img
img

ضمن سلسلة في السياسة الشرعية وتطبيقاتها فقه الموازنات والسياسة الشرعية: شرح تفصيلي لمقومات التأهل العلمي والعملي دراسة تحليلية لكلام الشيخ أحمد السيد في ضوء الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

ضمن سلسلة في السياسة الشرعية وتطبيقاتها فقه الموازنات والسياسة الشرعية: شرح تفصيلي لمقومات التأهل العلمي والعملي دراسة تحليلية لكلام الشيخ أحمد السيد في ضوء الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء

أ.د عصام اشويدر


رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان



قال حفظه الله :


كلما ازداد المرء من هذه المفردات ازداد تأهله لتحقيق فقه الموازنات:


 إدراك رُتَب العلم ومسائله.


 الوعي برتب المصالح والمفاسد من جهة قدرها في الشرع وآثارها في الواقع.


 اعتياد العدل في النظر والفعل.


 التقوى والخشية.


 الجُرأة وقوة النفس.


 


 المقدمة


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:


فإن هذا البحث يأتي شرحًا وتفصيلًا لما تفضل به فضيلة الشيخ أحمد السيد حفظه الله في بيان المقومات الخمسة التي يحتاجها الفقيه المجتهد لتحقيق فقه الموازنات. وقد أجاد الشيخ - وفقه الله - في اختصار هذه المقومات وتركيزها في خمس نقاط جامعة مانعة، تجمع بين العلم والعمل، والمعرفة والسلوك، والنظر والتطبيق.


وسأقوم بإذن الله تعالى بشرح كل مقوم من هذه المقومات الخمسة شرحًا مفصلًا، مع الاستدلال من الكتاب والسنة، وأقوال الفقهاء والعلماء المحققين، وضرب الأمثلة التطبيقية من تاريخ الحكم الإسلامي، ليكون البحث جامعًا بين التأصيل النظري والتطبيق العملي.


 المبحث الأول: شرح المقوم الأول - إدراك رُتَب العلم ومسائله


 المطلب الأول: بيان مراد الشيخ أحمد السيد بهذا المقوم


أراد الشيخ - حفظه الله - بهذا المقوم أن الفقيه المتصدي للموازنات لا بد أن يكون عالمًا بمراتب المسائل الشرعية ودرجاتها، فلا يسوي بين القطعي والظني، ولا بين الأصل والفرع، ولا بين المتفق عليه والمختلف فيه، ولا بين الضروري والحاجي، فإن الجاهل بهذه المراتب يقع في خلط عظيم قد يؤدي إلى مفاسد جسيمة.


 المطلب الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة


أولًا: من القرآن الكريم:



1. قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ [محمد: 14].

 قال الطبري في تفسيره "جامع البيان": "يقول تعالى ذكره: أفمن كان على بينة من ربه، يعني على بصيرة ويقين من دينه، كمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً".


(تفسير الطبري، ج22، ص19، دار هجر للطباعة والنشر)


2. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

   قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": "هذا استفهام معناه النفي، أي لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كما لا يستوي الأعمى والبصير". (الجامع لأحكام القرآن، ج15، ص233، دار الكتب المصرية)


3. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

   قال ابن كثير في تفسيره: "أي: ردوا الأمور التي لا تعلمونها إلى عُلَمائها، الذين يعلمونها". (تفسير القرآن العظيم، ج4، ص591، دار طيبة للنشر والتوزيع)


ثانيًا: من السنة النبوية:


. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا". رواه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم، رقم (100)، ومسلم في كتاب العلم، رقم (2673).

 قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفي الحديث بيان عظم مصيبة الأمة بموت العلماء، وأن الفتنة تكون بموتهم لا بذهاب العلم جملة". (فتح الباري، ج1، ص194، دار المعرفة، بيروت)

2. عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا عَنْهُ". رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب من كره أن يراجع القرآن، رقم (5060)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، رقم (2667).


   قال النووي في "شرح صحيح مسلم": "معناه إذا

اختلفتم في تأويله وفهمه، فقوموا عنه ولا تتمادوا في الاختلاف، لئلا يؤدي إلى الفتنة". (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ج16، ص220، دار إحياء التراث العربي)


3. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه أبو داود في كتاب العلم، باب كراهية منع العلم، رقم (3658)، والترمذي في كتاب العلم، رقم (2649)، وابن ماجه في المقدمة، رقم (261)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم (6284).


 المطلب الثالث: أقوال الفقهاء والعلماء


 الإمام الشافعي رحمه الله


قال في كتابه "الرسالة": "العلم علمان: علم الدين، وهو الفقه، وعلم الدنيا، وهو الطب. وما سواهما من العلم فعناء، وما سوى الفقه والطب فلهو". (الرسالة، ص507، تحقيق أحمد شاكر، مكتبة الحلبي، مصر)


. الإمام أحمد رحمه الله


نقل عنه أبو داود في "مسائل الإمام أحمد": "الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه". (مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود، ص276، مكتبة ابن تيمية، القاهرة)


. الإمام الشاطبي رحمه الله:


قال في كتابه "الموافقات": "إن المسائل الشرعية على ضربين: ضرورية، ونظرية. فالضرورية ما كان من قبيل الضروريات والحاجيات والتحسينيات المعلومة بالنصوص القطعية. والنظرية ما كان راجعاً إلى الاجتهاد والنظر في الأدلة الظنية". (الموافقات، ج1، ص85، دار ابن عفان، السعودية)

الإمام ابن تيمية رحمه الله:


قال في "مجموع الفتاوى": "وكثير من المجتهدين يخطئ في هذا الباب، حيث يُسوي بين الأصول والفروع، فيُنكر على من خالفه في مسألة فرعية كإنكاره على من


خالفه في مسألة أصلية، وهذا خطأ عظيم". (مجموع الفتاوى، ج20، ص59، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف)


الإمام ابن القيم رحمه الله:


قال في كتابه "إعلام الموقعين": "الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل". (إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج3، ص11، دار الكتب العلمية، بيروت)



 المطلب الرابع: نماذج تطبيقية من تاريخ الحكم الإسلامي



المثال الأول: موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتال المرتدين ومانعي الزكاة:


لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت طوائف من العرب، ومنع آخرون الزكاة. فأراد عمر رضي الله عنه التريث، فقال أبو بكر رضي الله عنه: "وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا". رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم (1399)، ومسلم في كتاب الإيمان، رقم (20).


قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وفي قصة أبي بكر مع مانعي الزكاة دليل على أن الأحكام يُعمل فيها بالغالب، وأن من امتنع من الواجبات وجب قتاله، وأن من فرّق بين ما جمع الله بينه فهو ضال". (فتح الباري، ج3، ص262، دار المعرفة، بيروت)


وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "فأدرك أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن الزكاة من أركان الإسلام، وأن تركها كفر أو معصية عظيمة توجب القتال، ففرّق بين حكم المرتد ومانع الزكاة، فقاتل الفريقين ولكن بأحكام مختلفة". (البداية والنهاية، ج6، ص311، دار هجر للطباعة والنشر)


وجه الاستشهاد:


- أدرك أبو بكر رضي الله عنه أن الزكاة من أركان الإسلام (رتبة ضرورية)


- فرّق بين حكم المرتد ومانع الزكاة (تمييز بين رتب المسائل)


- لم يتساهل في أمر يمس أصلاً من أصول الدين


- استخدم القوة لحماية ركن من أركان الإسلام رغم ضعف المسلمين



المثال الثاني: اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأراضي المفتوحة:



لما فُتحت أراضي العراق والشام، أراد بعض الصحابة تقسيمها غنيمة، فخالفهم عمر رضي الله عنه وجعلها وقفاً على المسلمين، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10].



روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الأموال": "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما افتتح السواد أراد أن


يقسمه بين المسلمين، فأبى ذلك معاذ بن جبل وقال: إن قسمته اليوم لم يكن لمن بعدنا شيء، ولكن تُقرهم عليها يعملونها ويؤدون الخراج. فقال عمر: صدقت". (كتاب الأموال، ص57، دار الشروق، جدة)


وقال الإمام الماوردي في "الأحكام السلطانية": "ورأى عمر بن الخطاب أن المصلحة في ترك الأرض للمسلمين جميعاً، فتكون معونة لهم على الجهاد، ولمن بعدهم من المسلمين". (الأحكام السلطانية، ص237، دار الحديث، القاهرة)


وجه الاستشهاد:


- أدرك عمر رضي الله عنه رتبة المصلحة العامة على المصلحة الخاصة


- ميّز بين الحكم الجزئي (تقسيم الغنائم) والحكم الكلي (مصلحة الأمة)


- نظر إلى المآلات البعيدة وحقوق الأجيال القادمة


- استدل بنص قرآني يشمل الأجيال اللاحقة


المثال الثالث: موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه في جمع المصحف


لما اختلف الناس في القراءات، جمع عثمان رضي الله عنه المصحف على حرف واحد، وأحرق المصاحف المخالفة، مع أن القراءات كلها منزلة. قال علي رضي الله عنه: "لا تقولوا في عثمان إلا خيراً، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا". رواه ابن أبي داود في "كتاب المصاحف"، ص36، دار الفاروق الحديثة، القاهرة.


قال الإمام الزركشي في "البرهان في علوم القرآن": "فجمع عثمان رضي الله عنه الناس على قراءة واحدة، وهي قراءة زيد بن ثابت التي كانت في مصحف أبي بكر، وكان ذلك من أعظم مناقبه، لأنه قطع دابر الفتنة، وجمع كلمة الأمة". (البرهان في علوم القرآن، ج1، ص238، دار إحياء الكتب العربية)


وجه الاستشهاد:


- أدرك عثمان رضي الله عنه خطورة الاختلاف في كتاب الله (رتبة ضرورية)


- قدّم حفظ الدين على التوسعة في القراءات (موازنة بين مصلحتين)


- ميّز بين الجائز شرعاً والأصلح للأمة واقعاً


- حاز إجماع الصحابة على فعله رغم عظم الأمر


 المبحث الثاني: شرح المقوم الثاني - الوعي برتب المصالح والمفاسد


 المطلب الأول: بيان مراد الشيخ أحمد السيد بهذا المقوم


أراد الشيخ - حفظه الله - بهذا المقوم أن الفقيه يحتاج إلى معرفة مراتب المصالح والمفاسد من جهتين:


الجهة الأولى: قدرها في الشرع (الجانب النصي)


الجهة الثانية: آثارها في الواقع (الجانب التطبيقي)


فقد تكون المصلحة عظيمة شرعاً لكن آثارها في واقع معين قليلة، وقد تكون المفسدة صغيرة شرعاً لكن آثارها في واقع معين كبيرة، والفقيه البصير هو من يجمع بين النظرين.


 المطلب الثاني: الأدلة من الكتاب والسن


أولًا: من القرآن الكريم:

1. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].


قال ابن كثير في تفسيره: "فأخبر الله تعالى في هذه الآية أن في الخمر والميسر منافع ومصالح، لكن مضرتهما ومفسدتهما أكبر من نفعهما، فلذلك حرّمهما الله تعالى". (تفسير القرآن العظيم، ج1، ص602، دار طيبة للنشر والتوزيع)

2. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].

   قال الشاطبي في "الموافقات": "وهذا من باب النظر

في المآلات، فإن سب آلهة المشركين مصلحة، لكن إذا أفضى إلى سب الله تعالى فهو مفسدة راجحة، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة". (الموافقات، ج4، ص198، دار ابن عفان، السعودية)


3. قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191].


 قال الطبري في تفسيره: "يعني: والشرك بالله أشد من القتل الذي تعظمونه، فأنتم أولى بتعظيم الشرك وأحق بتجنبه". (جامع البيان، ج3، ص544، دار هجر للطباعة والنشر)


4. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].


 قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن": "هذا من حكمة الله تعالى، أنه قد يكره العبد شيئاً وفيه صلاحه، وقد يحب شيئاً وفيه هلاكه، والله أعلم بعواقب الأمور". (تيسير الكريم الرحمن، ص94، مؤسسة الرسالة)


ثانيًا: من السنة النبوية:


1. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ". رواه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، رقم (1586)، ومسلم في كتاب الحج، رقم (1333).


  قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفيه من الفقه: ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومراعاة مصالح الناس، واجتناب ما يُخشى منه الفتنة وإن كان جائزاً". (فتح الباري، ج3، ص463، دار المعرفة، بيروت)

2. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ". رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، رقم (1506)، ومسلم في كتاب الزكاة، رقم (985).

  قال النووي في "شرح صحيح مسلم": "وفيه مراعاة أحوال الناس ومصالحهم، والتوسعة عليهم في أنواع ما يُخرج". (المنهاج شرح صحيح مسلم، ج7، ص59، دار إحياء التراث العربي)

3. عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الرجل الذي جامع في رمضان، فأمره النبي ﷺ بالكفارة، فقال الرجل: ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أطعمه أهلك". رواه البخاري في كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان، رقم (1936)، ومسلم في كتاب الصيام، رقم (1111).


   قال ابن القيم في "زاد المعاد": "وفيه من الفقه: مراعاة حال المكلف، والتخفيف عنه عند العجز، وأن المصالح الشرعية تُراعى بحسب أحوال الناس وقدراتهم". (زاد المعاد في هدي خير العباد، ج2، ص417، مؤسسة الرسالة)


المطلب الثالث: أقوال الفقهاء والعلماء


1. الإمام الغزالي رحمه الله:


قال في كتابه "المستصفى": "المصالح باعتبار قوتها في ذاتها ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية. أما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قوام أمور الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين". (المستصفى في علم الأصول، ج1، ص287، دار الكتب العلمية)


2. العز بن عبد السلام رحمه الله:


قال في "قواعد الأحكام": "درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارضت مصلحة ومفسدة قُدّم دفع المفسدة غالباً، لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى يغفر ترك المأمورات بالتوبة وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة وبشفاعة النبي ﷺ وبغير ذلك، ولا يغفر فعل المنهيات إلا بالتوبة". (قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص87، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة)


3. الإمام الشاطبي رحمه الله:


قال في "الموافقات": "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك". (الموافقات، ج4، ص194-195، دار ابن عفان، السعودية)


4. الإمام ابن تيمية رحمه الله:


قال في "مجموع الفتاوى": "فتارة يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً، وتارة يكون مستحباً، وتارة يكون محرماً، وتارة يكون مكروهاً، وتارة يكون مباحاً. وهذا كله بحسب ما يترتب عليه من المصالح والمفاسد، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك


من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع". (مجموع الفتاوى، ج28، ص129-138، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف)


5. القرافي رحمه الله:


قال في "الفروق": "اعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح. فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج، ووسيلة المندوب مندوبة كالتبكير إلى الصلوات الخمس". (الفروق، ج2، ص32، عالم الكتب، بيروت)


 المطلب الرابع: نماذج تطبيقية من تاريخ الحكم الإسلامي


المثال الأول: عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإيقاف حد السرقة في عام الرمادة:


في عام القحط والجوع المشهور بـ"عام الرمادة"، أوقف


عمر رضي الله عنه إقامة حد السرقة على من سرق لدفع الجوع.


