img
img

وهم الحياد: كشف المرجعيات الأيديولوجية للمنظمات الحقوقية العالمية والدعوة لنهضة حقوقية إسلامية

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

وهم الحياد: كشف المرجعيات الأيديولوجية للمنظمات الحقوقية العالمية والدعوة لنهضة حقوقية إسلامية

أ.د عصام اشويدر

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 





 مقدمة


لا توجد منظمة حقوقية في العالم تعمل في فراغ فكري أو قيمي. فكل منظمة معنية بحقوق الإنسان، سواء كانت دولية أو إقليمية أو محلية، تنطلق من منظومة فكرية وفلسفية تشكل إطارها المرجعي في تعريف الحقوق وتحديد أولوياتها وآليات الدفاع عنها. وهذه حقيقة موضوعية يغفل عنها كثيرون ممن يتعاملون مع الخطاب الحقوقي باعتباره خطابًا محايدًا عابرًا للثقافات والحضارات.


يهدف هذا البحث المختصر إلى تفكيك الادعاء بحياد المنظمات الحقوقية، وإثبات أن لكل منها مرجعيتها الخاصة، مع تقديم شواهد واقعية على ذلك من المنظمات الدولية والمحلية. كما يسعى البحث إلى تأسيس ضرورة عمل المنظمات الحقوقية في البلدان الإسلامية انطلاقًا من مرجعية إسلامية أصيلة.


 أولًا: المرجعيات الفكرية للمنظمات الحقوقية العالمية

وبعض الأمثلة لأشهرها :


 1. المرجعية الليبرالية الغربية


تستند معظم المنظمات الحقوقية الدولية الكبرى إلى الفلسفة الليبرالية الغربية التي تطورت منذ عصر التنوير الأوروبي. هذه الفلسفة تقوم على مبادئ الفردانية، والعلمانية، وفصل الدين عن الحياة العامة، وأولوية الحريات الفردية.


أ. منظمة العفو الدولية (Amnesty International)


تأسست منظمة العفو الدولية عام 1961 على يد المحامي البريطاني بيتر بينينسون، وتعمل وفق رؤية ليبرالية تركز على الحقوق المدنية والسياسية. تتبنى المنظمة مواقف صريحة تجاه قضايا مثل الإجهاض والمثلية الجنسية، منطلقة من مفهوم الحرية الفردية المطلقة.


في تقريرها السياساتي لعام 2007، أعلنت منظمة العفو الدولية رسميًا دعمها لإلغاء تجريم الإجهاض في جميع الحالات، معتبرة ذلك حقًا من حقوق الإنسان (Amnesty International, 2007, "Amnesty International's Policy on Abortion"). كما دعمت المنظمة بشكل صريح حقوق المثليين والمتحولين جنسيًا، واعتبرت أي تشريعات تجرم الممارسات الجنسية المثلية انتهاكًا لحقوق الإنسان (Amnesty International, 2013, "Making Love a Crime: Criminalization of Same-Sex Conduct in Sub-Saharan Africa").


و يشير الباحث عبد الله النعيم في كتابه "الإسلام وحقوق الإنسان: رؤية عبر ثقافية" إلى أن منظمة العفو الدولية تعمل ضمن إطار مرجعي ليبرالي واضح، وأن مواقفها تعكس قيم المجتمعات الغربية أكثر من كونها عالمية حقيقية (النعيم، 2005).



 ب. منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)


تأسست عام 1978 كمنظمة "هلسنكي ووتش" لمراقبة التزام الاتحاد السوفيتي باتفاقيات هلسنكي. تعمل المنظمة ضمن إطار مرجعي ليبرالي علماني، وتركز على الحريات الفردية والديمقراطية بالمفهوم الغربي.


كتب مؤسس المنظمة روبرت بيرنشتاين في صحيفة نيويورك تايمز عام 2009 مقالًا انتقد فيه تحيز المنظمة ضد إسرائيل، مشيرًا إلى أن المنظمة تطبق معايير مزدوجة بسبب انحيازاتها الأيديولوجية (Bernstein, R., 2009, "Rights Watchdog, Lost in the Mideast", The New York Times).


