img
img

فدائيو الأنفاق.. هل يقودهم أبو بصير؟

img
منصة ساند الإعلامية

فدائيو الأنفاق.. هل يقودهم أبو بصير؟

فدائيو الأنفاق.. هل يقودهم أبو بصير؟

يكتب الإعلامي والناشط الحقوقي اليمني

هشام المساوى

 

في خضم الأوضاع الراهنة في غزة، برز لغز عسكري وسياسي يُعيد إلى الذاكرة وقائع من التاريخ. مجموعة من المقاتلين، يُقدر عددهم بنحو 150 إلى 200 فرد من قوات النخبة، أصبحوا محاصرين داخل شبكة أنفاق جنوب القطاع، تحديداً في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال داخل "الخط الأصفر" وفق الاتفاق الأخير. لكن المثير ليس الحصار بحد ذاته، بل الحركة الدبلوماسية الأمريكية التي تعمل خلف الكواليس لتأمين "ممر آمن" لهم للانسحاب إلى مناطق أخرى تحت سيطرة الحركة. هذا السيناريو أعاد إلى الأذهان قصة أبي بصير، فهل يُعيد التاريخ نفسه؟

تكمن الدلالة ووجه الشبه بين ما يجري وبين قصة الصحابي الجليل عتبة بن أسيد (أبي بصير) بعد صلح الحديبية؛ ففي تلك القصة، وبعد أن أوفى النبي صلى الله عليه وسلم بعهد قريش بأن يرد إليهم من جاءه من مكة مسلماً بعد الصلح، ردّ أبا بصير. ففرّ أبو بصير وشكّل مع رفاقه، مثل أبي جندل، "جيشاً مستقلاً" في منطقة على ساحل البحر الأحمر، أخذوا يهاجمون قوافل قريش. تحوّل هؤلاء من لاجئين إلى تهديد استراتيجي، حتى اضطرت قريش نفسها للطلب من النبي أن يقبلهم جميعاً في المدينة لإنهاء تهديدهم! فهل يُمثّل مقاتلو الأنفاق هذا التهديد المُجبر، حيث أصبح بقاؤهم في منطقة الحصار، وقدرتهم على الإيذاء المستمر، أكثر كلفة على إسرائيل من منحهم مخرجاً آمناً؟

هؤلاء النفر من المقاتلين ليسوا مجرد ثلة متبقية، بل هم من أفراد الوحدات المتخصصة، وتُنسب إليهم عمليات أثبتت قدرتهم على تحويل الحصار إلى جحيم قتالي. يُعتقد أنهم المسؤولون عن كمائن متقنة في الأنفاق وعلى المحاور القتالية، استخدمت فيها عبوات ناسفة موجهة وصواريخ مضادة للدروع، مثل "الياسين 105"، التي استهدفت دبابات وناقلات جند مدرعة، مخلفة خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في صفوف القوات المتوغلة، فيما يُسمى بكمائن "المسافة صفر". كما أن استمرار عملياتهم النوعية، دفع واشنطن إلى التدخل عبر وساطة إقليمية للدعوة إلى"خروج آمن وشامل"، مقابل ضمانات بعدم العودة للقتال، وقد ارتبطت المحادثات غير المعلنة بملفات تبادل أسرى أو رفات جثث عسكرية، ما يرفع من أهميتهم كورقة تفاوضية.

فمن جهة، ترى إسرائيل في فتح الممر الآمن حلاً لتأمين المناطق التي أعلنت السيطرة عليها دون إراقة مزيد من الدماء لجنودها في حرب الأنفاق المعقدة؛ إنها صفقة تهدف إلى تفادي حرب استنزاف لا متناهية. ومن جهة أخرى، يعكس الضغط الأمريكي رغبة في إنهاء ما قد يُهدد بعرقلة أي حديث عن "اليوم التالي" في غزة، وخوفاً من تحولهم إلى "خلايا قتال دائمة" لا يمكن القضاء عليها.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكثر عمقاً: هل حقاً أجبرت عزيمة النفر القليل، تحت الأرض، محاصريها على إبداء رغبة لفتح ممر آمن لنجاتهم؟ وإذا نالوا هذا الممر، فإن ذلك سيكون دليلاً على أن أقوى الصفقات تُبرم تحت ضغط البنادق المتوارية. إنهم ليسوا مجرد رقم في جبهة القتال، بل مفتاح سري لأحد أعقد ملفات الحرب.

تعليقات

الكلمات الدلالية