سلسلة: {وذكرهم بأيام الله}
في لحظة من لحظات التاريخ المظلمة،
وقفت فتاة يوغسلافية في ربيع عمرها أمام آلة الموت النازية، تتنفس أنفاسها الأخيرة،
لقد قال لها القائد الألماني الذي أعدمها الجنرال فريدريش باولس: "إذا ذكرتِ أسماء خليتكِ سأطلق سراحكِ!"
لكن كلماتها كانت أقوى من كل عتاد أعدائها
فكان ردها الذي دوى في أرجاء التاريخ: "ستعرف أسمائهم حينما ينتقمون لموتي!"
▪️فطرة الله التي فطر الناس عليها
إن هذه الفتاة، وهي على أبواب الموت، لم تكن تقول كلمات اليأس والقنوط،
بل كانت تشهد بفطرتها على سنن الكون الثابتة: أن الظلم لا يدوم،
وأن الباطل لا يستقر، وأن العدالة الإلهية لابد أن تتحقق ولو بعد حين.
فإذا كانت هذه الفتاة غير المسلمة قد أدركت هذا اليقين الفطري،
فكيف بنا نحن المسلمين الذين خوطبوا بوعود الله الصادقة،
{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الروم: 6]
▪️اليقين في زمن المحن
لقد أنزل الله سورة الروم لترسيخ اليقين في نفوس المؤمنين،
فجاءت تحمل بين طياتها بشائر النصر في أحلك لحظات الهزيمة.
ها هم الروم ينهزمون في أدنى الأرض، وتعلو أصوات المشركين في مكة،
ويشتد أذى الكفار للمسلمين، فينزل الوحي المبين يبشر بالنصر القادم لا محالة:
{غُلِبتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 2-4]
لقد تحقق الوعد الإلهي، وانقلبت موازين القوى،
ليس انتصاراً للروم على الفرس فحسب، بل تأكيداً لسنة إلهية راسخة: أن دوام الحال من المحال.
{وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]
▪️اليقين الذي لا يتزعزع
لقد عاشت ليبا راديج هذه الحقيقة بفطرتها،
فصمدت في وجه الطغيان، ورفضت أن تبيع ضميرها بثمن الحرية الزائفة.
وكانت النتيجة أن وقع ما حدثت به يقينا بعد سنوات،
حيث هُزم الألمان في معركة ستالينغراد،
وأُعدم الجنرال باولس في نفس المكان، وعلى نفس الشجرة،
فالكون يشهد بأن سنَّة الله لا تتغير:
{فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} [الحج: 45]
▪️نحن أولى باليقين
فإذا كانت فتاة غير مسلمة قد استوعبت هذه السنن الكونية بفطرتها،
فكيف بنا نحن الذين نتلو قول الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]؟
كيف بنا ونحن نقرأ في كتاب الله: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]؟
▪️الاختبار قبل التمكين
من سنن الله أن النصر لا يأتي بسهولة، ولا ينزل بلا ثمن.
إنه يسبقه اختبار يمحص القلوب، ويميز الصادق من الكاذب.
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت: 2]
إنها سنة ماضية في جميع الرسالات: محنة ثم منحة، ابتلاء ثم تمكين، شدة ثم فرج.
{وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّ دَعَوْاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}[الروم: 33]
▪️الكون ينطق بالحق
إن المتأمل في آيات سورة الروم يجدها تربط بين سنن الكون الثابتة وسنن الله في النصر والتمكين.
فكما أن الليل والنهار يتعاقبان بنظام محكم، وكما أن الرياح تحمل في ثناياها بشارة الغيث والمطر،
فكذلك الابتلاءات تحمل في طياتها بشرى النصر والفرج.
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَلِتَجْرِيَ ٱلۡفُلْكُ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[الروم: 46]
{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ} [الروم: 48]
حين يستشعر المؤمن فضل الله بنزول المطر الذي هو عماد حياة الإنسان،
يزداد يقينًا بأن رحمة الله هي سفينة النجاة لعباده،
فيسارع للعمل الصالح؛ شكرًا لله، وطلبًا لمزيدا من رحمته
{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]
وكما أنكم لا تشكون في مجيء المطر بعد هبوب الريح،
فلا تشكوا في مجيء النصر بعد رياح الابتلاءات!
▪️لا تستخفك أصوات اليائسين
وفي ختام سورة الروم، يأتي التوجيه الإلهي الحاسم:
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60]
إنها تحذير من أن تستخف قلوبنا بأصوات الهزيمة، وأصوات اليأس،
وأصوات الذين ينظرون إلى الأمواج المتلاطمة وينسون قدرة خالق البحر والبر.
▪️فأين يقيننا؟
إلى كل قلب يرى حال الأمة و قد تكالبت عليها بقية الأمم فينقلب منكسرا،
وإلى كل نفس أنهكها طول الانتظار، نقول:
• تذكر قصة ليبا وصمودها، وتذكر أن سنن الله لا تحابي أحداً.
•اقرأ: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الروم: 6]، فهو وعد من لا يخلف وعده
• لا تستعجل النتائج، فالتمكين يأتي من وراء التمحيص، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]
• تأمل في سنن الكون: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17]،
فمن جعل الليل ينجلي عن النهار، قادر على أن يجعل الظلمة تنجلي عن النور.
يقول ابن القيم في قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8]
"لا تتعب ذهنك بهذيان الملحدين؛
فإنها عند من عرفها من هوس الشياطين، وخيالات المبطلين،
وإذا طلع فجر الهدى، واشرقت النبوة، فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين"
فلا تيأسوا من روح الله، ولا تقنطوا من رحمته، وثقوا أن نصر الله آتٍ،
وأن الفرج قريب، وأن الظلام لا بد أن ينجلي عن فجر جديد.
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]
اكتب مراجعة عامة