و أشار الدكتور محمد عمارة في كتابه "الإسلام وحقوق الإنسان: ضرورات.. لا حقوق" إلى أن هذه المنظمات تعمل وفق أجندة غربية واضحة، وتحاول فرض نموذج ثقافي واحد على العالم (عمارة، 2002).


 2. المرجعية الدينية المسيحية


 أ. الصليب الأحمر الدولي (International Committee of the Red Cross)


رغم ادعاء الحياد، فإن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تأسست عام 1863 على يد هنري دونان السويسري ذي الخلفية البروتستانتية، واختارت الصليب شعارًا لها، وهو رمز مسيحي بامتياز. ولم يتم الاعتراف بالهلال الأحمر كرمز بديل إلا بعد ضغوط من الدول الإسلامية، وظل الصليب هو الرمز الأساسي (Moorehead, C., 1998, "Dunant's Dream: War, 


Switzerland and the History of the Red Cross", London: HarperCollins).


و يذكر الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه "حق الحرية في العالم" أن اختيار الصليب كرمز يعكس الجذور المسيحية للمنظمة، وأن الحياد المزعوم لا يخفي الخلفية الدينية والثقافية (الزحيلي، 2000).


 ب. منظمات حقوقية مسيحية صريحة


هناك العديد من المنظمات الحقوقية التي تعلن صراحة عن مرجعيتها المسيحية، مثل:


- Christian Solidarity Worldwide: منظمة بريطانية تدافع عن حقوق المسيحيين المضطهدين حول العالم، وتعمل وفق مرجعية مسيحية إنجيلية واضحة.


- International Christian Concern: منظمة أمريكية تركز على حماية المسيحيين من الاضطهاد الديني.


هذه المنظمات لا تخفي مرجعيتها الدينية، بل تعلنها صراحة في مواثيقها ورسالتها (Marshall, P., Gilbert, L., & Shea, N., 2013, "Persecuted: The Global Assault on Christians", Thomas Nelson).


 3. المرجعية القومية والأيديولوجية


أ. منظمات حقوقية صينية



تعمل المنظمات الحقوقية الصينية الحكومية وفق المرجعية الماركسية-اللينينية، وتقدم مفهومًا للحقوق يختلف جذريًا عن المفهوم الغربي، حيث تعطي الأولوية للحقوق الجماعية والتنمية الاقتصادية على الحريات الفردية.


في الكتاب الأبيض الصادر عن مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني بعنوان "حقوق الإنسان في الصين" (2004)، تؤكد الحكومة الصينية أن مفهوم حقوق الإنسان يجب أن يراعي الخصوصية الثقافية والمرحلة التنموية لكل بلد (Information Office of the State Council, 2004, "Human Rights in China", Beijing).


و يشير الدكتور محمد السماك في كتابه "حقوق الإنسان: مفهومات وتطبيقات" إلى أن النموذج الصيني يمثل مرجعية مختلفة تمامًا، قائمة على الفلسفة الكونفوشيوسية والماركسية (السماك، 2008).


 ب. المنظمات الحقوقية الإسرائيلية


تعمل منظمات حقوقية إسرائيلية مثل "بتسيلم" و"عير عميم" ضمن إطار الأيديولوجية الصهيونية، حتى وإن انتقدت بعض ممارسات الحكومة. فهي تعمل ضمن الإجماع الصهيوني على أن إسرائيل "دولة يهودية"، ولا تطالب بحق العودة للفلسطينيين بشكل كامل.


كتبت الباحثة ريبيكا فيليت في مقالها "The Left and the Legitimacy of Israel" أن حتى المنظمات الحقوقية الإسرائيلية اليسارية تعمل ضمن إطار المشروع الصهيوني الأساسي (Vilkomerson, R., 2018, في: Jewish Voice for Peace).


و يوضح الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية" أن الخطاب الحقوقي الإسرائيلي مرتبط بالأيديولوجية الصهيونية حتى في أكثر أشكاله ليبرالية (المسيري، 1999).


