أخذتني الخطوات، لا على هدى تخطيط مسبق، بل بدفع من الشوق الخفي لمدن لها في الذاكرة والوجدان صولات وجولات، حتى رست بي في مدينة الفلوجة. تلك المدينة التي ما إن يُذكر اسمها إلا وتطايرت حمم الملاحم وصور التضحية، مدينة العز والصمود التي دافعت عن نفسها وعن الأمة في معركتين سجلتا بدم القاني أروع صفحات الفداء.
لم أجدني إلا وقد انحرفت بي الطريق نحو مكان مقدس صامت، حيث تُرابٌ يضم أقدس ما قدمته هذه المدينة للوطن والعقيدة: مقبرة الشهداء.
هناك، بين شواهد بيضاء تشهد على قصص انتهت فصولها في عالمنا الفاني، ولكنها بدأت فصولها الخالدة في رياض الباقيات، تجولتُ بخطوات مثقلة. كانت عيناي تتنقلان بين قبور صفت بانتظام، لكن أرواح أصحابها صعدت بغير انتظام؛ أرواح شباب في مقتبل العمر، ودعاة حملوا نور الكلمة، ومشايخ تقدموا الصفوف، جميعهم قدموا أنفسهم قرابين دفاعاً عن الدين، والعرض، والعقيدة، والبلد في معركتي الفلوجة الأولى والثانية.
هؤلاء الذين وهبوا أغلى ما يوهب في الحياة، قدموا زهْرة أعمارهم ثمناً لمبادئ عظمى. كنت أنظر إلى شواهد قبورهم الشامخة التي تحمل أسماءً غادرت، وأتساءل بألم يمزق الصدر: أين نحن من هؤلاء؟
مما يعزّ على النفس ويثقلها أن أرى عظمة تضحيتهم في صمت هذا المكان، وفي المقابل، أرى صخب الحياة من حولنا. لقد رحلوا بعز وكرامة، وظننا أن دمهم سيكون صوتاً مدوياً لا يخفت، ومنارة تهدي الأجيال. ولكن يا أسفي، لقد انشغل الكثيرون بعدهم، بل ابتعدوا عنهم وعن ذكراهم.
تلك المبادئ التي ماتوا من أجلها - الشرف، العزة، الكرامة، الدفاع عن الحق - باتت في زمننا هذا كأنها أساطير قديمة. لقد ابتلعتنا الحياة المادية، وانغمسنا في البحث عن المجد الشخصي الدنيوي والتفاهات الزائلة، وتركنا خلفنا "معالي الأمور" التي عاشوا وماتوا عليها.
أصبحنا نعيش غربة القيم في زمن اللا-قيم. غربة باتت فيها المبادئ تباع وتشترى بين الرجال، وكأنها سلع رخيصة تُعرض في سوق المصالح الرخو. غربة تجعل روح الشهيد تبكي في عليائها على أمة تاهت عن البوصلة التي رسمها بدمه.
يا له من عمر أطاله الله لنا، لنعيش ونشهد غربة الزمن هذه. تلك القبور الشامخة، التي تنضح عزة وفخاراً، هي اليوم أصدق شاهد على عظمة التضحية، وهي أيضاً أنذر صرخة في وجه الضمير الغافل: هل كان ثمن هذا الدم غالياً حتى يُنسى أصحابه وتُهجر مبادئهم؟!
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة. وذكّرنا بهم، وبما ضحوا من أجله، حتى لا نكون جزءاً من هذا النسيان المهين لذكراهم.
كتبه : د. صلاح الدليمي
اكتب مراجعة عامة