مستقبل الليرة السورية بعد سقوط الطاغية في 8/12/2024
سيناريوهات التحول النقدي وإمكانات الاستقرار
المقدمة
يوم 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لم يكن حدثاً عابراً يُضاف إلى الأيام الثقيلة التي مرّت على
السوريين، بل تحوّل إلى لحظة مفصلية تشبه انكسار جدارٍ ظلّ قائماً لسنوات، ثم
انهار فجأة. وفي اللحظة ذاتها، ظهر اقتصادٌ مُتعَب كأنه خرج من غرفة عمليات دون أي
ضمانة للبقاء، بينما بدت الليرة السورية وكأنها شاهدٌ على كل الانهيارات التي مرت
بها البلاد. لم تعد العملة مجرد وسيلة تبادل، بل تحوّلت إلى قصة كاملة: قصة اقتصاد
متآكل، دولة فقدت وظائفها، مجتمع يعيش في حالة انتظار دائم، وثقة تبعثرت على أرصفة
الأسواق السوداء. ومع سقوط السلطة التي رهنت الليرة لسنوات من الفوضى، عاد السؤال
الأكبر إلى الواجهة: ما مستقبل النقد في سوريا؟ وهل يمكن لعملة انهارت بهذا الشكل
أن تُبعث من جديد؟
كان المشهد بعد هذا التاريخ يشبه ولادة مؤلمة: دولة تبحث عن
نفسها، وسوق يبحث عن مرجعية، ومجتمع يبحث عن قرار اقتصادي يخفف من صدمة السنوات
السابقة. وسط هذه التحولات، كان على السوريين أن يتساءلوا من جديد: هل يمكن إعادة
بناء الليرة؟ أم أن صفحة جديدة بالكامل يجب أن تُفتح؟ في هذا الإطار، يأتي هذا
المقال ليقدّم قراءة موسّعة لطبيعة التحول النقدي في سوريا بعد التغيير السياسي،
من خلال فهم جذور الانهيار وقراءة اللحظة الراهنة واستشراف السيناريوهات الممكنة.
الفصل الأول: الليرة بين الجذور والانكسار
لفهم مستقبل الليرة، لا بد من العودة إلى المسار الذي قادها
إلى انهيارها. فالعملة السورية لم تكن مجرّد ضحية للحرب وحدها، بل تراكمت عليها
عوامل الضعف تدريجياً. في العقدين الأخيرين قبل 2025، كانت الدولة تحافظ على استقرار
نقدي هشّ، يقوم على تدخل مستمر للمصرف المركزي، واستخدام الاحتياطي بدل بناء
اقتصاد حقيقي قادر على إنتاج الثروة. بدأت الليرة تفقد قوتها يوم بدأ الإنتاج
يضعف، ويوم تحوّل الاقتصاد من اقتصادٍ قائم على الزراعة والصناعة، إلى اقتصادٍ
قائم على شبكات مصالح تحتكر السوق وتعمل خارج الأطر الرسمية.
ومع اندلاع الحرب، كانت الضربة أشدّ. انهارت المصانع،
وتهجّر العمال، وتراجع الإنتاج المحلي إلى حدود تكاد تكون معدومة، وتحوّلت سوريا
من دولة لديها قدرة على تصدير منتجاتها إلى دولة تعتمد على الاستيراد في كل شيء
تقريباً. ومع كل عملية استيراد، كان الطلب على الدولار يرتفع، ومع كل ارتفاع، كانت
الليرة تخسر قيمة إضافية، إلى أن أصبح الانهيار نمطاً يومياً.
لكن الجزء الأخطر لم يكن في انهيار القيمة فقط، بل في
انهيار الثقة. فالعملة تحمل في مضمونها عقداً اجتماعياً بسيطاً: الدولة تضمن
قيمتها، والمجتمع يستخدمها. وعندما فشلت الدولة في أداء دورها، انهار العقد كله.
