د. رامز مهدي محمود عاشور
دكتور في القانون العام
مقدمة
شهدت الساحة الدولية في أعقاب الحرب المدمّرة على قطاع غزة بروز مقترحات
متعددة لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
من بين هذه المقترحات، برزت خطة مفصلة لإنشاء “هيئة دولية انتقالية” تُعنى
بإدارة غزة تحت إشراف مباشر من مجلس الأمن الدولي وبمشاركة محدودة للسلطات الفلسطينية.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه الخطة من منظور القانون الدولي العام، وبيان مدى توافقها أو تعارضها مع مبدأ السيادة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بوصفهما من المبادئ الأساسية في النظام القانوني الدولي المعاصر.
أولاً: الطبيعة القانونية للخطة المقترحة
تستند الخطة إلى قرار محتمل من مجلس الأمن بإنشاء “الهيئة الدولية المؤقتة
لإدارة غزة”، على غرار النماذج التي اعتمدتها الأمم المتحدة في حالات كوسوفو وتيمور
الشرقية.
ويُفهم من النصوص الأولية أن الهيئة ستكون ذات صلاحيات تنفيذية وتشريعية وإدارية كاملة، مع إشراف على الأجهزة الفلسطينية التنفيذية، وتأسيس قوة استقرار دولية (ISF) لضمان الأمن، إلى جانب إشراف رقابي دولي على قطاعات الإعمار والحوكمة والأمن.
من الناحية القانونية، تمثل هذه الخطة نوعًا
من الإدارة الدولية (International Administration)،
وهو وضع استثنائي يسمح للأمم المتحدة أو لتحالف دولي بإدارة إقليم ما لفترة مؤقتة،
عادةً في سياقات انهيار الحكم أو انتهاء نزاع مسلح.
إلا أن تطبيق هذا النموذج في الحالة الفلسطينية يثير إشكالات سيادية جوهرية، لكون فلسطين ليست إقليماً بلا سيادة، بل كياناً معترفاً به دولياً بصفته دولة مراقبة في الأمم المتحدة منذ عام 2012، ويملك مؤسسات قائمة تمثل إرادة شعبه.
ثانياً: أثر الخطة على مبدأ السيادة الوطنية
ينص ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2) فقرة (1) على أن "المنظمة
تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"، كما يكرّس القانون الدولي
قاعدة عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
غير أن الخطة المطروحة تمنح الهيئة الدولية سلطة تنفيذية وتشريعية عليا،
في حين يقتصر الدور الفلسطيني على تنفيذ القرارات تحت إشراف دولي.
وهذا يعني عمليًا تعليق السيادة الفلسطينية على قطاع غزة، وتحويلها إلى
سلطة شكلية خاضعة لرقابة متعددة المستويات.
وعليه، فإن الخطة تُعتبر انتهاكًا لمبدأ السيادة الوطنية، لأنها تجرّد مؤسسات الدولة الفلسطينية من اختصاصاتها الجوهرية، وتنقل مركز القرار إلى هيئة دولية لا تخضع لإرادة الشعب الفلسطيني، حتى وإن كانت نواياها المعلنة "مرحلية" أو "تنظيمية".
ثالثاً: تعارض الخطة مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير
يُعد حق الشعوب في تقرير مصيرها من المبادئ الآمرة في القانون الدولي
(jus cogens)، كما ورد في المادة الأولى
من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والمادة الأولى من العهد الدولي
للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويمتد هذا الحق ليشمل التحرر من السيطرة الأجنبية والاحتلال، وتأسيس نظام
سياسي يعبر عن الإرادة الحرة للشعب.
في ضوء ذلك، فإن الخطة المقترحة:
1. تستبدل إرادة الشعب الفلسطيني بإرادة دولية فوقية.
2. تجعل ممارسة تقرير المصير مشروطة برقابة خارجية.
3. تفتح الباب أمام مشاركة أطراف غير فلسطينية في رسم مستقبل الإقليم،
بما في ذلك رجال أعمال وممثلو دول أجنبية.