 ثانيًا: المرجعيات الفكرية للمنظمات الحقوقية المحلية


 1. في العالم العربي والإسلامي


أ. منظمات حقوقية ذات مرجعية علمانية 


معظم المنظمات الحقوقية في العالم العربي تعمل وفق مرجعية علمانية ليبرالية ، او ماركسية يسارية ،مستوردة من الغرب، مثل:


 في المغرب:


. الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH)

تتبنى خطابًا ماركسيًا يساريًا واضحًا، وتعمل وفق مرجعية علمانية متطرفة. وقد وصل الأمر بها إلى عرض فيلم في مقرها بالرباط يسيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم عام 2012، مما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا واتهامات بازدراء الأديان. تركز الجمعية على قضايا "الحريات الفردية" بمفهومها الغربي المطلق، بما في ذلك الدعوة لإلغاء تجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والمثلية الجنسية.


المرجع العربي: وثق الدكتور أحمد الريسوني في مقالاته هذا الحادث واعتبره انحرافًا خطيرًا عن قيم المجتمع المغربي (الريسوني، مقالات في جريدة التجديد، 2012).


. المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب

رغم كونه مؤسسة دستورية، إلا أنه يعمل وفق الخطاب الأممي الغربي دون مراعاة كافية للخصوصية الإسلامية للمغرب. يتبنى المجلس توصيات تتعارض مع الشريعة الإسلامية في قضايا الإرث وقوانين الأسرة.


المرجع: تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2015-2020، الرباط.


. جمعية حقوق الإنسان بمراكش

تركز على الحريات الفردية المطلقة وتدافع عن "حق" الإفطار العلني في رمضان، وتطالب بإلغاء "المادة 490" من القانون الجنائي التي تجرم العلاقات الجنسية خارج الزواج.


 في تونس:


. الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (LTDH)

أقدم منظمة حقوقية في العالم العربي (تأسست 1977)، تتبنى مرجعية علمانية فرنكوفونية واضحة. عارضت بشدة أي إشارة للشريعة الإسلامية في الدستور التونسي بعد 2011، ووصفت ذلك بـ"التهديد للحريات". تتبنى مواقف متطرفة في قضايا المساواة المطلقة في الميراث والدعوة لإلغاء تعدد الزوجات.


المرجع الأجنبي: وثق الباحث ألفريد ستيفان في دراسته عن تونس دور هذه المنظمات في فرض النموذج العلماني (Stepan, A., 2012, "Tunisia's Transition and the Twin Tolerations", Journal of Democracy).


. جمعية النساء الديمقراطيات


تتبنى خطابًا نسويًا راديكاليًا معاديًا لأي دور للإسلام في الحياة العامة. تدعو صراحة لإلغاء جميع القوانين المستمدة من الشريعة، وتعتبر الحجاب "قمعًا للمرأة".


المرجع العربي: انتقد الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه "فقه التدين فهمًا وتنزيلاً" تطرف هذه المنظمات وبعدها عن الهوية الإسلامية للمجتمع التونسي (النجار، 2017).


. جمعية "شمس" للمثليين والمثليات

أول جمعية تونسية تدافع صراحة عن المثلية الجنسية، وتطالب بإلغاء "الفصل 230" من المجلة الجزائية التي تجرم اللواط. تتلقى دعمًا من منظمات غربية، وتعمل وفق أجندة مناقضة تمامًا للقيم الإسلامية.


المرجع: تقرير منظمة Human Rights Watch عن تونس (2016) يشيد بعمل هذه الجمعية، مما يؤكد الارتباط الأيديولوجي.


في الخليج العربي:


. جمعية حقوق الإنسان (السعودية)

رغم كونها منظمة محلية، إلا أنها تتبنى في كثير من مواقفها الخطاب الأممي الغربي دون تكييف كافٍ مع الشريعة الإسلامية. ركزت في بعض تقاريرها على "قيود الحريات الدينية" بما يشمل انتقاد تطبيق الحدود الشرعية.


المرجع العربي: انتقد الشيخ سلمان العودة في محاضراته ضرورة أن تعمل المنظمات الحقوقية السعودية من منطلق إسلامي واضح (العودة، محاضرات صوتية، 2015).


. جمعية البحرين لحقوق الإنسان

تتبنى خطابًا علمانيًا ليبراليًا، وتتلقى دعمًا من منظمات غربية. ركزت على انتقاد "القيود الدينية" في المجتمع البحريني، وطالبت بإلغاء المحاكم الشرعية.


المرجع الأجنبي: وثقت منظمة Freedom House علاقاتها بهذه الجمعية ودعمها لها (Freedom House Reports, 2014-2018).