حتى من بقي في البلاد كان يتعامل مع الليرة بدافع الضرورة، لا القناعة، بينما كانت
الأسعار تُكتب بالدولار، والمحلات تعتمد الذهب مرجعاً، والناس يدخرون في كل شيء
عدا العملة الرسمية.
وعندما جاء 8/12/2024، لم تكن الليرة قد فقدت قيمتها فقط، بل فقدت شرعيتها أيضاً. كانت
البطاقة النقدية التي يحملها المواطن أشبه بظلّ لعملة كانت موجودة يوماً ما. ومع
سقوط النظام، بات واضحاً أن إعادة بناء الليرة لم تعد عملية نقدية فقط، بل سياسية
واجتماعية واقتصادية في آنٍ واحد. وهذا ما يجعل المرحلة اللاحقة مرحلة إعادة تعريف
لدور العملة في المجتمع السوري الجديد.
الفصل الثاني: ملامح المرحلة النقدية بعد السقوط
بعد سقوط الطاغية، لم يكن المشهد النقدي مستقراً ولا
واضحاً. كانت البلاد تتحرك داخل ضبابٍ كثيف، لأن كل شيء في الاقتصاد كان مرتبطاً
بالسلطة القديمة: آلية إدارة المصرف المركزي، سياسات الصرف، شبكات السوق السوداء،
طرق التمويل، وحتى طريقة تسعير المواد الأساسية. لم يكن لدى الدولة الانتقالية أي
بنية جاهزة لإدارة سوق فقد مرجعيته منذ سنوات. فالأرض المالية كانت عبارة عن
مساحات مهدّمة تحتاج إلى إعادة بناء قبل أي إصلاح نقدي.
في الأيام الأولى بعد التغيير، ظهر بوضوح أن الطلب على
الدولار تضاعف. لم يكن السبب اقتصادياً بحتاً، بل نفسياً أيضاً. فالمجتمع الذي فقد
ثقته بالعملة لعشر سنوات لم يكن مستعداً ليمنحها فرصة جديدة بسرعة. وأمام هذا
الواقع، وجدت الحكومة الانتقالية نفسها مضطرة لتهدئة الأسواق، وهي تدرك أنها بحاجة
إلى أكثر من تصريحات سياسية. فالبائع يريد عملة ثابتة، والمستورد يريد نظاماً
نقدياً مفهوماً، والمواطن يريد وسيلة دفع لا تتبخر قيمتها في الطريق إلى السوق.
هذه المرحلة الحرجة كشفت أن مستقبل الليرة لن يتحدد بقرار
واحد، بل بمسار كامل يعيد بناء الدولة المالية منذ الأساس. ووسط هذا الواقع، ظهرت
أربعة اتجاهات فكرية ونقدية تتصارع داخل الساحة السورية: تيار يريد إنقاذ الليرة،
وتيار يريد التخلي عنها، وتيار يتطلع إلى عملة إقليمية مشتركة، وتيار يبحث عن صيغة
وسط تجمع بين كل هذه الخيارات.
الفصل الثالث: خيار إنقاذ الليرة وإعادة هيكلتها
أنصار هذا الاتجاه يرون أن الليرة ليست مجرد ورقة نقدية، بل
رمز لسيادة الدولة، وأن التخلي عنها يعني التخلي عن جزء من الهوية الوطنية.
ويؤمنون بأن إعادة هيكلة شاملة يمكن أن تمنحها فرصة جديدة للحياة، بشرط أن تتم
داخل سياق إصلاح اقتصادي واسع. هذا الاتجاه لا يقتصر على تغيير شكل العملة، بل
يتطلب إعادة تأسيس النظام النقدي بكامله.
إعادة الهيكلة هنا تعني إعادة ضبط الكميات المتداولة، إصلاح
المصرف المركزي، استعادة احتياطي أجنبي معقول، وربما إلغاء عدة أصفار لخلق ليرة
جديدة ذات وزن نفسي وعملي أفضل.
لكن هذه الخطوة لا تتعلق بالطباعة، بل بإعادة بناء الثقة.