وبالتالي، فإنها تتناقض مع جوهر مبدأ تقرير المصير، الذي لا يمكن تفويضه أو ممارسته بالوكالة من قبل جهات خارجية، حتى ولو كانت أممية، إلا بموافقة صريحة وحرّة من الشعب نفسه.
رابعاً: البعد الإنساني والتنظيمي للخطة
من منظور إنساني، تحمل الخطة في ظاهرها أهدافًا إيجابية، مثل إعادة الإعمار،
وضمان الأمن، واستعادة الخدمات الأساسية.
غير أن هذه الأهداف لا تبرر قانونيًا
إحلال إدارة دولية محل الإدارة الوطنية، إذ يمكن تحقيقها من خلال بعثة دعم دولية بالتعاون
مع المؤسسات الفلسطينية القائمة دون سحب اختصاصاتها.
القانون الدولي الإنساني (اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949) يفرض على القوة
القائمة بالاحتلال مسؤولية حماية المدنيين وتقديم الخدمات الأساسية، لكنه لا يجيز نقل
الإدارة إلى هيئة دولية دون إنهاء الاحتلال أو موافقة الشعب المحكوم.
وبالتالي، فإن الخطة قد تؤدي عمليًا إلى تكريس الاحتلال الإسرائيلي بصورة غير مباشرة عبر “وسيط دولي”، مما يُعد مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني.
خامساً: المقارنة بالنماذج السابقة للإدارة الدولية
تُظهر التجارب المقارنة أن الإدارة الدولية المؤقتة قد تكون مقبولة قانونيًا
في حالات انهيار كلي لمؤسسات الدولة (كما في كوسوفو بعد 1999)، أو عند غياب
تمثيل شرعي معترف به دوليًا (كما في تيمور الشرقية).
أما في الحالة الفلسطينية، فالوضع
مختلف تمامًا، إذ توجد سلطة وطنية قائمة تمثل الشعب الفلسطيني بموجب اتفاقيات
دولية (أوسلو 1993)، وهناك اعتراف دولي بفلسطين كدولة مراقبة.
لذلك، فإن تطبيق نموذج الإدارة الدولية هنا يُعد تراجعًا خطيرًا عن الاعتراف الدولي بفلسطين ككيان سياسي مستقل، ويؤسس لوضع قانوني انتقالي لا يتفق مع التطور التاريخي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
سادساً: الأبعاد السياسية والقانونية المستقبلية
تمنح الخطة – كما وردت – الهيئة الدولية سلطة شاملة على الإقليم، مع مشاركة
محدودة للفلسطينيين، وبذلك تتحول إلى وصاية سياسية مقنّعة.
كما أن جعل مقر الهيئة في عمّان أو القاهرة يعكس إدارة إقليمية عن بُعد،
ويُبعد سكان غزة عن المشاركة الفعلية في إدارة شؤونهم.
هذا الوضع، إن تم اعتماده، سيقوّض إمكانيات إقامة نظام ديمقراطي فلسطيني حر، ويحوّل القطاع إلى منطقة خاضعة لوصاية متعددة الأطراف، تخضع للاعتبارات الأمنية والسياسية للدول المانحة أكثر من مصالح السكان المحليين.
خاتمة:
إن الخطة المقترحة لإدارة غزة، رغم ما تحمله من أهداف إنسانية وتنظيمية،
تُعد من الناحية القانونية تعارضًا صريحًا مع مبدأ السيادة الوطنية وحق
الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
فهي تنشئ نظامًا إداريًا دوليًا يحدّ من الولاية الفلسطينية على
الإقليم، وينقل مركز القرار إلى هيئة دولية لا تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية.
وبالتالي، فإن أي تسوية مستقبلية يجب أن تنطلق من احترام
الإرادة الفلسطينية الحرة، وتُبنى على أساس تمكين مؤسسات الدولة الفلسطينية من ممارسة
اختصاصاتها الكاملة، بدعم دولي لا وصاية دولية.
إن احترام القانون الدولي لا يتحقق بفرض أنظمة إدارة انتقالية
من الخارج، بل بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته كاملة
على أرضه، وهو السبيل الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم.
اكتب مراجعة عامة