img
img

ترتيب الأولويات: بين هموم الدنيا وهموم الأمة

img
الشبكة

ترتيب الأولويات: بين هموم الدنيا وهموم الأمة

 أ.د عصام اشويدر رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 




  • مقدمة: الأمة بين الوعي والغفلة

  • بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

  • في زمن تتوالى فيه المآسي على الأمة الإسلامية كتوالي الأمواج - من إبادة في غزة، إلى تطهير عرقي في تركستان الشرقية، إلى مجازر في بورما، إلى حرب أهلية مدمرة في السودان، إلى اعتقالات ممنهجة للعلماء والمفكرين - يعيش كثير من المسلمين في غفلة مريرة عن واقعهم، منشغلين بتفاصيل الحياة اليومية وكأن شيئًا لم يكن.

  • إن هذه الغفلة ليست عفوية، بل هي نتيجة مخطط محكم لتفريغ الأمة من محتواها، وتحويل أبنائها إلى مستهلكين منزوعي الهوية، لا يحملون همًّا ولا يعرفون قضية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى"[^1]. فأين نحن من هذا الوصف النبوي؟

  • أولًا: تشخيص الداء - كيف تشتت همومنا؟

  • 1. الاستعباد الاستهلاكي المنظم

  • لقد نجحت الرأسمالية العالمية في خلق منظومة استهلاكية شرسة تحوّل الإنسان إلى عبد للسلعة، حيث:

  • - تُخلق الحاجات الوهمية: كل يوم نُقنع بأننا بحاجة إلى منتج جديد، هاتف أحدث، سيارة أفخم، حتى صارت الكماليات في نظرنا ضرورات لا يمكن الاستغناء عنها.

  • - الإعلام والتسويق المكثف: يُستهدف المسلم بآلاف الرسائل الإعلانية يوميًا، تشغل ذهنه وتستنزف وقته، من "الجمعة السوداء" إلى "عروض الموسم"، في دوامة لا تنتهي.

  • - الديون والقروض: يُدفع الناس إلى الاستدانة لتمويل نمط حياة استهلاكي، فيصبحون أسرى للبنوك والمؤسسات المالية، عاجزين عن التفكير في أي مشروع خارج دائرة سداد الديون.

  • 2. التفريغ الفكري والروحي

  • هناك مخطط ممنهج لتفريغ الأمة من قضاياها الكبرى:

  • - السيطرة على التعليم: حيث يُخرّج أجيال بلا هوية، لا تعرف تاريخها ولا تدرك قضاياها، همّها الأول الشهادة والوظيفة والراتب.

  • - الإعلام المخدر: الذي يغرق الناس في التفاهات، من برامج الترفيه السطحية إلى الجدالات الفارغة، بينما تُذبح الأمة ولا يتحرك ساكن.

  • - تجريم الوعي: حيث يُعتقل العلماء والمفكرون الذين يحملون همّ الأمة، ويُشوّه كل صوت يدعو إلى الوعي والنهضة، ليبقى المسلم في دائرة الأمان الوهمي: لا تفكر، لا تسأل، لا تتحرك.

  • 3. غياب القدوة والنموذج

  • عندما ننظر إلى واقعنا، نجد غياب النماذج الملهمة التي تحمل همّ الأمة. أصبح النجاح يُقاس بالثراء المادي، والمشاهير هم رجال الأعمال والفنانون والرياضيون، بينما تُهمّش قصص العلماء والمصلحين والمجاهدين.

  • ثانيًا: الأصل الشرعي - كيف رتّب الإسلام الأولويات؟

  • 1. الهمّ الجماعي مقدّم على الهمّ الفردي

  • الإسلام دين جماعي بطبعه، لا يعرف الفردانية الأنانية. يقول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[^2]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن أصبح لا يهتمُّ بأمر المسلمين فليس منهم"[^3].