. المنظمة الكويتية لحقوق الإنسان

تعمل ضمن إطار القانون الدولي الوضعي، وتتجاهل في كثير من تقاريرها المرجعية الإسلامية للدولة الكويتية المنصوص عليها في الدستور (المادة الثانية: الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع).


 في مصر:


. مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب

يتبنى خطابًا علمانيًا يساريًا، ويركز على انتقاد "القيود الدينية" في المجتمع المصري. دافع عن حق الإلحاد والتبشير، واعتبر أي قوانين تحمي الدين "قمعًا للحريات".


المرجع: تقارير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تكشف عن التوجه العلماني لهذه المنظمات (تقارير 2010-2016).


. مؤسسة قضايا المرأة المصرية

تتبنى نسوية راديكالية، وتطالب بإلغاء قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة، واعتبرتها "تمييزًا ضد المرأة". تلقت دعمًا من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).


المرجع العربي: وثق الدكتور محمد عمارة في كتابه "تحرير المرأة بين الغرب والإسلام" انحرافات هذه المنظمات عن القيم الإسلامية (عمارة، 2002).


. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

من أكثر المنظمات تطرفًا في الخطاب العلماني، دافعت عن الإلحاد والإباحية والمثلية الجنسية. اتُهمت بتلقي تمويل أجنبي مشبوه، وتم حظر نشاطها لفترات.


 في الأردن:


. المركز الوطني لحقوق الإنسان

مؤسسة رسمية لكنها تتبنى الخطاب الأممي الغربي. أصدرت توصيات بتعديل قوانين الأحوال الشخصية بما يتعارض مع أحكام شرعية ثابتة.


المرجع: تقارير المركز السنوية 2012-2020، عمّان.


. معهد تضامن النساء الأردني

يركز على "المساواة المطلقة" بمفهومها الغربي، ويطالب بتعديل قانون الأحوال الشخصية ليساوي تمامًا بين الرجل والمرأة في الميراث والقوامة.


في لبنان:


. المفكرة القانونية

منظمة يسارية علمانية متطرفة، تدعو لإقامة "دولة مدنية" بمفهوم علماني صرف. تتبنى مواقف معادية لأي دور للشريعة الإسلامية.



المرجع الأجنبي: وثق الباحث بول سالم في دراساته عن لبنان دور هذه المنظمات في تعزيز العلمانية (Salem, P., 2012, Carnegie Middle East Center).


. حلم (حقوق وحريات اللبنانيين المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًا)

منظمة صريحة في الدفاع عن المثلية الجنسية، وتعمل على إلغاء "المادة 534" من قانون العقوبات اللبناني التي تجرم "المجامعة خلاف الطبيعة".


 في السودان:


1. المنظمة السودانية لحقوق الإنسان

تتبنى خطابًا علمانيًا واضحًا، وعارضت بشدة تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، واعتبرت الحدود الشرعية "انتهاكًا لحقوق الإنسان".


 في إندونيسيا وماليزيا:


. Komnas HAM (اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في إندونيسيا)

رغم العمل في بلد مسلم، تتبنى مواقف علمانية في قضايا حساسة، وانتقدت قوانين الشريعة في إقليم آتشيه.


. Sisters in Islam (ماليزيا)

منظمة نسوية تدعي "الإسلامية" لكنها تتبنى تفسيرات حداثية متطرفة تتعارض مع الإجماع الفقهي في قضايا الأسرة والميراث.


المرجع الأجنبي: انتقدها الباحث جوزيف ليونج لاي في دراسته عن الإسلام في 


ماليزيا باعتبارها تمثل تيارًا هامشيًا (Liow, J., 2009, "Piety and Politics: Islamism in Contemporary Malaysia").


الخلاصة:


هذه الأمثلة تؤكد أن معظم المنظمات الحقوقية في العالم العربي والإسلامي:

- تعمل وفق مرجعية علمانية ليبرالية أو يسارية

- تتلقى دعمًا ماليًا وتقنيًا من جهات غربية

- تتبنى مواقف تتعارض مع الشريعة الإسلامية والقيم الإسلامية

- تفرض أجندة غربية على مجتمعات إسلامية محافظة

مما يؤكد الحاجة الماسة لتأسيس منظمات حقوقية ذات مرجعية إسلامية أصيلة.


