img
img

مقال: منهج النجاة من عبودية العصر

img
الشبكة

مقال: منهج النجاة من عبودية العصر


سلسلة: {وذكرهم بأيام الله}



أ.سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض




حاد الكثير عن منهج الله وعن هدي رسول الله ﷺ 

فجرفتهم الحضارة المادية التي تأله الرأسمالية 

وتريد أن تجعل من الانسان عبدا لأرباب رؤوس الأموال.

فترى اليوم السعي المسعور  الذي تزيِّنه لك شاشاتٌ ملوَّنةٌ 

هو الطُعْمُ الذي يسحبك إلى أوحال الشراء العبثي،

و إلى دوامة الاستهلاك المنفلت.

والجري خَوْفًا من فقرٍ قد يطرق الباب. 

فصرتَ تكدح ليل نهار لشراء الكماليات،

ثم تكدح أكثر لشراء كماليات الكماليات!

وأمسى قلبكَ سجينًا بين مطرقة الخوف من المستقبل الذي تسعى لتأمينه

وسندان الإغراء بالعرض الذي تخاف تفويته

وفي خضم هذه العاصفة الهوجاء، تساوت عندك درجات الهموم، 

فصار خبر  مجزرة في السودان يجاور  في قائمة تصفحك إعلان تخفيضات الهواتف!

وصرخة امرأة غرقت وخيمتها بسبب أمطار غزة تتساوى مع صفقة "الجمعة السوداء"!

فلا بوصلة عدلت ولا جمعت قلبك على دعاء ولا تلبية نداء ينفعك عند اللقاء!


يقول النبي ﷺ: " بُعِثتُ بين يدي الساعةِ بالسَّيفِ، حتى يُعبَدَ اللهُ تعالى وحده لا شريكَ له، و جُعِلَ رِزْقي تحت ظِلِّ رُمْحي، وجُعِلَ الذُّلُّ و الصَّغارُ على من خالفَ أمري، و من تشبَّه بقومٍ فهو منهم".


فلماذا تضع رزقك تحت أقدام أرباب العمل، 

وتبيع كرامتك في مزاد الرغبات؟


أما آن لك أن تتحرر؟

أما شعرتَ أنك تخوض معركة وهمية صنعها لك نظامٌ لا يريد لك أن ترفع رأسك عن متاع الدنيا؟


فالخروج من هذه الدوامة يبدأ بارتقاء همومك.

من سعي محموم على تحصيل الدرهم والدينار،

إلى هم براءة ذمتك من حق إخوانك عليك لما تلقى الله.

من همّ الشراء إلى همّ البذل والعطاء. 

من شعار "أنا ومن ورائي الطوفان" إلى أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك

أن تحقق الغاية التي لأجلها خلقت:


{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات]


كل خطوة تخطوها ابتغاء وجه الله هي ثورة على عبودية المادة.

وكل لحظة تخصصها لذكر الله هي انتزاع من زحام الدنيا. 

وكل درهم تنفقه في سبيل الله هو إعلان استقلال عن سلطة المال.

إن الحل لك ليس في الهروب من العمل، بل في تغيير نية العمل. 

ليس في مقاطعة السوق، بل في ضبط بوصلة القلب وكبح للهوى.

ليس في عزلة عن العالم، بل في تفاعل معه بنفس المؤمن الواثق بربه.

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 15-16].


محسنًا في نيتك، محسنًا في عملك،

محسنًا في إنفاقك، محسنًا في تربيتك

لأنك تعلم هدف وجودك: أنك هنا لتعبد، لا لتكدح فحسب. 

لتربي أولادك على هموم الأمة لا على صيحات الموضة التي أغرقت الأسواق..

لتعلِّم بناتك إعداد الرجال لا الاكتفاء بإعداد الطعام.

اجعل بيتك مدرسة للإيمان لا فقط ملاذا وراحة للأبدان.

إن القادم من أمر الأمة لا يحتاج مستهلكين بارعين، 

بل يحتاج مصلحين مخلصين.

لا يحتاج متسوقين محترفين،

بل يحتاج مجاهدين صادقين. 

فالرزق مضمون، والعمر محدود، وسلعة الله غالية: سلعة الله الجنة.

{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)} [الذاريات].


جاء في تفسير الطبري: "قال الحسن : بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : "قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه، قال الله تعالى: فورب السماء والأرض إنه لحق"


ألم يأن لقلبك أن يهدأ؟ 

ألم يحن الوقت للتائه أن يعود؟ 

{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50].

فِرَّ من عبودية المادة إلى عبودية الخالق.

من سجن الهموم الدنيوية إلى فضاء الهم الأخروي.

من ظلمات القلق على الرزق إلى نور اليقين بالرزاق.


قال رسول الله ﷺ: "من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه، جمع اللهُ له أمرَه، وجعل غناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ"

تعليقات

الكلمات الدلالية