  • هذا الحديث صريح وواضح: الاهتمام بأمر المسلمين علامة إيمان، والإعراض عنه نقص في الدين. فكيف بمن يعلم بما يحدث في غزة من إبادة جماعية، وفي تركستان من تطهير عرقي، وفي بورما من مجازر ممنهجة، وفي السودان القتل بالوكالة،  ثم لا يتحرك له ساكن؟

  • 2. الرزق مكفول والأجل محدود

  • قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}[^4]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا"[^5].

  • المشكلة أننا نعيش في وهم أننا من يصنع رزقنا، فنستعبد أنفسنا للوظائف والمشاريع، ونضيع أعمارنا في تحصيل ما هو مكتوب لنا. التوكل لا يعني ترك الأسباب، لكنه يعني عدم استعباد النفس للمال، والسعي بقدر الحاجة لا بقدر الطمع.

  • 3. من جعل همه الآخرة كفاه الله همّ دنياه

  • قال صلى الله عليه وسلم: "مَن كانت الآخرة همَّه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومَن كانت الدنيا همَّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدّر له"[^6].

  • الحديث واضح: توحيد الهمّ هو المفتاح. عندما تجعل همّك واحدًا - رضا الله ونصرة دينه ونهضة أمتك - تستريح من تشتت القلب، وتجد البركة في وقتك ومالك وحياتك.

  • ثالثًا: النموذج العملي - كيف عاش الصحابة؟

  • 1. مصعب بن عمير: من الترف إلى الشهادة

  • كان مصعب من أكثر شباب مكة ترفًا ونعومة، لكنه عندما آمن رتّب أولوياته، فترك الترف وحمل همّ الدعوة، حتى استشهد وليس له إلا ثوب واحد لا يكفي لتغطية جسده[^7]. هذا هو الوعي الحقيقي: أن تعرف ما تعيش لأجله.

  • 2. أبو بكر الصديق: سخّر ماله كله
  • عندما جهّز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، جاء أبو بكر بماله كله. قال له النبي: "ما أبقيت لأهلك؟" قال: "أبقيت لهم الله ورسوله"[^8]. هنا الأولوية الواضحة: نصرة الدين أهم من الادخار والتخطيط المالي الدنيوي.

  • 3. عمر بن الخطاب: همّ الرعية قبل النوم

  • كان عمر رضي الله عنه يقول: "لو مات جمل على شط الفرات ضياعًا، لخشيت أن يسألني الله عنه"[^9]. هذا هو الحسّ بالمسؤولية، هذا هو الوعي بأن قضايا الأمة ليست ترفًا فكريًا بل واجب شرعي.

  • رابعًا: كيف نرتّب أولوياتنا عمليًا؟

  • 1. التحرر من الاستعباد المادي

  • - اعتمد القناعة منهجًا: لا تجعل السعادة مرتبطة بامتلاك أحدث الأشياء. قال صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس"[^10].

  • - قلّص نفقاتك الكمالية: كل درهم توفره من الكماليات يمكن أن يُنفق في نصرة قضية، إغاثة محتاج، دعم مشروع دعوي.

  • - احذر من الديون: الدَّيْن استعباد، قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضَلَع الدَّين وغلبة الرجال"[^11].

  • 2. التحرر الفكري والمعرفي

  • - اقرأ واعرف قضايا أمتك: لا تكتفِ بما تبثه وسائل الإعلام المضللة. ابحث، اقرأ، تابع مصادر موثوقة تُطلعك على حقيقة ما يجري.

  • - علّم أبناءك: اجعل قضايا الأمة جزءًا من التربية اليومية. تحدث معهم عن فلسطين، عن تركستان، عن بورما، عن السودان. اجعلهم يعرفون أن لهم إخوة يتألمون.

  • - احضر الدروس والمحاضرات: التي تُعنى ببناء الوعي الشرعي والفكري، واحذر من الخطاب المخدّر الذي يُبعدك عن قضايا أمتك.

  • 3. العمل والمساهمة الفعلية

  • النصرة ليست مجرد شعور بالحزن، بل هي عمل وحركة:

  • - الدعم المالي: كل ما تستطيع التبرع به لإغاثة المنكوبين والمحاصرين هو جهاد بالمال. قال تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[^12].