 ب. محاولات تأسيس منظمات ذات مرجعية إسلامية


هناك محاولات محدودة لتأسيس منظمات حقوقية ذات مرجعية إسلامية، مثل:


- منظمة المؤتمر الإسلامي (حاليًا منظمة التعاون الإسلامي): أصدرت عام 1990 "إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام"، الذي يؤكد أن جميع الحقوق والحريات مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية.


- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: أصدر مواقف حقوقية منطلقة من المرجعية الإسلامية.


وقد يناقش الباحث الأمريكي جون إسبوزيتو في كتابه "The Future of Islam" إمكانية وضرورة تطوير خطاب حقوقي إسلامي أصيل (Esposito, J., 2010, Oxford University Press).


عصام:


ت. محاولات تأسيس منظمات ذات مرجعية إسلامية: الواقع والتحديات


رغم الحاجة الماسة والضرورة الحضارية لوجود منظمات حقوقية إسلامية، إلا أن الواقع يكشف عن محاولات محدودة ومحاصَرة. فثمة منظمات وهيئات ولجان إسلامية تسعى للنضال والمقاومة من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان انطلاقًا من المرجعية الإسلامية، لكنها تواجه تحديات جسيمة تعيق عملها وتحد من فاعليتها.


 التحديات الرئيسية التي تواجه المنظمات الحقوقية الإسلامية:


 1. الحصار السياسي والضغوط الحكومية


تتعرض المنظمات ذات المرجعية الإسلامية لضغوط ممنهجة من الأنظمة الحاكمة في كثير من البلدان الإسلامية، حيث:


- المضايقات الإدارية والقانونية: رفض تسجيلها رسميًا، أو تجميد أنشطتها، أو إغلاق مقراتها بحجج واهية.


- الملاحقات الأمنية: استدعاء قياداتها وناشطيها للتحقيق، واتهامهم بالانتماء لتنظيمات محظورة أو "التطرف".


- التضييق على الفعاليات: منع إقامة مؤتمرات أو ندوات أو أنشطة توعوية، ومصادرة منشوراتها.


المرجع العربي: يوثق الدكتور توفيق الشاوي في كتابه "فقه الشورى 


والاستشارة" كيف تعاني المؤسسات الإسلامية من القمع الممنهج في كثير من البلدان العربية (الشاوي، 1992).


المرجع الأجنبي: تشير دراسات معهد Brookings إلى أن الأنظمة العربية تمارس تمييزًا واضحًا ضد المنظمات ذات التوجه الإسلامي مقارنة بالمنظمات العلمانية (Hamid, S., 2014, "Temptations of Power: Islamists and Illiberal Democracy", Oxford University Press).


 2. العزلة الدولية وقلة الداعمين


تعاني المنظمات الإسلامية من عزلة دولية مفروضة، حيث:


- الخوف من التصنيف: تتجنب كثير من المؤسسات والحكومات دعم المنظمات الإسلامية خشية اتهامها بـ"دعم الإرهاب" أو "التطرف"، في ظل الحملة الإعلامية الغربية المستمرة ضد كل ما هو إسلامي.


- الإقصاء من المحافل الدولية: نادرًا ما تُدعى المنظمات الإسلامية للمشاركة في المؤتمرات الأممية أو الإقليمية لحقوق الإنسان، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها للمنظمات العلمانية.


- التشويه الإعلامي: تتعرض لحملات تشويه ممنهجة تصفها بـ"الرجعية" و"معاداة الحداثة" و"قمع الحريات"، مما يقلل من تأثيرها وقبولها الدولي.


المرجع العربي: يشير الدكتور محمد سليم العوا في كتابه "الفقه الإسلامي في طريق التجديد" إلى أن المنظمات الإسلامية تواجه حربًا إعلامية وسياسية ممنهجة (العوا، 1998).



المرجع الأجنبي: يحلل الباحث جون إسبوزيتو في كتابه "The Islamic Threat: Myth or Reality?" كيف يتم تصوير كل عمل إسلامي منظم على أنه تهديد (Esposito, J., 1999, Oxford University Press).


