتهد في إضلال الناس، ويستخدم من عميت بصائرهم من الإنس ليجروكم إلى الساحات التي يختارونها هم، لا الساحات التي اختارها الله لكم.

سيثيرون حولكم الشبهات، وسيشككون في نياتكم، وسيحاولون جركم إلى الدفاع عن أنفسكم وشخصياتكم، حتى يحولوا القضية من قضية حق يراد إقامته، إلى قضية شخصية بينكم وبين خصومكم.

هنا يكمن الخطر العظيم! فإذا انجررتم إلى هذه المعارك:

· ستنزل همتكم من الثريا إلى الثرى.

· ستنشغلون بالدفاع عن الذات بدلاً من الانتصار للحق.

· ستستنزفون طاقاتكم فيما لا يفيد القضية.

· ستصبح القضية "أنتم" بدلاً من "الحق الذي تحملونه".

الفرق بين شبهات الدين وشبهات الأشخاص

واعلموا - وفقكم الله - أن هناك فرقًا عظيمًا بين نوعين من الشبهات:

النوع الأول: شبهات تثار حول الدين وأصوله وعقائده، كالطعن في القرآن، أو التشكيك في السنة، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة، أو الدعوة إلى تحريف الشريعة. فهذه شبهات خطيرة يجب الرد عليها وتفنيدها وبيان بطلانها. فهي حرب على الإسلام نفسه، والسكوت عنها خيانة للدين وللأمة. قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40]، ومن نصرة الله الدفاع عن دينه وشرعه.

فكونوا - رحمكم الله - حراسًا على ثغر العقيدة، مدافعين عن حياض الشريعة، رادين على المشككين بالحجة الدامغة والبرهان الساطع. واعلموا أن الدفاع عن الدين لا يكون بالانفعال والغضب، بل بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة. {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].

النوع الثاني: شبهات تثار حول الأشخاص والجماعات والحركات، كالطعن في النيات، والتشكيك في المقاصد، والإثارة حول التفاصيل الفرعية، والجدل في الأساليب والوسائل. فهذه - والله - من مكائد الشيطان ومن سار على نهجه، يريدون بها تفريق الصف وإشغال المخلصين عن قضاياهم الكبرى.

فاعلموا - وفقكم الله - أن الرد الحقيقي على هؤلاء هو الثبات على الحق، والاستمرار في العمل، وعدم الالتفات إلى من يريد أن يصرفكم عن طريقكم. فالقافلة تسير، والمعوقون يهرفون ، ولكن القافلة لا تقف.

دعوا الناس يقولون ما شاءوا عنكم، وامضوا في طريقكم. فالله يعلم ما في قلوبكم، وهو حسبكم ونعم الوكيل. وتذكروا قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور: 11].


من أساليب الشيطان: الشخصنة والتشتيت

إن الشيطان - أعاذنا الله من كيده - حين يعجز عن صرف المؤمنين عن الحق مباشرة، يلجأ إلى أساليب أخرى منها:

1. تـشخيص القضايا الكبرى: فيجعل الناس يتحدثون عن فلان وعلان بدلاً من الحديث عن القضية نفسها. وهكذا تضيع القضية بين سجالات الأشخاص وجدلهم.

2. الاستدراج إلى معارك جانبية: فيشغل المخلصين بالدفاع عن أنفسهم حتى ينسوا ما كانوا قائمين عليه من نصرة للحق والمستضعفين.

3. تحويل المعركة: من معركة بين الحق والباطل إلى معركة بين أشخاص وأشخاص، فيصير الهم الأكبر هو الانتصار للذات، لا الانتصار للحق.

فاحذروا - بارك الله فيكم - هذه المكائد، ولا تنخدعوا بها. واعلموا أن من وسوس له الشيطان وزين له سوء عمله إنما هو مغرور ضال، نسأل الله له الهداية والرجوع إلى الحق. فلا تعاملوهم بالغلظة والشدة، بل بالرحمة والشفقة، عسى الله أن يهديهم. ولا تشغلوا أنفسكم بهم كثيرًا، فإن لكم قضايا أعظم وأهم.


ثالثاً: الإخلاص... الإخلاص... الإخلاص

إن أعظم ما يميز الطائفة المنصورة هو الإخلاص لله تعالى في القول والعمل. فاحذروا - رعاكم الله - أن يتسلل إلى قلوبكم شيء من حب الظهور، أو طلب الثناء من الناس، أو الرغبة في الشهرة.

راجعوا نياتكم كل يوم، بل كل ساعة. اسألوا أنفسكم: لمن نعمل؟ ولماذا نعمل؟ وما الذي نطلبه من عملنا؟

إذا كان الجواب: نعمل لله، ونطلب ما عند الله، فأبشروا بالنصر والتمكين. وإذا كان الجواب غير ذلك، فراجعوا أنفسكم قبل فوات الأوان.

إن الإخلاص هو الذي يجعل الخذلان لا يضركم، لأنكم لا تطلبون نصرة الناس أصلاً. وهو الذي يجعل المخالفة لا تؤثر فيكم، لأنكم لا تبحثون عن موافقة الناس. وهو الذي يجعلكم ثابتين على الحق مهما كثر المخالفون وقل الناصرون.

من ثمار الإخلاص: السكينة والطمأنينة

إن المخلص الصادق يجد في قلبه سكينة وطمأنينة لا يعرفها إلا من ذاقها. فهو لا يخاف من لوم اللائمين، ولا يهتز لمدح المادحين. قلبه معلق بالله، وهمه رضا الله، وغايته ما عند الله ، وان اصابه شئ من الهم والغم  .

