نحو منظومة رقابية
موحدة في سورية: بدائل إصلاحية مستندة إلى التجارب الدولية
لم تعد قضية
الرقابة في سورية مسألة إجرائية أو تقنية تخص أجهزة بعينها، بل أصبحت قضية بنيوية
تمس جوهر الإصلاح الإداري وكفاءة الدولة وثقة المواطن بالمؤسسات العامة، فالدولة
التي لا تمتلك منظومة رقابية واضحة وفعالة لن تنجح في حماية المال العام ولا في
تحسين الأداء الحكومي، مهما تعددت أجهزتها الرقابية أو تشددت في إجراءاتها.
وعلى مدى عقود حكم
النظام البائد جرى التعامل مع الرقابة في سورية بمنطق "الإضافة لا الإصلاح"
كونه ينظر الى الرقابة بأنها عملية لا فائدة منها لكنها نوع من أنواع البريستيج
الإداري كون الأجهزة الأمنية وكتاب التقارير هم من كان يقوم مقام الرقابة على كل
شيء، فكلما ظهرت مشكلة أنشئ جهاز أو لجنة أو هيئة جديدة دون إعادة نظر شاملة في
البنية القائمة، والنتيجة كانت منظومة رقابية متشعبة تضم أجهزة متعددة لكل منها
صلاحيات متداخلة ومسارات عمل غير منسقة، ما أفرغ الرقابة من مضمونها الإصلاحي
وحولها في كثير من الأحيان إلى عبء إداري ومالي بدل أن تكون أداة تصحيح وتطوير.
ازدواجية الرقابة
إن وجود أكثر من هيئة
رقابية مركزية تمارس وظائف متشابهة على المؤسسات الحكومية ذاتها، لم يسهم في تدعيم
النزاهة كما كان مرتجى، بل أدى فعلياً إلى تكرار المهام وتضارب الأحكام وإطالة أمد
الملفات وارتباك الإدارة العامة، فقد تخضع المؤسسة الواحدة للفحص من أكثر من هيئة،
بأساليب متباينة وحول ذات المعطيات، دون أن يؤثر ذلك بشكل حتمي في الارتقاء بالأداء
أو كبح المخالفات.
والأخطر من ذلك كله
أن تداخل الأدوار بين الرقابة المالية والرقابة الإدارية والتحقيق والإحالة
القضائية خلق منطقة رمادية بين الرقابة والقضاء ولا تخدم أياً منهما، فالرقابة
فقدت طابعها الوقائي والتحليلي والقضاء أثقل بملفات طويلة ومعقدة، كان يمكن
اختصارها لو وجد تسلسل رقابي واضح.
المشكلة ليست في
الرقابة… بل في تنظيمها
الاعتقاد بأن ضعف
النتائج الرقابية سببه نقص الصلاحيات أو ضعف القوانين يعتبر من الخطأ الشائع، فالواقع
أن التشريعات السورية تتضمن نصوصاً رقابية عديدة ولكن الإشكالية الحقيقية تكمن في سوء
تنظيم الوظيفة الرقابية نفسها، فالرقابة الفعالة لا تقوم على التعدد بل على
الوضوح ولا على التشدد بل على المهنية والاستقلال.
وأثبتت التجارب
الدولية الحديثة وخاصة في ظل التطور الكبير في أنظمة المعلومات الرقابية بأن الدول
التي حققت قفزات حقيقية في مكافحة الفساد وتحسين الأداء الحكومي، لم تصل إلى ذلك
عبر تكثير الأجهزة الرقابية بل عبر توحيدها في جهاز أعلى مستقل يملك اختصاصاً
شاملاً ويعمل وفق معايير مهنية واضحة ويخضع للمساءلة البرلمانية لا للتوجيه
التنفيذي اليومي.
ماذا تقول التجارب
الدولية؟
توجد في معظم
الدول المتقدمة جهة عليا واحدة للرقابة تعرف بالأجهزة العليا للرقابة تعمل وفق
معايير دولية معتمدة أبرزها معايير المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة
(INTOSAI) وهذه الأجهزة لا تمارس التحقيق الجزائي ولا تحل محل القضاء
بل تقوم بدورها الرقابي الكامل (فحص، تحليل، تقييم أداء، ثم إحالة القضايا الجدية
إلى القضاء المختص (
وتظهر تجارب دولية
مثل المملكة المتحدة والبرازيل أن توحيد الأجهزة الرقابية لا يضعف النزاهة بل
يعززها لأنه ينهي الازدواجية ويرفع جودة التقارير ويقصر زمن القضايا ويجعل
المسؤوليات واضحة وغير قابلة للتنصل.