 3. أزمة التمويل وشح الموارد


تعد أزمة التمويل من أخطر التحديات التي تواجه المنظمات الحقوقية الإسلامية:


- عدم وجود صناديق وقفية كبرى: غياب مؤسسات وقفية إسلامية قوية مخصصة لدعم العمل الحقوقي، على عكس المؤسسات الغربية مثل Ford Foundation و Open Society Foundations.


- تجنب رجال الأعمال المسلمين: يتردد كثير من الأثرياء المسلمين في دعم المنظمات الحقوقية الإسلامية خوفًا من ملاحقات قانونية أو إدراجهم في قوائم "تمويل الإرهاب".


- الحصار المالي الدولي: القوانين الغربية المتعلقة بـ"مكافحة تمويل الإرهاب" تُستخدم لتجفيف منابع التمويل عن المؤسسات الإسلامية، حتى الخيرية منها.


- ضعف التبرعات الشعبية: رغم وجود قاعدة جماهيرية محتملة، إلا أن ضعف الوعي وغياب الثقة وقلة الإمكانيات تحد من التبرعات.


المرجع العربي: يناقش الدكتور علي القره داغي في كتابه "الوقف الإسلامي: تطوره وإدارته وتنميته" ضرورة إنشاء أوقاف لدعم المشاريع الحضارية بما فيها العمل الحقوقي (القره داغي، 2012).


المرجع الأجنبي: وثق تقرير منظمة CAGE البريطانية كيف تُستخدم قوانين مكافحة الإرهاب لخنق المؤسسات الإسلامية ماليًا (CAGE, 2016, "The Science of Pre-Crime: The Secret 'Radicalisation' Study Underpinning Prevent").


 4. نقص الكوادر المؤهلة والاحترافية


تواجه المنظمات الإسلامية أزمة في الموارد البشرية:


- قلة المتخصصين: ندرة الخبراء الذين يجمعون بين العلم الشرعي والتخصص القانوني الحقوقي والخبرة الميدانية.


- هجرة الكفاءات: يفضل كثير من الكوادر المؤهلة العمل في منظمات دولية أو إقليمية علمانية لضمان الأمان الوظيفي والمادي.


- ضعف التدريب المؤسسي: غياب معاهد ومراكز تدريب متخصصة لتأهيل العاملين في المجال الحقوقي من منظور إسلامي.


- غياب البحث العلمي: قلة الدراسات والأبحاث المتعمقة في الفقه الحقوقي الإسلامي المعاصر.


5. الصراعات الداخلية والتشرذم


للأسف، تعاني المنظمات الإسلامية من:


- الانقسامات المذهبية والفكرية: غياب التنسيق بين المنظمات الإسلامية بسبب الاختلافات المذهبية أو الحزبية.


- التنافس غير المحمود: تنافس بعض المنظمات على التمويل أو الشهرة بدلاً من التكامل.


- ضعف الرؤية الاستراتيجية: غياب خطط استراتيجية طويلة المدى، والاكتفاء بردود أفعال آنية.


الخلاصة:


إن وجود منظمات حقوقية إسلامية مناضلة رغم التحديات الجسيمة يؤكد:


- الحاجة الحقيقية: وجود حاجة ماسة لهذا النوع من المنظمات في الأمة الإسلامية.


- الإرادة والعزيمة: وجود كوادر مؤمنة مستعدة للتضحية رغم الصعوبات.


- الضرورة الملحة للدعم: الحاجة العاجلة لدعم هذه المنظمات ماليًا ومعنويًا وإعلاميًا.


- أهمية التكاتف: ضرورة توحيد الجهود وتنسيقها لمواجهة التحديات المشتركة.


إن نجاح المشروع الحقوقي الإسلامي يتطلب:

- دعمًا شعبيًا واسعًا من الجماهير المسلمة


- تمويلًا مستقلاً ومستدامًا من خلال الأوقاف والتبرعات

- حماية قانونية وسياسية من الملاحقات والتضييق

- تضامنًا دوليًا بين المنظمات الإسلامية في مختلف البلدان

- تطويرًا مؤسسيًا لبناء كوادر محترفة وقادرة


والله تعالى يقول: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران: 139).