روى عبد الرزاق في "المصنف": "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقطع في عام المجاعة". (المصنف، ج10، ص186، المكتب الإسلامي، بيروت)


وذكر ابن قدامة في "المغني": "ولا يُقطع السارق في المجاعة، لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه المضطر إلى الطعام، وهذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه". (المغني، ج10، ص277، مكتبة القاهرة)

قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": "وهذا محض القياس ومقتضى قواعد الشريعة، فإن السرقة إنما كملت شروط الحد فيها لانتفاء الشبهة، وقد وُجدت الشبهة ههنا لحاجته، فلو أُقيم عليه الحد لكان قتلاً له". (إعلام الموقعين، ج3، ص3، دار الكتب العلمية)


وجه الاستشهاد:


- أدرك عمر رضي الله عنه أن الضرورة (حفظ النفس)


مقدمة على إقامة الحد


- وازن بين مفسدة تعطيل الحد ومفسدة إقامته على المضطر


- نظر إلى الواقع والظروف الاستثنائية


- راعى الشبهة التي تسقط الحد (الاضطرار)


المثال الثاني: صلح الحديبية:


لما صالح النبي ﷺ قريشاً على شروط ظاهرها الغبن للمسلمين - منها رد من يأتي مسلماً من قريش - شقّ ذلك على الصحابة. لكن بعد سنتين قال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1].


روى البخاري في صحيحه عن البراء رضي الله عنه قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية". (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، رقم 4166)

قال ابن القيم في "زاد المعاد": "وكان صلح الحديبية من أعظم الفتوح، فإنه حصل به من المصالح ما لم يحصل

بغيره، فإن الناس كانوا قبل ذلك في حرب لا يأمن بعضهم بعضاً، فلما حصل الصلح أمن الناس واختلطوا، فما رجع أحد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام إلا دخلوا فيه، ولقد دخل الإسلام في تينك السنتين ما لم يدخل قبلهما". (زاد المعاد، ج3، ص316، مؤسسة الرسالة)


وجه الاستشهاد:


- وازن النبي ﷺ بين مصلحة القتال ومصلحة الصلح


- نظر إلى المآلات البعيدة رغم صعوبة الموقف الحاضر


- قدّم المصلحة العظمى (نشر الدعوة) على المصلحة الجزئية


- تحققت المصالح العظيمة بعد ذلك (دخول الناس في دين الله أفواجاً)


المثال الثالث: خالد بن الوليد رضي الله عنه في حروب الردة:


استخدم خالد رضي الله عنه في حروب الردة شدة عظيمة، حتى أنكر عليه عمر رضي الله عنه بعض أفعاله. لكن أبا بكر رضي الله عنه قال: "لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين

روى الطبري في تاريخه: "قال عمر: اعزل خالداً فإن في سيفه لرَهَقاً. فقال أبو بكر: ما كنت لأشيم سيفاً سلّه الله على المشركين". (تاريخ الطبري، ج3، ص283، دار التراث، بيروت)

قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "ورأى أبو بكر أن المصلحة في إبقاء خالد على قيادة الجيش أعظم من مفسدة بعض اجتهاداته التي قد يُخطئ فيها، لأن الإسلام كان في خطر عظيم، والحاجة ماسة إلى قائد شجاع مثل خالد". (البداية والنهاية، ج6، ص331، دار هجر للطباعة والنشر)


وجه الاستشهاد:


- رأى أبو بكر رضي الله عنه أن مصلحة حفظ الدين أعظم


- وازن بين مفسدة بعض الاجتهادات الخاطئة ومصلحة حفظ الإسلام


- نظر إلى الأثر العام لهذه الحروب في حفظ الدولة الإسلامية


- كانت النتيجة حفظ الإسلام من الانهيار


المثال الرابع: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه واستخلاف ابنه يزيد:


لما أراد معاوية رضي الله عنه أن يأخذ البيعة لابنه يزيد، أنكر عليه كثير من الصحابة والتابعين.


ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية": "أراد معاوية أن يأخذ البيعة لابنه يزيد من بعده، وقال: إنما فعلت ذلك لئلا تختلف الأمة بعدي". (البداية والنهاية، ج8، ص79، دار هجر للطباعة والنشر)


قال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية": "وصار كثير من العلماء يعذر معاوية في اجتهاده، فإنه رأى أن المصلحة في ذلك، وأن الفتنة التي قد تقع لو لم يستخلف أعظم من مفسدة توريث الملك". (منهاج السنة النبوية، ج4، ص495، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)


وجه الاستشهاد:


-وازن معاوية رضي الله عنه بين مفسدة توريث الملك ومفسدة الفتنة


- نظر إلى واقع الأمة وما قد يحدث من اختلاف عند موته


- اختار أخف الضررين في نظره (مع أن العلماء اختلفوا في صواب اجتهاده)


- يُدرس هذا المثال لبيان أهمية النظر في المآلات والموازنة بين المفاسد


المثال الخامس: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن:


لما امتُحن الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن، ثبت على الحق ورفض القول بخلق القرآن رغم التعذيب. لكنه في نفس الوقت كان يُفتي الناس بالتقية إن خافوا على أنفسهم.


روى الخلال في "السنة": "قيل لأبي عبد الله - يعني الإمام أحمد -: الرجل يُؤخذ على ذلك - يعني القول بخلق القرآن - فيخاف على نفسه؟ قال: إذا خاف على نفسه فليُظهر، ولا يُظهر إلا الله، فإن في قلبه خلاف ذلك".(السنة للخلال، ج3، ص493، دار الراية، الرياض)

قال ابن تيمية في "منهاج السنة": "والإمام أحمد كان يُفتي العامة بالتقية، ويثبت هو لأنه إمام يُقتدى به، فلو أظهر الموافقة لضلت الأمة، وأما العامة فلا يترتب على موافقتهم ذلك، فلذلك أفتاهم بالتقية". (منهاج السنة النبوية، ج5، ص239، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)


وجه الاستشهاد:


- وازن الإمام أحمد بين مفسدة الكذب في العقيدة ومفسدة قتل النفس


- فرّق بين حاله كإمام يُقتدى به وحال عامة الناس


- راعى المصلحة العامة للأمة في ثباته


- راعى مصلحة الأفراد في الرخصة لهم


 المبحث الثالث: شرح المقوم الثالث - اعتياد العدل في النظر والفعل


 المطلب الأول: بيان مراد الشيخ أحمد السيد بهذا المقوم


أراد الشيخ - حفظه الله - بهذا المقوم أن الفقيه لا بد أن يتحلى بالعدل والإنصاف في نظره للمسائل وحكمه عليها، فلا يميل مع الهوى، ولا يتعصب لمذهب أو فئة، ولا يُضخّم مصلحة جانب ويُصغّر مصلحة آخر إلا بميزان الشرع. وهذا يحتاج إلى تدريب النفس وترويضها على الإنصاف حتى يصير ذلك عادة وطبيعة، ومن هنا جاء التعبير بـ"اعتياد" العدل.


 المطلب الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة


أولًا: من القرآن الكريم:


1. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].