  • - الإعلام والتوعية: استخدم وسائل التواصل في نشر الحقيقة، في فضح المجازر، في دعم القضايا العادلة. كلمة الحقّ جهاد.

  • - المقاطعة الاقتصادية: مقاطعة الشركات التي تدعم الاحتلال والظلم سلاح فعّال. كل منتج تشتريه هو تصويت على سياسة الشركة.

  • - الدعاء والتضرع: لا تستهن بسلاح الدعاء. قال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن"[^13]. اجعل جزءًا من دعائك اليومي للمستضعفين في غزة وتركستان وبورما والسودان وفي كل مكان.

  • 4. بناء المشاريع النهضوية

  • الأمة لا تنهض بالعواطف وحدها، بل بـالمشاريع الجادة:

  • - المشاريع الدعوية: التي تنشر الوعي وتصحح المفاهيم.
  • - المشاريع التعليمية: أكديميات ، مدارس، معاهد، مراكز بحثية تُخرّج جيلًا واعيًا.
  • - المشاريع الإعلامية: منصات إعلامية نظيفة تنقل الحقيقة.
  • - المشاريع الاقتصادية: مؤسسات اقتصادية إسلامية تُحقق الاكتفاء الذاتي وتُقلل التبعية.

  • خامسًا: خطاب للنخبة - العلماء والمفكرون والدعاة

  • إن مسؤوليتكم مضاعفة، فأنتم من يُفترض أن يحمل مشعل الوعي:

  • - لا تسكتوا عن الظلم: السكوت عن الحق شيطان أخرس. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}[^14].

  • - ربّوا الأجيال على الوعي: لا تقتصروا على العبادات الفردية، بل اجعلوا الأمة وقضاياها جزءًا من الخطاب التربوي.

  • - اصمدوا رغم الضغوط: نعم، الثمن قد يكون باهظًا - الاعتقال، التضييق، المنع - لكن هذا هو الطريق. قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}[^15].

  • خاتمة: سؤال المصير

  • في النهاية، كل واحد منا سيُسأل: ماذا قدّمت لأمتك؟

  • لن ينفعك يوم القيامة أن تقول: كنت مشغولًا بالعمل، كنت أوفّر لمستقبل أبنائي، كنت أسدد ديوني. كل هذا مقبول إن كان في حدود الاعتدال، لكنه لا يُعفيك من المسؤولية الكبرى: أن تكون جزءًا من نهضة هذه الأمة.

  • يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}[^16].

  • رتّب أولوياتك اليوم، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.

  • تذكّر: أنت لست مجرد فرد يعيش لنفسه، بل أنت جزء من أمة، ولك دور في نهضتها أو في غفلتها.

  • {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[^17]

  • والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



  • المراجع

  • [^1]: رواه البخاري (6011) ومسلم (2586) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

  • [^2]: سورة التوبة: 71.

  • [^3]: رواه الطبراني في المعجم الكبير (10/273)، والحاكم في المستدرك (4/270)، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (6545).

  • [^4]: سورة هود: 6.

  • [^5]: رواه الترمذي (2344) وابن ماجه (4164) وأحمد (1/30)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

  • [^6]: رواه ابن ماجه (4105) والترمذي (2465)، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (6510).

  • [^7]: روى البخاري (3911) ومسلم (940) عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله... ومنا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أحد، فلم نجد له شيئًا نكفنه فيه إلا بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه".

  • [^8]: رواه أبو داود (1678) والترمذي (3675)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

  • [^9]: رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/305)، وعبد الرزاق في المصنف (20560).

  • [^10]: رواه البخاري (6446) ومسلم (1051) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

  • [^11]: رواه البخاري (6369) ومسلم (589) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

  • [^12]: سورة التوبة: 41.

  • [^13]: رواه الحاكم في المستدرك (1/492)، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (3409).

  • [^14]: سورة البقرة: 159.

  • [^15]: سورة العنكبوت: 2.

  • [^16]: سورة التوبة: 38.

  • [^17]: سورة التوبة: 105.

تعليقات

الكلمات الدلالية