 ثالثًا: ضرورة المرجعية الإسلامية للمنظمات الحقوقية في العالم الإسلامي


 1. الأساس النظري


إن دعوتنا لتأسيس منظمات حقوقية ذات مرجعية إسلامية لا تنطلق من انغلاق أو رفض للآخر، بل من قناعة راسخة بأن:


أ. الأصالة الحضارية: كل حضارة تعطي الحق لنفسها في التعبير عن قيمها الحقوقية انطلاقًا من منظومتها الفكرية. فإذا كان الغرب يؤسس منظماته على الفلسفة الليبرالية، فمن حق المسلمين تأسيس منظماتهم على الشريعة الإسلامية.


ب. الفقه الإسلامي: الإسلام يملك رصيدا فقهيًا ثريًا في مجال الحقوق والحريات، من مقاصد الشريعة الخمسة (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال) إلى نظريات العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.


يشير الباحث الأمريكي خالد أبو الفضل في كتابه "Speaking in God's Name: Islamic Law, Authority and Women" إلى أن الفقه الإسلامي يحوي نظامًا حقوقيًا متكاملًا يمكن تطويره ليواكب العصر (Abou 


El Fadl, K., 2001, Oneworld Publications).


ج. الملاءمة الثقافية والاجتماعية: الخطاب الحقوقي المؤسس على المرجعية الإسلامية أكثر قبولًا وفعالية في المجتمعات الإسلامية من الخطاب المستورد، لأنه يتحدث بلغة الناس ويحترم قيمهم.

 يؤكد الدكتور راشد الغنوشي في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" أن الخطاب الحقوقي الإسلامي أكثر تأثيرًا لأنه ينبع من وجدان الأمة (الغنوشي، 1993).


2. المبادئ الحقوقية الإسلامية


 أ. كرامة الإنسان


قال تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء: 70). هذا التكريم الإلهي يؤسس لحقوق إنسانية أصيلة لا تعتمد على العرق أو الجنس أو اللون.

 يشرح الإمام ابن عاشور في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية" أن الكرامة الإنسانية هي الأساس الذي تبنى عليه جميع الحقوق في الإسلام (ابن عاشور، 2001).


 ب. العدل والمساواة


قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ" (النساء: 135).


 يكتب المفكر الإسلامي فضل الرحمن في كتابه "Major Themes of the Quran" أن العدل هو القيمة المركزية في الإسلام، وأنه يتجاوز العدالة القانونية إلى العدالة الاجتماعية الشاملة (Rahman, F., 1980, 


University of Chicago Press).


ج. الحرية المسؤولة


الإسلام يكفل الحريات ولكن ضمن إطار المسؤولية أمام الله ثم المجتمع، وليس الحرية المطلقة التي قد تؤدي إلى الفوضى.


 يوضح الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "الحلال والحرام في الإسلام" أن الحرية في الإسلام مقيدة بعدم الإضرار بالنفس أو الآخرين أو المجتمع (القرضاوي، 1960).


 3. التوصيات للمنظمات الحقوقية في البلدان الإسلامية


 أ. التأصيل الشرعي


على المنظمات الحقوقية الإسلامية أن تؤصل عملها شرعيًا من خلال:


1. الاستناد إلى النصوص القرآنية والنبوية في تعريف الحقوق

2. الاستفادة من الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة

3. الاجتهاد في القضايا المستجدة بما لا يخالف الثوابت الشرعية


 ب. الانفتاح على التجارب الإنسانية


المرجعية الإسلامية لا تعني الانغلاق، بل يمكن:


1. الاستفادة من الآليات والتجارب الناجحة في الدفاع عن الحقوق

2. التعاون مع المنظمات الدولية في القضايا المشتركة


3. المشاركة في ما يسمى بالحوار الحضاري حول مفاهيم الحقوق


 ج. البناء المؤسسي


يجب تأسيس منظمات حقوقية إسلامية قوية تتمتع بـ:


1. استقلالية مالية وإدارية

2. كوادر متخصصة في الفقه والقانون والعلوم الاجتماعية

3. شبكات تواصل إقليمية ودولية

4. قدرة على التوثيق والرصد والمناصرة (العمل الإعلامي )



 د. الأولويات الحقوقية


على المنظمات الإسلامية التركيز على:


1. حقوق الشعوب المستضعفة (فلسطين، الروهينجا، الإيغور، السودان )

2. معتقلي الرأي من أبناء الحركة الإسلامية وكل معتقل مظلوم

3. حماية الأسرة والقيم الأخلاقية

4. االفكرية ضمن الضوابط الشرعية

5. حقوق الأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية

6. العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر



 خاتمة


إن الزعم بحياد المنظمات الحقوقية أو عالميتها المطلقة هو زعم غير صحيح. 


