د. ياسر قطب
خبيروكيل المعهد العربي للاعتماد – دولة قطرخبير استراتيجي، باحث ومحاضر في الطب التكاملي والعلوم البينية والعلوم الإنسانية عضو هيئة التدريس – جامعة الإسطرلاب الدولية
تشهد المجتمعات العربية اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في
تاريخها المعاصر؛ مرحلة تتداخل فيها المعلومات مع التأثيرات النفسية، وتتقدم فيها
التكنولوجيا بسرعة تفوق قدرة الأفراد على الاستيعاب والمراجعة. في هذا السياق،
يصبح الوعي ليس مجرد حالة معرفية، بل متطلبًا حتميًا لضمان الأمن الفكري
والاجتماعي، وشرطًا أساسيًا لحماية جودة القرار الفردي والمؤسسي.
لقد أصبحت الساحة الرقمية بيئة خصبة لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي.
فالتقنيات الحديثة—من الخوارزميات إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي—لا تكتفي بعرض
المحتوى، بل توجهه وتعيد ترتيبه بما يخدم نماذج مالية أو سياسية أو اجتماعية، مما
يجعل الإنسان عُرضة لتأثيرات غير مرئية تُصنَع في الخلفية. هنا يتحول فيض
المعلومات إلى سلاح ناعم قادر على خلق قناعات سريعة دون المرور بعمليات
التفكير النقدي.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم ليس المعلومات
المضلِّلة فحسب،
بل فقدان القدرة على التمييز؛ أي تراجع قدرة الفرد على التفريق بين الحقيقة
والمحتوى المصمَّم للتأثير على آرائه وتوجهاته. وفي ظل هذا التحدي، يصبح الوعي
مرجعًا استراتيجيًا يحمي المجتمع من الانسياق خلف الروايات السريعة، ويعيد للعقل
قدرته على الفحص والتحقق والقراءة النقدية قبل اتخاذ القرار.
ومن منظور الجودة والحوكمة، يبرز الوعي بوصفه مكوّنًا استراتيجيًا
في صناعة القرار، لا يقل أهمية عن المعايير والإجراءات. فالمنظمة التي لا تمتلك
كوادر بوعي رقمي وفكري متزن، تصبح فريسة للتأثيرات الخارجية، وتفقد القدرة على
حماية مصداقيتها واستدامتها.
إن الاستثمار في الوعي اليوم هو استثمار في أمن المجتمع وفاعلية المؤسسة وقدرة الفرد على التفكير المستقل. وبين الفوضى الرقمية وتحديات المستقبل، يظل الوعي المتزن هو الضمانة الأساسية لكي تبقى الحقيقة واضحة، والقرار رشيدًا، والإنسان قادرًا على قيادة ذاته في عالم يتغير كل لحظة
اكتب مراجعة عامة