ومن ثمار الإخلاص أيضًا: أنه يحرر الإنسان من عبودية الخلق، فلا يكون أسيرًا لآرائهم وأهوائهم، ولا متذبذبًا بين مدحهم وذمهم. بل يكون حرًا كريمًا، لا يعبد إلا الله، ولا يطلب إلا ما عند الله.


رابعاً: لا تنتظروا الشكر من الخلق

من أعظم البلاء الذي يصيب العاملين في سبيل الله أن ينتظروا الشكر والتقدير من الناس. فإذا لم يجدوه، فتروا وضعفوا، وربما تركوا العمل.

اعلموا - وفقكم الله - أن الناس قد يجهلون قدركم، وقد ينسون جهودكم، وقد يُنكرون فضلكم. بل ربما طعنوا فيكم وأساءوا إليكم. فلا تحزنوا ولا تضعفوا، فالله تعالى يرى ويعلم، وعنده الجزاء الأوفى.

{وَسْتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]. هذا وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.

وتذكروا قصة الثلاثة الذين آواهم الغار، كيف عمل كل منهم عملاً خالصًا لله، لم يطلع عليه أحد من الخلق، فكان ذلك سببًا لنجاتهم. فاعملوا لله، واطلبوا الأجر من الله، ولا تلتفتوا إلى ما عند الناس.

خامساً: الثبات... الثبات

الثبات على الحق هو سمة الطائفة المنصورة. والثبات لا يعني الجمود، بل يعني الاستقامة على الطريق مهما اشتدت الرياح.

سيمر بكم أوقات صعبة، تضعف فيها النفوس، وتهن فيها الهمم. في هذه الأوقات، تذكروا قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].

تذكروا أن الله معكم، وأن الفجر لا بد آت مهما طال الليل.


سادساً: احذروا الغرور واحذروا اليأس

هما آفتان خطيرتان: الغرور عند النصر، واليأس لطول الطريق أو عند الهزيمة.

· فإذا نصركم الله، فاعلموا أن النصر من عنده سبحانه، وأنكم ما أنتم إلا أدوات في يد القدر. فلا تغتروا بأنفسكم، ولا تظنوا أن النصر كان بقوتكم وحيلتكم.

· وإذا طالت الطريق أو أصابتكم هزيمة أو نكسة، فلا تيأسوا ولا تقنطوا. فالحقيقة الطريق طويل، والمعركة لم تنته بعد. {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].


سابعاً: الدعاء سلاحكم الأعظم

لا تهملوا سلاح الدعاء. فإنه أقوى من كل الأسلحة المادية. الزموا الدعاء في السراء والضراء، في الشدة والرخاء. ادعوا ربكم تضرعًا وخفية، فإنه يحب المتضرعين.

ادعوا للمستضعفين في الأرض، وللمظلومين والمشردين وللمعتقلين. ادعوا على الظالمين والمحتلين. ولا تنسوا أنفسكم من الدعاء بالثبات والإخلاص والتوفيق.

وتذكروا أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فادعوا وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن كل دعاء ترفعونه لله هو سهم يصيب الهدف، ولو لم تروا أثره في الحال.


ثامناً: تذكروا أنكم على ثغر عظيم

أنتم - يا عباد الله - على ثغر من ثغور الإسلام، تحمون الدين وتنصرون المظلومين . فلا تضيعوا هذا الثغر، ولا تتركوا مواقعكم.

إن الأمة تنظر إليكم بعين الأمل، والمستضعفون يتطلعون إلى نصرتكم، والأجيال القادمة ستذكر مواقفكم. فكونوا عند حسن ظن ربكم بكم، وعند تطلعات أمتكم.

واعلموا أن كل لحظة تقضونها في هذا الطريق، وكل جهد تبذلونه، وكل تضحية تقدمونها، مسجلة عند الله، لا يضيع منها شيء. {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].


خاتمة

يا إخوتي في الله، يا حملة الهم الإسلامي العظيم! أنتم الأمل بعد الله. أنتم الذين لم تركعوا، ولم تستسلموا، ولم تبيعوا دينكم بعرض من الدنيا.

امضوا في طريقكم، ولا تلتفتوا للخاذلين والمثبطين. فالله معكم، ونصره قريب. {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110].

واعلموا أن الطريق إلى النصر محفوف بالمكاره والمحن، لكن العاقبة للمتقين. فاثبتوا، واصبروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون.

دافعوا عن دينكم بالحجة والبيان، وانتصروا للحق بالعلم والبرهان، وارحموا من ضل الطريق عسى الله أن يهديه، ولا تشغلوا أنفسكم بالمعارك الشخصية التي لا تقدم ولا تؤخر.

اللهم انصر عبادك الصالحين ، واحفظ المستضعفين، وأهلك الظالمين والمحتلين، واجعلنا من الثابتين على الحق حتى نلقاك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْكَ الخَطْبُ فَاثْبُتْ عَلَى الهُدَى

فَإِنَّ اللهَ لَا يَخْذُلُ امْرَأً قَدْ تَوَكَّلَا


وَلَا تَلْتَفِتْ لِلنَّاسِ إِنْ خَذَلُوكَ أَوْ

خَالَفُوكَ، فَفِي رِضَا الإِلَهِ تَأَمُّلَا


فَكُنْ لِلْحَقِّ نَاصِرًا، وَلِلْبَاطِلِ عَدُوًّا

وَسِرْ فِي دَرْبِكَ المَحْمُودِ مُتَّصِلَا


فَإِنَّ النَّصْرَ آتٍ لَا مَحَالَةَ إِنْ ثَبَتَّ

وَمَا خَابَ امْرُؤٌ بِاللهِ قَدْ تَوَسَّلَا

تعليقات

الكلمات الدلالية