فكل منظمة تعمل من خلال منظومة فكرية وقيمية تشكل مرجعيتها وتحدد أولوياتها. والمنظمات الغربية الكبرى تعمل وفق المرجعية الليبرالية العلمانية، والمنظمات المسيحية تعمل وفق مرجعيتها الدينية، والمنظمات الصينية تعمل وفق المرجعية الماركسية-الكونفوشيوسية.


إن من حق الأمة الإسلامية، بل من واجبها، أن تؤسس منظمات حقوقية تنطلق من مرجعيتها الإسلامية الأصيلة، بما تملكه من ثراء فقهي وعلمي في مجال الحقوق والحريات. هذه المرجعية لا تعني الانغلاق أو رفض الآخر، بل تعني الانطلاق من الأصالة والثقة بالهوية، مع الانفتاح على التجارب الإنسانية النافعة.


إن المنظمات الحقوقية الإسلامية مدعوة اليوم إلى:

- التأصيل الشرعي لعملها

- الاحترافية في الأداء

- التركيز على قضايا الأمة الحقيقية

- التشبيك مع المنظمات الحقوقية الأخرى 


وبهذا تسهم في بناء نموذج حقوقي إسلامي يثري الخطاب الإنساني العالمي، ويعبر عن خصوصية الأمة وأصالتها.


 قائمة المراجع

 المراجع العربية:


1. ابن عاشور، محمد الطاهر (2001)، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، الأردن.

2. الريسوني، أحمد (1995)، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الرياض.



3. الزحيلي، وهبة (2000)، حق الحرية في العالم، دار الفكر، دمشق.

4. السماك، محمد (2008)، حقوق الإنسان: مفهومات وتطبيقات، دار النهضة العربية، بيروت.

5. الغنوشي، راشد (1993)، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

6. القرضاوي، يوسف (1960)، الحلال والحرام في الإسلام، مكتبة وهبة، القاهرة.

7. المسيري، عبد الوهاب (1999)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة.

8. النعيم، عبد الله أحمد (2005)، الإسلام وحقوق الإنسان: رؤية عبر ثقافية، ترجمة مجدي النجار، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة.

9. زيدان، عبد الكريم (1989)، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، بيروت.

10. عمارة، محمد (2002)، الإسلام وحقوق الإنسان: ضرورات.. لا حقوق، دار السلام، القاهرة.

11. عمارة، محمد (2003)، الإسلام والأقليات: الماضي والحاضر والمستقبل، مكتبة الشروق، القاهرة.

12. العلواني، طه جابر (1992)، إسلامية المعرفة: مبادئ عامة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن.

13. العوا، محمد سليم (1989)، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، دار الشروق، القاهرة.


 المراجع الأجنبية:


1. Abou El Fadl, K. (2001), Speaking in God's Name: Islamic Law, Authority and Women, Oneworld 


Publications, Oxford.

2. Amnesty International (2007), Amnesty International's Policy on Abortion, POL 30/003/2007.

3. Amnesty International (2013), Making Love a Crime: Criminalization of Same-Sex Conduct in Sub-Saharan Africa, AFR 01/001/2013.

4. An-Na'im, A. (2008), Islam and the Secular State: Negotiating the Future of Shari'a, Harvard University Press, Cambridge.

5. Bernstein, R. (2009), "Rights Watchdog, Lost in the Mideast", The New York Times, October 19.

6. Esposito, J. (2010), The Future of Islam, Oxford University Press, New York.

7. Information Office of the State Council (2004), Human Rights in China, Beijing: PRC Government.

8. Marshall, P., Gilbert, L., & Shea, N. (2013), Persecuted: The Global Assault on Christians, Thomas Nelson, Nashville.

9. Moorehead, C. (1998), Dunant's


Dream: War, Switzerland and the History of the Red Cross, HarperCollins, London.

10. Rahman, F. (1980), Major Themes of the Quran, Uni

 


تعليقات