في كثير من المؤسسات، تبدأ الحكاية
بشعورٍ جميل: “لقد كَبِرنا… حان وقت الفرع الجديد”. يزداد الحماس، وتتسارع الاجتماعات،
ويسود شعور بأن التوسّع هو الخطوة الطبيعية لكل مؤسسة ناجحة. لكن ما إن تُفتَح الأبواب
للمشروع الجديد، حتى يظهر السؤال الغائب وسط الضجيج: هل كنّا جاهزين فعلًا؟
التوسّع غير المرتّب يشبه السير
على أرض لم تُرصّ بعد. قد يبدو المشهد جذابًا، لكن خطوة واحدة غير محسوبة قد تكشف هشاشة
البنية من الداخل. وتشير الأدبيات العربية في الإدارة إلى أن النمو السريع دون جاهزية
تنظيمية يُعَدّ أحد أبرز أسباب التعثر المؤسسي [1].
فالمؤسسة التي تتوسع قبل أن تستقر،
تكتشف سريعًا أن مشاكلها لا تختفي… بل تتكاثر معها، وهو ما يناقشه عدد من الباحثين
العرب في إدارة المنظمات ونموّها
[2].
خذ مثالًا لمؤسسةٍ تبدأ مشروعًا
جديدًا بينما إجراءاتها الداخلية ما تزال غير واضحة، أو حين تعتمد بشكل كبير على أفراد
بعينهم بدل نظامٍ مؤسسي. مع بداية التوسّع، تتسع المسؤوليات… بينما تبقى البنية التشغيلية
نفسها، ضعيفة ومثقلة.
ومع الوقت، تبدأ مؤشرات الخلل
بالظهور، بعضها واضح من اللحظة الأولى، وبعضها ينمو بصمت حتى يتحول إلى أزمة كبيرة.
وهذا ما يسمّيه بعض الباحثين فوضى التوسع وما ينتج عنها من تشتيت مؤسسي [3].
مظاهر التوسّع غير المدروس :
تشتت الجهود وضعف تركيز المؤسسة
على أهدافها الأساسية
[4].
تراجع جودة الخدمات مع اتساع
المهام وقلة الكوادر المؤهلة
[2].
ظهور أعباء مالية لم تكن محسوبة،
ما يؤثر في الاستدامة والقدرة على الاستمرار [1].
ضعف منظومات الرقابة والمتابعة.
قرارات توظيف متسرّعة تؤثر في
جودة الأداء على المدى البعيد
[5].
ومع مرور الوقت، يشعر الفريق
أن المؤسسة لم تتوسع حقًا… بل تبعثرت.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن
التوسّع جاء قبل اكتمال البنية الداخلية. فالتوسّع الصحيح يعتمد على ما يسميه الخبراء
“القابلية المؤسسية للنمو”، وهي قدرة المنظمة على التوسع دون أن تهتز أو تفقد هويتها [6].
أسس التوسّع الصحيح :
وتشير الدراسات العربية في الإدارة
المعاصرة إلى أن أي توسّع ناجح يحتاج قبل كل شيء إلى:
إجراءات واضحة تُنظّم العمل وتضمن
اتساقه [4].
فريق مؤهل قادر على حمل مسؤوليات
إضافية [5].
استقرار مالي يسمح بتغطية التوسّع
حتى مع تباطؤ الإيرادات
[1].
رسالة وهوية مؤسسية واضحة.
مأسسة العمل وتخفيف الاعتماد
على الأشخاص [6].
عندما تتحقق هذه الشروط، يصبح
التوسّع امتدادًا طبيعيًا لا عبئًا إضافيًا.
التوسّع الحقيقي ليس في إضافة
فروع جديدة… بل في قدرة المؤسسة على الحفاظ على اتزانها مهما اتسعت خطواتها.
والمؤسسة التي لا تُتقن إدارة
ما بين يديها، لن تُحسن إدارة ما يتضاعف منها.
المراجع :
[1] جلال، عبد الرحمن. إدارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
دار تهامة للنشر.
[2] الخطيب، محمد سعيد. إدارة النمو والتوسع في المنظمات.
مكتبة الرشد، الرياض.
[3] العقيلي، عبد الله. مشكلات النمو المؤسسي وأثرها على الأداء.
منشورات جامعة الملك سعود.
[4] الرشيد، عبد العزيز. الإدارة الحديثة: المفاهيم والأسس.
دار صفاء للنشر والتوزيع.
[5] النجار، عبد الكريم. إدارة الموارد البشرية في المنظمات
العربية. دار المسيرة، عمّان.
[6] عواد، فوزي. قابلية التوسع المؤسسي (Scalability) في الإدارة الحديثة. دار اليازوري العلمية.
اكتب مراجعة عامة