   قال الطبري في تفسيره: "يقول تعالى ذكره: لا يحملنكم عداوة قوم على أن تتركوا العدل فيهم، فتجوروا


عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة، ولكن الزموا العدل في أعدائكم وأوليائكم". (جامع البيان، ج9، ص54، دار هجر للطباعة والنشر)


2. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].


   قال ابن كثير: "العدل هو الإنصاف، وهو أداء الحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه". (تفسير القرآن العظيم، ج4، ص603، دار طيبة للنشر والتوزيع)


3. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ [الأنعام: 152].


   قال السعدي في تفسيره: "أي: إذا تكلمتم وشهدتم وحكمتم، فاعدلوا بين الناس، ولو كان المحكوم عليه قريباً لكم، فالقرابة لا تمنع من العدل". (تيسير الكريم الرحمن، ص287، مؤسسة الرسالة)


4. قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].

   قال القرطبي: "ذمّ الله تعالى حكم الجاهلية وهو الحكم بالهوى والظن والتخمين، وأخبر أن حكمه أحسن الأحكام لمن تدبره وعقله". (الجامع لأحكام القرآن، ج6، ص181، دار الكتب المصرية)


ثانيًا: من السنة النبوية:


1. عن عائشة رضي الله عنها في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، قال النبي ﷺ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا". رواه البخاري في كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رُفع إلى السلطان، رقم (6788)، ومسلم في كتاب الحدود، رقم (1688).


   قال ابن بطال في "شرح صحيح البخاري": "وفي هذا الحديث بيان أن ترك العدل والانحراف فيه بين الناس من


أسباب هلاك الأمم وزوال نعمها". (شرح صحيح البخاري، ج8، ص61، مكتبة الرشد، الرياض)


2. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم (13)، ومسلم في كتاب الإيمان، رقم (45).


   قال النووي في "شرح صحيح مسلم": "هذا من جوامع كلمه ﷺ، وهذا لفظ عام في جميع الأخوة، والمراد أن يحب له مثل ما يحب لنفسه من الخير وكراهية الشر له، وهذا من الإنصاف الذي أمر الله به". (المنهاج شرح صحيح مسلم، ج2، ص16، دار إحياء التراث العربي)


3. عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا". رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم (2577).


   قال القاضي عياض في "إكمال المعلم": "فيه تأكيد تحريم الظلم وعظم قبحه، وأن الله نزّه نفسه عنه مع كونه غير واجب عليه، فكيف بحال العباد؟". (إكمال المعلم بفوائد مسلم، ج8، ص15، دار الوفاء، المنصورة)


 المطلب الثالث: أقوال الفقهاء والعلماء


1. الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:


روى عنه في "نهج البلاغة" قوله: "إن الله ليُنصِر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة". ونقل هذا المعنى ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (ج28، ص146، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف)، وقال: "والتجربة تشهد بذلك".


2. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:


قال في "السياسة الشرعية": "العدل نظام كل شيء، فإذا أُقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق. ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان


لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة". (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص138، وزارة الشؤون الإسلامية، السعودية)


3. الإمام ابن القيم رحمه الله:


قال في "إعلام الموقعين": "فالشريعة مبناها وأساسها على العدل والحكمة ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها". (إعلام الموقعين، ج3، ص14، دار الكتب العلمية)


4. الإمام الشافعي رحمه الله:


روى عنه الربيع في "مناقب الشافعي" قوله: "لو اجتهدت كل الاجتهاد أن لا يكون لأحد من الناس عليّ حجة إلا وفيته حقه، ما استطعت". (مناقب الشافعي للرازي، ج1، ص201، دار الكتب العلمية، بيروت)


5. الإمام الغزالي رحمه الله:


قال في "إحياء علوم الدين": "لا يحل لأحد أن يكون قلبه خالياً من محبة الإنصاف وبغض التعصب، فإن ذلك من أعظم أمراض القلوب، والإنصاف خُلق جليل، وهو أن ينصف الإنسان من نفسه، فيرى لغيره من الحق مثل ما يرى لنفسه". (إحياء علوم الدين، ج2، ص193، دار المعرفة، بيروت)


 المطلب الرابع: نماذج تطبيقية من تاريخ الحكم الإسلامي


المثال الأول: عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع القبطي:


جاء قبطي من مصر يشتكي لعمر رضي الله عنه أن ابن عمرو بن العاص ضربه. فاستدعى عمر رضي الله عنه عمرو بن العاص وابنه من مصر، وقال للقبطي: "اضرب ابن الأكرمين". ثم قال لعمرو: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟".


رواها ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب"، ص291، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.


وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية": "وهذا من عدل عمر رضي الله عنه وإنصافه، فلم يحابِ الوالي الكبير لمنصبه، بل أنصف الضعيف من القوي". (البداية والنهاية، ج7، ص144، دار هجر للطباعة والنشر)


وجه الاستشهاد:


- لم يحابِ عمر رضي الله عنه الوالي الكبير لمنصبه


- أنصف الضعيف من القوي


- طبّق العدل على الجميع بلا تفريق


- هذا في مسألة جزئية، فكيف بالموازنات الكبرى؟


المثال الثاني: عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورد المظالم:


لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، ردّ كل المظالم التي أخذها بنو أمية ظلماً، حتى ردّ فدكاً إلى بني هاشم. فقالت له زوجته فاطمة بنت عبد الملك: "أتجعل نفسك ووُلْدَكَ عرضة للفقر؟" فقال: "نفسي أهون عليّ من ذلك".رواها ابن الجوزي في "سيرة عمر بن عبد العزيز"، ص116، دار الكتاب العربي، بيروت.

وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "وهذا من كمال عدله وورعه، فقد قدّم العدل على المصلحة الشخصية والعائلية". (سير أعلام النبلاء، ج5، ص126، مؤسسة الرسالة)


وجه الاستشهاد:


- قدّم العدل على المصلحة الشخصية والعائلية


- لم يتأثر بالضغوط العائلية


- أقام الحق وإن كان فيه ضرر عليه


- صار مثالاً للعدل في التاريخ الإسلامي


المثال الثالث: نور الدين محمود زنكي رحمه الله والقاضي كمال الدين الشهرزوري:


دخل رجل على القاضي كمال الدين يشتكي نور الدين محمود (السلطان)، فأرسل القاضي في طلبه، فحضر نور


الدين وجلس بجانب خصمه، فحكم القاضي لخصمه. فقام نور الدين راضياً، وقبّل يد القاضي.


ذكرها ابن الأثير في "الكامل في التاريخ"، ج11، ص224، دار الكتاب العربي، بيروت.


وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "وهذا من كمال عدل نور الدين وتواضعه، فقد خضع للقضاء العادل ولم يستخدم سلطانه للظلم". (البداية والنهاية، ج12، ص278، دار هجر للطباعة والنشر)


وجه الاستشهاد:


- خضع السلطان للقضاء العادل


- لم يستخدم سلطانه للظلم


- قبِل الحكم عليه برضا


- ضرب مثالاً في العدل والإنصاف للحكام


المثال الرابع: صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وعدله في القضاء:


كان صلاح الدين رحمه الله إذا جلس للقضاء بين الناس، جعل نفسه في مرتبة الخصم العادي، ولا يقبل شهادة أحد له لمنصبه.


ذكر ذلك ابن شداد في "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية"، ص78، دار نشر الثقافة، الإسكندرية.