نحو جهاز أعلى
موحد للرقابة في سورية
انطلاقاً مما سبق
تبرز الحاجة في سورية إلى إعادة بناء المنظومة الرقابية من جذورها، عبر إنشاء جهاز
أعلى موحد للرقابة والمساءلة، يضم الرقابة المالية والرقابة الإدارية ورقابة
الأداء ضمن إطار منظمي واحد مستقل واضح الصلاحيات ويعمل وفق معايير مهنية حديثة.
ولا بد من التوضيح
بأن هذا الجهاز لا يلغي الرقابة بل يعيد ترتيبها ولا يحمي الفساد بل يحاصره
بفعالية أعلى ولا ينتقص من دور القضاء بل يحميه من التداخل والإرباك.
والسؤال الأهم كيف
نبدأ إصلاح منظومة الرقابة؟
يحتاج إصلاح
المنظومة الرقابية في سورية إلى مسار واضح ومتدرج يستند إلى التجربة السورية نفسها
ويستفيد من أفضل الممارسات الدولية، ويمكن تلخيص هذا المسار في خمس خطوات عملية
ومترابطة:
أولاً: توحيد
المرجعية الرقابية
وذلك من خلال دمج
الأجهزة الرقابية المركزية القائمة في جهاز أعلى واحد للرقابة والمساءلة يتمتع
بالاستقلال القانوني والمالي ويخضع للمساءلة أمام السلطة التشريعية بما ينهي الازدواجية
وتضارب الاختصاصات.
ثانياً: إعادة
تعريف الرقابة الإدارية
بحيث تمارس بوصفها
رقابة وقائية وإصلاحية تركز على مشروعية القرار والانضباط الوظيفي وكفاءة الأداء،
دون خلطها بالتحقيق الجزائي أو الحلول محل القضاء.
ثالثاً: ضبط
العلاقة مع القضاء
وذلك من خلال إنهاء
دوران الملفات بين الأجهزة الرقابية واعتماد قاعدة واضحة مفادها أن دور الجهاز
الرقابي ينتهي عند الإحالة القضائية، بما يحمي استقلال القضاء ويختصر الزمن
الإجرائي.
رابعاً: إعادة
بناء الرقابة الداخلية
وذلك من خلال
تعزيز استقلال وحدات الرقابة الداخلية في الجهات العامة، وربطها فنياً بالجهاز
الأعلى وتوحيد معايير عملها، بما يجعلها خط الدفاع الأول ضد الخلل قبل تفاقمه.
خامساً: إدارة
مرحلة انتقالية مدروسة
تتضمن نقل
الصلاحيات تدريجياً وتوحيد الملفات وإعادة توزيع الكوادر وفق الكفاءة وتدريب
العاملين على المعايير الدولية وبما يضمن انتقالاً مؤسسياً آمناً دون إرباك
الإدارة العامة.
وهذه الخطوات لا
تمثل قطيعة مع الواقع بل إصلاحاً عقلانياً له ويضع الرقابة في مكانها الصحيح كأداة
دولة للإصلاح لا عبئاً إدارياً ولا سيفاً مسلطاً.
فالرقابة التي تحتاجها
سورية اليوم ليست رقابة تخويف أو تصيد أخطاء، بل رقابة إصلاح تساعد الإدارة على
تحسين أدائها، وتكشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة، وتحمي الموظف النزيه قبل أن
تطارده الشبهات.
وإعادة بناء
المنظومة الرقابية ليست مسألة فنية فقط بل قرار سيادي إصلاحي يعكس جدية الدولة في
تحديث مؤسساتها وتعزيز الثقة بها وبناء إدارة عامة قادرة على مواجهة التحديات
الاقتصادية والاجتماعية المقبلة.
فالرقابة القوية
ليست تلك التي تخيف الجميع، بل تلك التي تبني ثقافة بأن الخطأ استثناءً والنزاهة
قاعدة.
اكتب مراجعة عامة