img
img

فقه الأولويات: من الاحتراق الفردي إلى صياغة الوعي الجماعي

img
الشبكة

فقه الأولويات: من الاحتراق الفردي إلى صياغة الوعي الجماعي

سلسلة: السياسة الشرعية وتطبيقاتها


أ.د. عصام اشويدير  

رئيس شبكة الرواد الإلكترونية  

رئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان



 مقدمة: أزمة الاستنزاف الفكري والنفسي


يعيش المسلم المعاصر في عصر تتسارع فيه الأحداث وتتدافع المآسي بوتيرة غير مسبوقة، حتى بات يواجه ما يمكن وصفه بـ"أزمة الاستنزاف الوجودي". فهو يجد نفسه مُطالَبًا بالتفاعل مع كل قضية على حدة، والرد على كل شبهة تُثار، والتألم لكل نازلة تحل بالأمة، في دوامة لا تنتهي من ردود الأفعال الآنية التي تستهلك طاقته الفكرية والنفسية دون أن تُحدث تغييرًا جوهريًا في الواقع.


هذه المعالجة الانفعالية المتشظية للقضايا تمثل خللًا منهجيًا عميقًا، إذ تُحوِّل الأمة من فاعل استراتيجي إلى مفعول به يتحرك وفق أجندة خصومه. وقد أشار الإمام الشاطبي إلى خطورة الانشغال بالجزئيات عن الكليات بقوله:  "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية" (الشاطبي، الموافقات، ج5، ص177).


إن الخصوم اليوم لا يتقيدون بمبدأ ثابت ولا بقيمة أخلاقية راسخة؛ فما كان يُعد جريمة بالأمس يصبح مصدر دخل قومي اليوم، وما كان رذيلة مستهجنة يتحول إلى "حق" يُدافَع عنه باسم الحرية. هذا التقلب المصلحي والنفاق المؤسسي يجعل من محاولة الرد التفصيلي على كل انحراف جديد عملًا شبيهًا بمحاولة ردم البحر بحفنة من الرمال.


فقه الأولويات: إعادة ترتيب بوصلة الجهد


في هذا السياق، يبرز "فقه الأولويات" كضرورة استراتيجية وشرعية، لا كترف فكري أو تنظير مجرد. وقد أكد الإمام القرافي أن "الشريعة إنما جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنما تحصل بتقديم أرجح المصلحتين عند التعارض" (القرافي، الفروق، ج2، ص33).


يُعرِّف الدكتور يوسف القرضاوي فقه الأولويات بأنه: "وضع كل شيء في مرتبته بالعدل، من الأحكام والقيم والأعمال، ثم يُقدَّم الأَولى فالأَولى، بناءً على معايير شرعية صحيحة" (القرضاوي، في فقه الأولويات: دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة، ص9).


هذا الفقه يقتضي تحولًا جذريًا في منهجية التعامل مع التحديات المعاصرة، يتمثل في المحاور التالية:


أولًا: من الرد على الشبهات إلى بناء اليقين


إن الاستغراق في تفنيد كل شبهة جديدة يُمثل استراتيجية دفاعية تفتقر إلى البُعد الهجومي البنائي. والأولى شرعًا وعقلًا هو تركيز الجهد على بناء المناعة الفكرية والعقدية في نفوس أبناء الأمة، وهو ما عبَّر عنه الإمام ابن تيمية بقوله: "القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أطيب" (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج10، ص185).


هذه المناعة تُبنى على:

- ترسيخ اليقين بأن الحق ثابت والباطل زائل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18).

- إدراك أن تناقضات الخصوم دليل على وهن بنيانهم الفكري والأخلاقي، لا على قوة حجتهم.

- تعميق الفهم المقاصدي للشريعة الذي يُمكِّن المسلم من استيعاب الجزئيات في إطار كلي متماسك.


 ثانيًا: من الاحتراق الفردي إلى القوة الجماعية


إن التغيير المنشود لا يُحدثه الأفراد المنعزلون مهما علت أصواتهم، بل تصنعه الجماعة المنظمة المتضامنة. قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103). وقد أكد الإمام ابن خلدون في مقدمته أن "الاجتماع الإنساني ضروري... والإنسان مدني بالطبع" (ابن خلدون، المقدمة، ص40).