فالثقة تحتاج إلى دولة واضحة المؤسسات، ونظام مالي شفاف، وأسواق مرتّبة، وحكومة
قادرة على مواجهة شبكات المضاربة. وهذا الخيار قد يكون الأكثر ارتباطاً بفكرة
الدولة المستقلة، لكنه أيضاً الأصعب تنفيذاً، لأنه يحتاج إلى سنوات من الاستقرار
السياسي والمؤسسي.
الفصل الرابع: خيار التخلي عن الليرة واعتماد الدولار
هذا الخيار يجد مناصريه بين من فقدوا ثقتهم بالليرة
نهائياً. فهو يعد بحل سريع، لأن الدولار عملة مستقرة عالمياً، واعتمادها قد يوقف
الانهيار فوراً. كثير من دول العالم عاشت تجارب مشابهة ولجأت إلى الدولار كخطوة
إنقاذية.
لكن هذه الخطوة رغم أنها مغرية في وقت الأزمات، إلا أنها
تحرم سوريا من أهم أدواتها الاقتصادية: القدرة على التحكم بالسياسة النقدية، إصدار
العملة، وضبط سعر الصرف.
قد تمنح الدولار استقراراً سريعاً فعلاً، لكنها تجعل
الاقتصاد السوري مرتبطاً باقتصاد آخر بالكامل، وتجعله عاجزاً عن التحرك بالسرعة
التي تحتاجها الدول المتعافية من الحرب. بمعنى آخر، الدولار تقدم علاجاً سريعاً،
لكنها تسلب البلد حقه في اتخاذ قراراته المالية.
الفصل الخامس: خيار إصدار ليرة جديدة ضمن إصلاح شامل
هذا الخيار يبدو الأكثر واقعية. فهو يسمح ببناء نظام نقدي
جديد، دون التخلي عن السيادة، ودون الإبقاء على النسخة الميتة من الليرة القديمة.
ليرة جديدة يمكن أن تصدر ضمن خطة إصلاح مالي كاملة، تضمن استقلالية المصرف
المركزي، وتنظيم عمل السوق، وتطبيق قواعد حديثة للشفافية.
العملة الجديدة لن تكون بديلاً شكلياً، بل جزءاً من مشروع
إعادة تأسيس الاقتصاد السوري. نجاحها يعتمد على مدى قدرة الدولة على توفير بيئة
مستقرة، وضمان وجود إنتاج حقيقي يساندها. وهي خطوة يمكن أن تُعيد بناء الثقة
تدريجياً، لأنها تحمل هوية جديدة، وتبدأ بصفحة نظيفة تخلو من تاريخ الانهيار
الطويل.
الخاتمة
مستقبل الليرة السورية بعد سقوط الطاغية في 8/12/2024 ليس مسألة
نقدية فحسب، بل هو جزء من مشروع إعادة بناء سوريا بالكامل. فالعملة ليست ورقة، بل
عقد ثقة بين الدولة والمجتمع. وإذا استطاعت الدولة الجديدة أن تبني مؤسسات قوية
وشفافة، وتعيد تشغيل عجلة الإنتاج، وتعيد ضبط الأسواق، فإن الليرة — سواء بقيت
بشكليها القديم والجديد — يمكن أن تستعيد مكانتها تدريجياً. أما إذا بقيت مؤسسات
الدولة ضعيفة أو عاجزة، فإن أي عملة ستولد وهي تحمل بذور الانهيار ذاتها.
سوريا اليوم تقف أمام فرصة نادرة، لا تتكرر في كل العقود.
فرصة لتأسيس نظام مالي جديد، لصياغة هيبة نقدية جديدة، ولمعالجة جرح اقتصادي طال
أمده. قد تكون الليرة جزءاً من هذا المستقبل، وقد تحمل اسماً جديداً، لكن الأهم أن
تحمل معنى جديداً: معنى دولة قادرة على حماية اقتصادها وبناء مستقبل يليق بشعبها
اكتب مراجعة عامة