وقال ابن كثير: "وكان صلاح الدين من أعدل الملوك وأحسنهم سيرة، وكان يقول: العدل أساس الملك". (البداية والنهاية، ج13، ص5، دار هجر للطباعة والنشر)


وجه الاستشهاد:


- التزم العدل في أحكامه


- لم يستخدم منصبه لنفسه


- كان مثالاً للحاكم العادل


- بُني ملكه على العدل فدام واستقر


المثال الخامس: عمر بن عبد العزيز رحمه الله ومصالح الأمة:


لما تولى الخلافة وجد الناس قد تعودوا على ظلم بني أمية، فأراد إصلاح كل شيء دفعة واحدة. فقالت له أمه: "يا بني، ما لك لا تُنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق". فقال: "يا أمه، إني لأروّض الناس رياضة، إني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة، فتكون من ذلك فتنة".


رواها ابن عبد الحكم في "سيرة عمر بن عبد العزيز"، ص62، عالم الكتب، بيروت.


قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "وهذا من فقهه وعدله، فإنه وازن بين العدل المطلق والعدل الممكن، وراعى أحوال الناس وطاقتهم". (مجموع الفتاوى، ج28، ص388، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف)


وجه الاستشهاد:


- وازن بين العدل المطلق والعدل الممكن


- راعى أحوال الناس وطاقتهم


- نظر إلى المآلات والعواقب


- جمع بين العدل والحكمة في التطبيق


 المبحث الرابع: شرح المقوم الرابع - التقوى والخشية


 المطلب الأول: بيان مراد الشيخ أحمد السيد بهذا المقوم


أراد الشيخ - حفظه الله - بهذا المقوم أن الفقيه المجتهد في الموازنات لا بد أن يكون تقياً خائفاً من الله تعالى، لأن التقوى هي التي تحجزه عن الهوى والتعصب والظلم. فالعلم وحده لا يكفي إن لم يكن معه خشية الله، بل قد يكون العلم بلا تقوى سبباً للضلال والإضلال. والتقوى والخشية هما الحارس الأمين على العلم، والضابط لاستعماله في محله.


 المطلب الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة


أولًا: من القرآن الكريم:


1. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].


   قال ابن كثير في تفسيره: "أي إنما يخشى الله حق خشيته العلماء العارفون به، لأنهم أعلم الناس بالله وبصفاته وبعظمته وجلاله، فهم لذلك أشد خشية له". (تفسير القرآن العظيم، ج6، ص563، دار طيبة للنشر والتوزيع)


2. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282].


   قال السعدي في تفسيره: "أي: اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإذا فعلتم ذلك علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون، وفتح لكم من أبواب العلم ما كان مغلقاً". (تيسير الكريم الرحمن، ص119، مؤسسة الرسالة)


3. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29].


   قال القرطبي في تفسيره: "أي يجعل لكم نوراً في القلب تفرقون به بين الحق والباطل، ومخرجاً من كل


ضيق". (الجامع لأحكام القرآن، ج7، ص397، دار الكتب المصرية)


4. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].


   قال الطبري في تفسيره: "يجعل له من كل كرب فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء نجاة". (جامع البيان، ج23، ص461، دار هجر للطباعة والنشر)


ثانيًا: من السنة النبوية:


1. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ". رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم (6478).

   قال ابن حجر في "فتح الباري": "فيه عظم خطر

الكلام، وأن الإنسان قد يتكلم بالكلمة لا يظن أن لها خطراً فتهوي به في النار، ومن ذلك الفتوى بغير علم". (فتح الباري، ج11، ص308، دار المعرفة، بيروت)

2. عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". رواه البخاري في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، رقم (71)، ومسلم في كتاب الزكاة، رقم (1037).

   قال النووي في "شرح صحيح مسلم": "فيه فضيلة العلم والفقه في الدين، وأنه من علامات إرادة الله الخير بالعبد". (المنهاج شرح صحيح مسلم، ج7، ص136، دار إحياء التراث العربي)

3. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". رواه أبو داود في كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم (3641)، والترمذي في كتاب العلم، رقم

(2682)، وابن ماجه في المقدمة، رقم (223)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، رقم (1617).

   قال المناوي في "فيض القدير": "فيه تعظيم شأن العلماء وبيان منزلتهم، وأنهم ورثة الأنبياء في العلم والعمل والتقوى والدعوة". (فيض القدير، ج2، ص349، المكتبة التجارية الكبرى، مصر)


 المطلب الثالث: أقوال الفقهاء والعلماء

1. الإمام أبو حنيفة رحمه الله:


روى عنه أبو يوسف قوله: "لولا أني أخاف الله لم أقل هذا حلال وهذا حرام". نقله الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"، ج15، ص497، دار الكتب العلمية، بيروت.


2. الإمام مالك بن أنس رحمه الله:


قال الشافعي عنه: "كان مالك إذا جاءته فتيا تغيّر لونه، فيُقال له في ذلك، فيقول: لو شعرتم ما أحمل ما تجرأتم على ما تجرأتم عليه". رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه"، ج2، ص139، دار ابن الجوزي، السعودية


وكان يقول: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك". (المرجع السابق)


3. الإمام الشافعي رحمه الله:


قال: "وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم يُنسب إليّ منه شيء، فيكون لهم أجره ولا يحمدوني". رواه البيهقي في "مناقب الشافعي"، ج2، ص166، مكتبة دار التراث، القاهرة.


4. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:


كان يُسأل عن المسألة فيقول: "سلوا أصحابنا"، فيُقال له: نسألك أنت. فيقول: "الله المستعان". رواه الخلال في "طبقات الحنابلة"، ج1، ص79، دار المعرفة، بيروت.


5. سفيان الثوري رحمه الله:


قال: "ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي، لأنها تتقلب عليّ". رواه ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"، ص15، مؤسسة الرسالة، بيروت.


6. الإمام الغزالي رحمه الله:


قال في "إحياء علوم الدين": "العلم بلا عمل جنون، والعمل بلا علم لا يكون، فاجمع بينهما تكن مؤمناً متقناً". (إحياء علوم الدين، ج1، ص55، دار المعرفة، بيروت)


 المطلب الرابع: نماذج تطبيقية من تاريخ الحكم الإسلامي


المثال الأول: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن:


لما امتُحن الإمام أحمد وعُذّب، قال له المعتصم: "يا أحمد، أجبني حتى أطلقك بيدي". فقال: "يا أمير المؤمنين، أعطني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أجيبك إليه".

رواها الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"، ج5، ص181، دار الكتب العلمية، بيروت.

وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "وثبت الإمام أحمد ثباتاً عجيباً، حتى قال بعض العلماء: ذُلّ المسلمون قبل محنة أحمد، فلما صبر على الضرب أعز الله المسلمين به". (سير أعلام النبلاء، ج11، ص241، مؤسسة الرسالة)


وجه الاستشهاد:


- لم تحمله التقوى على المداهنة في الحق


- ثبت على الحق رغم التعذيب


- خاف الله ولم يخف السلطان


- كان مثالاً للعالم التقي الثابت


المثال الثاني: عمر بن عبد العزيز رحمه الله وزهده في الخلافة:


لما تولى الخلافة، بكى. فقيل له: ما يبكيك في يوم كهذا؟ فقال: "ذكرت منصرف الخلق يوم القيامة، فريق في الجنة وفريق في السعير، فلا أدري إلى أي الفريقين أكون".


رواها ابن الجوزي في "سيرة عمر بن عبد العزيز"، ص56، دار الكتاب العربي، بيروت.


وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "وكان من أخشى الناس لله، وأتقاهم له، حتى إنه كان يبكي من خشية الله حتى أضر ذلك بعينيه". (سير أعلام النبلاء، ج5، ص114، مؤسسة الرسالة)


وجه الاستشهاد:


- خشيته من الله في أعظم المناصب


- تقواه منعته من الغرور بالسلطان


- جعلته خشيته من أعدل الحكام


- استشعر مسؤولية المنصب فأحسن القيام به


المثال الثالث: أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة توليته:


لما بويع بالخلافة قال: "أيها الناس، إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم


قوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".


رواها ابن كثير في "البداية والنهاية"، ج6، ص302، دار هجر للطباعة والنشر.


وجه الاستشهاد:


- استشعر مسؤولية المنصب


- خشي الله في ولايته


- طلب من الناس تقويمه


- جعل الطاعة مشروطة بطاعة الله


المثال الرابع: الحسن البصري رحمه الله وموقفه من الحجاج:


كان الحجاج بن يوسف يخطب فيطيل، فقال الحسن: "والله إنه ليخطب وما يُراد به إلا فتنة أو ضلالة". فقيل له: "أتقول هذا وأنت تحت سلطانه؟" فقال: "الموت أهون من السكوت عن الحق".


رواها ابن الجوزي في "صفة الصفوة"، ج2، ص167، دار الحديث، القاهرة.


وجه الاستشهاد:


- خشيته من الله أكبر من خوفه من السلطان


- لم تمنعه التقوى من قول الحق


- وازن بين المصالح والمفاسد بميزان التقوى


- ضحّى بنفسه في سبيل الحق


المثال الخامس: الإمام الأوزاعي رحمه الله والمنصور العباسي:


دخل الإمام الأوزاعي على المنصور العباسي وقد أساء إلى أهل الشام، فقال له: "يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى سائلك عما صنعت". فغضب المنصور، فقال الأوزاعي: "يا أمير المؤمنين، إنما أنت رجل قد أُخِذ بيدك وعُصمت عن الضلالة، فلا تضيع من اتبعك".


رواها ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، ج35، ص176، دار الفكر للطباعة والنشر.


وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "فارتعد المنصور وقال: أنت والله الذي يقول فيك الناس ما يقولون. ثم أكرمه وقبل نصيحته". (سير أعلام النبلاء، ج7، ص113، مؤسسة الرسالة)


وجه الاستشهاد:


- لم تمنعه التقوى من نصح السلطان


- خاف الله في قول الحق


- ذكّر الخليفة بمسؤوليته أمام الله


- جمع بين الجرأة والتقوى


 المبحث الخامس: شرح المقوم الخامس - الجُرأة وقوة النفس


 المطلب الأول: بيان مراد الشيخ أحمد السيد بهذا المقوم


أراد الشيخ - حفظه الله - بهذا المقوم أن الفقيه في


الموازنات يحتاج إلى جُرأة وقوة نفس في قول الحق وتطبيقه، فلا ينفع العلم والعدل والتقوى إذا لم يكن معها شجاعة في إظهار الحق وتنفيذه. والجُرأة المطلوبة هي الجُرأة المنضبطة بالشرع، لا التهور والتسرع، بل هي الشجاعة في قول الحق دون خوف من لوم لائم، مع الحكمة في اختيار الوقت والأسلوب المناسب.


المطلب الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة


أولًا: من القرآن الكريم:


1. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39].

   قال السعدي في تفسيره: "هذه صفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وصفة من قام بما أوجب الله عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنهم يبلغون رسالات ربهم، ولا يخشون في ذلك لومة لائم". (تيسير الكريم الرحمن، ص674، مؤسسة الرسالة)


2. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 44].


   قال ابن كثير: "أي لا تخافوا من الناس في إقامة حكم الله وإظهار شرعه، بل خافوا مني واحذروا أن تتركوا شيئاً من أمري لأجل الناس". (تفسير القرآن العظيم، ج3، ص86، دار طيبة للنشر والتوزيع)


3. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19].


   قال القرطبي: "أي تركوا ذكر الله وطاعته، فأنساهم الله ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، وجعلهم أذلاء خاضعين". (الجامع لأحكام القرآن، ج18، ص36، دار الكتب المصرية)


4. قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ [طه: 24].


   قال الطبري: "أمر الله موسى أن يذهب إلى فرعون مع عتوه وطغيانه وتجبره، فهذا يدل على وجوب الجرأة في الحق على الظالمين". (جامع البيان، ج18، ص265، دار هجر للطباعة والنشر)


ثانيًا: من السنة النبوية:


1. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ". رواه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم (4007)، والترمذي في كتاب الفتن، رقم (2174)، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع"، رقم (7652).


   قال المناوي في "فيض القدير": "أي لا تحملنه هيبة الناس ومخافتهم على ترك قول الحق إذا علمه، بل يجب عليه أن يقوله ولا يخاف إلا الله". (فيض القدير، ج2، ص532، المكتبة التجارية الكبرى)


2. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "بَايَعْنَا رَسُولَ


اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ". رواه البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ سترون بعدي أموراً تنكرونها، رقم (7199)، ومسلم في كتاب الإمارة، رقم (1709).


   قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفيه وجوب قول الحق وأن لا يمنع من ذلك خوف أو رجاء، وأن البيعة كانت على ذلك". (فتح الباري، ج13، ص59، دار المعرفة، بيروت)


3. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، قُلِ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا". رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، ج7، ص453، مكتبة الرشد، الرياض.


 المطلب الثالث: أقوال الفقهاء والعلماء


1. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:


قال: "إذا سكت العالم تقية، والجاهل يتكلم لقمة العيش،


متى يظهر الحق؟". نقله ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد"، ص394، دار هجر للطباعة والنشر.


2. سفيان الثوري رحمه الله:


قال: "إذا رأيت العالم يداهن السلطان فاعلم أنه لص". رواه الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، ج7، ص243، مؤسسة الرسالة.


3. الفضيل بن عياض رحمه الله:


قال: "إذا رأيت الرجل يحب أن يُعرف فاستغن عن علمه، فإنه لم يطلب به وجه الله". رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"، ج8، ص105، دار الكتب العلمية، بيروت.


4. الإمام الشافعي رحمه الله:


قال: "ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، ولا باليت أبان الحق على لساني أو لسانه". رواه البيهقي في "مناقب الشافعي"، ج1، ص469، مكتبة دار التراث، القاهرة.


5. الإمام ابن تيمية رحمه الله:


قال في "مجموع الفتاوى": "الواجب على المسلم أن


يعلم أن أولياء الله هم الذين يتقونه ويتبعون رسوله، لا من يدعي الولاية وهو على خلاف ذلك، فلا يخاف في الله لومة لائم". (مجموع الفتاوى، ج10، ص325، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف)


6. الإمام الذهبي رحمه الله:


قال في "سير أعلام النبلاء": "من علامة العالم الرباني أن لا يخاف في الله لومة لائم، وأن يقول الحق ولو على نفسه أو على أقاربه أو على من يحب". (سير أعلام النبلاء، ج13، ص376، مؤسسة الرسالة)


 المطلب الرابع: نماذج تطبيقية من تاريخ الحكم الإسلامي


المثال الأول: أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حروب الردة:


خالف عمر رضي الله عنه والصحابة أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، فقال أبو بكر: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة". رواه البخاري في كتاب الزكاة،


باب وجوب الزكاة، رقم (1399)، ومسلم في كتاب الإيمان، رقم (20).


قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "وهذا من جرأة الصديق وقوته في الحق، فلم يبال بمخالفة الصحابة له في بادئ الأمر، لأنه رأى الحق في ذلك". (البداية والنهاية، ج6، ص316، دار هجر للطباعة والنشر)


وجه الاستشهاد:


- أظهر جرأة عظيمة في تطبيق الحق


- لم يتراجع رغم معارضة كبار الصحابة


- كانت جرأته في محلها فحفظت الإسلام


- اقتنع الصحابة بصوابه بعد ذلك


المثال الثاني: العز بن عبد السلام رحمه الله والصالح أيوب:


لما تولى الصالح أيوب مصر وكان معه أمراء من المماليك لم يُعتقوا شرعاً، رفض العز بن عبد السلام أن يُنادى له بالخطبة حتى يُباعوا ويُعتقوا شرعاً. فهدده السلطان، فلم


يبال. وأخيراً باع العز بن عبد السلام الأمراء على المنبر!


 ذكر ذلك ابن كثير في "البداية والنهاية"، ج13، ص177، دار هجر للطباعة والنشر.


وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "وهذا من أعظم مناقبه، حيث لم يخف السلطان في إظهار الحق وإقامته". (سير أعلام النبلاء، ج23، ص192، مؤسسة الرسالة)


وجه الاستشهاد:


- جرأة عظيمة في تطبيق الشرع


- لم يخف من السلطان


- استخدم علمه وسلطته الشرعية


- انتصر الحق بجرأته


المثال الثالث: أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله في فتنة خلق القرآن:


استُدعي أحمد بن نصر الخزاعي أمام الواثق العباسي في فتنة خلق القرآن، فسأله: "ما تقول في القرآن؟" فقال: "كلام الله غير مخلوق". فأمر بقتله، فقُتل شهيداً.


رواها الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، ج11، ص181، مؤسسة الرسالة.


قال ابن كثير: "وهذا من أعظم أنواع الجرأة في الحق، حيث لم يخف الموت في سبيل إظهار الحق والثبات عليه". (البداية والنهاية، ج10، ص331، دار هجر للطباعة والنشر)


وجه الاستشهاد:


- جرأة في قول الحق أمام السلطان


- لم يداهن في العقيدة


- ضحّى بنفسه في سبيل الحق


- صار مثالاً للثبات والجرأة


المثال الرابع: ابن تيمية رحمه الله ومواقفه مع السلاطين:


وقف ابن تيمية مواقف عديدة ضد البدع والظلم، فسُجن عدة مرات. ومن أشهر مواقفه موقفه مع السلطان قلاوون لما أراد الصلح مع التتار على شروط فيها ضرر بالمسلمين.


ذكر ذلك ابن كثير في "البداية والنهاية"، ج14، ص67، دار هجر للطباعة والنشر.


وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": "وكان ابن تيمية لا يخاف في الله لومة لائم، يجتمع به الملوك فيأمرهم وينهاهم، ويعظهم ويخوفهم". (تاريخ الإسلام، ج52، ص329، دار الغرب الإسلامي)


وجه الاستشهاد:


- جمع بين العلم والجرأة


- لم تمنعه السلطة من قول الحق


- تحمّل الأذى في سبيل الله


- أثّرت جرأته في إصلاح المجتمع


المثال الخامس: سعيد بن المسيب رحمه الله والحجاج:


طلب الحجاج من سعيد بن المسيب أن يبايع لعبد الملك، فرفض. فهدده الحجاج بالقتل، فقال: "إنما لي ضربة واحدة، فافعل ما بدا لك".


رواها ابن سعد في "الطبقات الكبرى"، ج5، ص132، دار الكتب العلمية، بيروت.


قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "وهذا من أعظم مناقبه، حيث لم يخف الموت في سبيل الحق، وكان من أشجع الناس في قول الحق". (سير أعلام النبلاء، ج4، ص230، مؤسسة الرسالة)


وجه الاستشهاد:


- جرأة في رفض الباطل


- لم يخف الموت في سبيل الحق


- كانت جرأته عن علم وتقوى


- ترك أثراً عظيماً في الأمة


 المبحث السادس: التكامل بين المقومات الخمسة


 المطلب الأول: الترابط الضروري بين المقومات


إن المقومات الخمسة التي ذكرها الشيخ أحمد السيد - حفظه الله - ليست منفصلة، بل هي متكاملة، ولا يُغني بعضها عن بعض:


1. العلم بلا عدل: يؤدي إلى التعصب والظلم والميل مع الهوى


2. العلم بلا تقوى: يؤدي إلى استخدام العلم للدنيا والشهرة والرياء


3. العلم بلا جرأة: يؤدي إلى كتمان العلم والمداهنة والخوف من الخلق


4. التقوى بلا علم: تؤدي إلى التشدد والغلو والوقوع في البدع


5. الجرأة بلا علم: تؤدي إلى التهور والفتنة والإفساد


قال الإمام الشافعي رحمه الله: "من تعلم العلم وحده، قوي حجته، ومن تعلم ما عند الناس، عرف موارد الخلاف، ومن تورع عن الشبهات، سلم دينه، ومن كان له عقل يحجزه، كمل علمه". رواه البيهقي في "مناقب الشافعي"، ج2، ص169، مكتبة دار التراث، القاهرة.


المطلب الثاني: الأمثلة التطبيقية على التكامل


مثال (1): أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قضية الردة:


- العلم: علِم بحكم المرتدين ومانعي الزكاة من الكتاب والسنة


- الوعي بالمصالح: وازن بين المصلحة والمفسدة فقدّم حفظ الدين


- العدل: لم يفرّق بين الناس في تطبيق الحكم، ولم يحاب أحداً


- التقوى: خاف الله في ترك ركن من أركان الإسلام


- الجرأة: قاتل المرتدين رغم قلة المسلمين وضعفهم ومعارضة بعض الصحابة


مثال (2): عمر بن عبد العزيز رحمه الله في رد المظالم:


- العلم: علِم بحرمة المال المأخوذ ظلماً وعظم الظلم عند الله


- الوعي بالمصالح: وازن بين مصلحة أهله الخاصة ومصلحة أصحاب الحقوق


- العدل: ردّ الحقوق بلا تفريق ولم يحاب أحداً من بني أمية


- التقوى: خاف الله في أموال الناس وحقوقهم


- الجرأة: لم يخف معارضة بني أمية رغم قوتهم ونفوذهم


مثال (3): الإمام أحمد رحمه الله في فتنة خلق القرآن:


- العلم: علِم بعقيدة أهل السنة في القرآن من الكتاب والسنة


- الوعي بالمصالح: وازن بين التقية والثبات فاختار الثبات لمصلحة الأمة


- العدل: أفتى العامة بالتقية إن خافوا وثبت هو كإمام يُقتدى به


- التقوى: خاف الله في الضلال في العقيدة أكثر من خوفه من التعذيب


- الجرأة: تحمّل العذاب ولم يتراجع عن الحق رغم شدة الألم


 المطلب الثالث: أهمية هذه المقومات في العصر الحاضر


إن أهمية هذه المقومات تتضاعف في عصرنا لعدة أسباب:


1. كثرة النوازل: النوازل المعاصرة معقدة ومتشابكة وتحتاج إلى فقه دقيق


2. تشابك المصالح: المصالح والمفاسد متداخلة ومتشابكة بسبب العولمة


3. ضغوط السلطة: الضغوط على العلماء من السلطات والجماهير أكبر من أي وقت مضى


4. الإعلام والانتشار: الفتوى تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل فتحتاج إلى دقة أكبر


5. الفتن والاختلاف: الأمة في فتن عظيمة وخلافات كبيرة تحتاج إلى علماء ربانيين يجمعون بين هذه المقومات


قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: "الواقع اليوم يحتاج إلى علماء يجمعون بين العلم الشرعي والفهم الواقعي، مع التقوى والخشية والجرأة في الحق". (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، ج26، ص23، دار الثريا للنشر)


 المطلب الرابع: كيفية اكتساب هذه المقومات


أولاً: اكتساب العلم:


- الجد في طلب العلم الشرعي من مصادره الموثوقة


- ملازمة العلماء الربانيين والأخذ عنهم


- التدرج في العلم من الأسهل إلى الأصعب


- الحرص على فهم مقاصد الشريعة ومراتب الأحكام


ثانياً: اكتساب الوعي بالمصالح والمفاسد:


- دراسة القواعد الفقهية والأصولية المتعلقة بالمصالح والمفاسد


- فهم الواقع المعاش ومتغيراته


- التأمل في سير الأنبياء والصحابة والسلف في موازناتهم


- استشارة أهل الخبرة في كل مجال


ثالثاً: اكتساب العدل:


- مجاهدة النفس على الإنصاف والبعد عن الهوى


- التدرب على النظر للمسائل من جوانبها المختلفة


- الحذر من التعصب المذهبي والحزبي والقبلي


- مراجعة النفس باستمرار ومحاسبتها


رابعاً: اكتساب التقوى:


- المداومة على الطاعات والعبادات


- البعد عن المعاصي والشبهات


- استشعار مراقبة الله في السر والعلن


- الإكثار من ذكر الموت والآخرة


خامساً: اكتساب الجرأة:


- تقوية الإيمان بالله والتوكل عليه


- التربية على الشجاعة في قول الحق


- النظر في سير الشجعان من العلماء


- البدء بالجرأة في الأمور الصغيرة ثم التدرج


 الخاتمة والتوصيات


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد:


فقد تبين من خلال هذا البحث المفصل عظم ما أشار إليه فضيلة الشيخ أحمد السيد - حفظه الله - من المقومات الخمسة التي يحتاجها الفقيه المجتهد في فقه الموازنات والسياسة الشرعية.


 أهم النتائج:


1. التكامل الضروري: المقومات الخمسة متكاملة لا يُغني بعضها عن بعض، ويحتاج الفقيه إليها جميعاً


2. الأساس الشرعي القوي: كل مقوم له أساس قوي ومتين في الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح


3. الواقع التاريخي المشرق: التاريخ الإسلامي مليء بالنماذج التطبيقية الرائعة لهذه المقومات


4. الحاجة المعاصرة الماسة: الأمة اليوم أحوج ما تكون لعلماء يجمعون هذه المقومات الخمسة


5. التدرج في التحصيل: هذه المقومات تُكتسب بالتعلم والممارسة والتزكية والمجاهدة المستمرة


6. الأثر العملي: من جمع هذه المقومات كان له أثر عظيم في إصلاح الأمة وهدايتها


7. خطورة النقص: نقص أي مقوم من هذه المقومات يؤدي إلى خلل في الفتوى والاجتهاد


 التوصيات:


أولاً: للطلاب:


- الاهتمام بتحصيل هذه المقومات الخمسة جنباً إلى جنب مع العلوم الشرعية


- عدم الاكتفاء بالجانب النظري دون التطبيق العملي


- ملازمة العلماء الذين يجمعون بين هذه المقومات


- البدء بالتطبيق العملي لهذه المقومات في الحياة اليومية


ثانياً: للعلماء:


- التحلي بهذه الصفات الخمس والقدوة الحسنة بها أمام الناس


- تربية الطلاب على هذه المقومات وليس على العلم فقط


- بيان خطورة التصدر للفتوى دون اكتمال هذه المقومات


- الصبر على الأذى في سبيل تطبيق الحق


ثالثاً: للمؤسسات العلمية:


- تضمين هذه المقومات في المناهج التعليمية والتدريبية


- إقامة دورات تدريبية على فقه الموازنات وتطبيقاته


- اختيار المدرسين الذين يجمعون بين هذه المقومات


- إنشاء مراكز بحثية متخصصة في فقه الموازنات


رابعاً: للباحثين:


- إجراء المزيد من الدراسات المتخصصة حول فقه الموازنات وتطبيقاته المعاصرة


- دراسة النماذج التطبيقية من التاريخ الإسلامي بعمق


- البحث في القضايا المعاصرة التي تحتاج إلى موازنات دقيقة


- نشر الأبحاث التي تعالج النوازل بمنهج الموازنات


خامساً: للأمة:


- احترام العلماء الذين يجمعون هذه المقومات والرجوع إليهم في النوازل والمستجدات


- التمييز بين العالم الرباني ومن يتصدر بغير أهلية


- عدم التسرع في الإنكار على العلماء في مسائل الموازنات المعقدة


- دعم العلماء العاملين بهذه المقومات ومساندتهم


سادساً: للإعلاميين:


- نشر ثقافة فقه الموازنات بين الناس


- استضافة العلماء المتخصصين في هذا المجال


- عدم إثارة الفتن حول المسائل الخلافية الدقيقة


- التحقق من صحة النقل عن العلماء في مسائل الموازنات


 كلمة ختامية:


وختاماً، فإن ما تفضل به الشيخ أحمد السيد - حفظه الله - من تلخيص هذه المقومات الخمسة يُعد إسهاماً قيماً في بيان الصفات التي يجب أن يتحلى بها من يتصدى لفقه الموازنات والسياسة الشرعية، وهو باب عظيم من أبواب الفقه يحتاج إلى مزيد من العناية والدراسة.

وإن هذه المقومات الخمسة ليست مجرد صفات نظرية، بل هي صفات عملية ثبتت بالنصوص الشرعية، وتحققت في واقع سلفنا الصالح، وهي اليوم أحوج ما تكون إليها الأمة في ظل التحديات الكبيرة والفتن العظيمة التي تواجهها.

فنسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا من العاملين لدين الله الذين يجمعون بين العلم والتقوى والعدل والجرأة، وأن يوفق علماءنا لما فيه خير الأمة ونفعها، وأن يحفظ الشيخ أحمد السيد وسائر علمائنا وينفع بهم الإسلام والمسلمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


فهرس المصادر والمراجع


أولاً: كتب التفسير:


1. تفسير الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن


2. تفسير القرآن العظيم - ابن كثير


3. الجامع لأحكام القرآن - القرطبي


4. تيسير الكريم الرحمن - السعدي


5. البرهان في علوم القرآن - الزركشي


ثانياً: كتب الحديث وشروحه:


1. صحيح البخاري


2. صحيح مسلم


3. سنن أبي داود


4. سنن الترمذي


5. سنن ابن ماجه


6. فتح الباري - ابن حجر


7. شرح صحيح مسلم - النووي


ثالثاً: كتب الفقه وأصوله:


1. الموافقات - الشاطبي


2. المستصفى - الغزالي


3. إعلام الموقعين - ابن القيم


4. قواعد الأحكام - العز بن عبد السلام


5. الفروق - القرافي


6. مجموع الفتاوى - ابن تيمية


7. المغني - ابن قدامة


8. الأحكام السلطانية - الماوردي


رابعاً: كتب التاريخ والسير:


1. البداية والنهاية - ابن كثير


2. سير أعلام النبلاء - الذهبي


3. تاريخ الطبري


4. الكامل في التاريخ - ابن الأثير


5. تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي


خامساً: كتب متفرقة:


1. الرسالة - الشافعي


2. إحياء علوم الدين - الغزالي


3. زاد المعاد - ابن القيم


4. جامع العلوم والحكم - ابن رجب


5. السياسة الشرعية - ابن تيمية


تعليقات