الاحتراق النفسي ينجم عن شعور الفرد بالعجز أمام طوفان التحديات، أما عندما ينخرط في مشروع جماعي مؤسسي، فإن طاقته تتضاعف ويصبح جزءًا من كيان قادر على المواجهة والبناء. كما قال الرسول ﷺ: "يد الله مع الجماعة" (الترمذي، سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، حديث رقم 2166).


المعركة الحقيقية ليست في إثبات صحة الدين - فهو ثابت بنصوصه وبراهينه - بل في إقامة نموذج حي يشهد على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان.


 ثالثًا: من معالجة الأعراض إلى تأسيس المناعة


الشبهات والمآسي أشبه بالأمراض التي تهاجم الجسد، والعلاج الفعال لا يكون بمطاردة كل عَرَض على حدة، بل بتقوية الجهاز المناعي للجسم. وجهاز المناعة الحضاري للأمة هو "الوعي الجماعي" المؤسَّس على:

- هوية إسلامية راسخة لا تتزعزع بتقلبات الأحداث.

- فهم عميق لمقاصد الشريعة الكلية: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال (الغزالي، المستصفى، ج1، ص286).

- رؤية استراتيجية تستشرف المستقبل وتعمل وفق خطط طويلة المدى.


يقول الإمام العز بن عبد السلام: "ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل، وذلك معظم الشرائع" (ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص9).


 النموذج الغزي: تجلي القوة القرآنية


في خضم الاضطراب الفكري والأخلاقي الذي يشهده العالم، يبرز نموذج أهل غزة كدليل عملي حي على قوة الوعي القرآني في صناعة الصمود والتغيير. فرغم بلوغ المأساة ذروتها، لم ينشغل أهل غزة بالرد على الشبهات ولا بالانقياد وراء دوامة ردود الأفعال الآنية، بل استمدوا قوتهم من المصدر الأصيل: القرآن الكريم.


القرآن هو الذي منحهم ذلك الإيمان العميق الذي يُحوِّل الحجارة إلى إرادة لا تُقهَر، والدماء إلى شهادة ترفع الهامات، والآلام إلى صبر يبهر العالمين. يقول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82).


القرآن صاغ وعيهم الجماعي، فجعلهم يرون وراء الدخان والدمار نصرًا مؤزرًا، ويوقنون بأن العاقبة للمتقين، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128). وقد أكد الإمام الشاطبي أن "القرآن نزل لهداية الخلق إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة" (الشاطبي، الموافقات، ج2، ص10).


هذه التجربة ليست معجزة منفصلة عن سياق الأمة، بل هي البرهان العملي على أن المخرج من دوامة الاحتراق والتشتت يكمن في العودة إلى المصدر الأساسي للقوة: القرآن الذي يبني العقول، ويصلح القلوب، ويوحد الصفوف.


خاتمة: من الاحتراق إلى الاشتعال


الفرق بين الاحتراق والاشتعال جوهري: الأول يُمثل التلف والدمار، والثاني يُمثل النور والتأثير. فعندما نحترق فرديًا ننطفئ ونتلاشى، وعندما نشتعل جماعيًا في مشروع تغييري قائم على الوعي القرآني ننير الطريق ونُذيب جليد الجمود.


فقه الأولويات يقتضي - كما قرره الإمام القرافي - "تقديم الأهم على المهم" (القرافي، الفروق، ج1، ص177)، وهو ما يعني توزيع الجهد بحكمة: جزء للدفاع الضروري عن الثوابت، والجزء الأكبر لبناء الوعي القرآني الجماعي في الأمة.


هذا الوعي هو الذي يُحوِّل المآسي الفردية إلى طاقة تغيير جماعية، ويُحوِّل الشبهات المبعثرة إلى غبار في مهب الريح. كما قال ابن القيم: "القلب إذا اشتغل بأمر أعرض عن ضده" (ابن القيم، الفوائد، ص47).


فلنبادر إلى بناء هذا الوعي القرآني المؤسسي، فهو السبيل الوحيد للانتقال من دائرة الاحتراق المُهلِك إلى فضاء الاشتعال المُضيء، ومن ردة الفعل العاجزة إلى الفعل الاستراتيجي المؤثر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

تعليقات

الكلمات الدلالية