img
img

العلوم البينية وإعادة تشكيل القوة الوطنية: نحو نموذج معرفي عربي للنهوض الاستراتيجي

img
المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان

العلوم البينية وإعادة تشكيل القوة الوطنية: نحو نموذج معرفي عربي للنهوض الاستراتيجي

د. ياسرسيد عبد السلام قطب 

خبير إستراتيجي / باحث ومحاضر في العلوم البينية والمقاربات التكاملية والدراسات الإنسانية  


مقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة تتجاوز البُنى الاقتصادية والعسكرية التقليدية التي شكّلت مفهوم القوة الوطنية لعقود طويلة. لقد أفرزت التحولات التكنولوجية والسياسية والثقافية تحديات معقّدة لا يمكن التعامل معها من خلال تخصص واحد أو مقاربة أحادية. في هذا السياق، أصبحت العلوم البينية بما تمثّله من تكامل معرفي — مدخلًا استراتيجيًا لإعادة بناء القوة الوطنية وإنتاج نماذج نفوذ جديدة، أكثر مرونة وفعالية.

في العالم العربي، تتجلى الأزمة الحقيقية ليس في نقص الموارد، بل في تفتيت المعرفة داخل المؤسسات، وغياب نموذج تكاملي قادر على تحويل المعرفة إلى قوة استراتيجية. وهذا ما يجعل من الفكر البيني ضرورة وجودية وليست ترفًا أكاديميًا.

1. التحول من القوة الصلبة إلى القوة المعرفية

لقد أثبتت التحولات الجيوسياسية أن الاعتماد الحصري على القوة الصلبة (الاقتصادية والعسكرية) لم يعد كافيًا لصناعة النفوذ. فالقوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين تتجسد في القدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها لتشكيل الوعي العام، والتأثير في السلوك السياسي والاقتصادي، وصناعة القرار على المستويين الوطني والدولي.

تؤكد نظريات Joseph Nye  حول القوة الناعمة أن التأثير لا يأتي فقط من الهيمنة، بل من الجاذبية المعرفية والثقافية، ومن القدرة على توجيه الإدراك الجماعي. وهنا تلعب العلوم البينية دورًا محوريًا في توليد هذا النوع من القوة الذكية التي تجمع بين التأثير الناعم والدعم المؤسسي الصلب.

2. أزمة التجزئة المعرفية في السياق العربي

تُظهر التجارب العربية أن مؤسسات التعليم والبحث ومراكز القرار تعاني من انغلاق تخصصي حاد، يُضعف قدرتها على التعامل مع الظواهر المركبة. فعوضًا عن إنتاج رؤى تكاملية، تُدار الملفات وفق مقاربات مجزأة، تجعل من الخطاب المعرفي العربي تابعًا لا فاعلًا.

هذا الانفصال بين الفكر والسياسات أنتج فجوة استراتيجية بين القدرات الكامنة في المجتمعات العربية وبين حضورها الفعلي في موازين القوى العالمية. فالمعرفة لا تتحول إلى نفوذ إلا حين تُدمج في مشروع حضاري استراتيجي.

3. العلوم البينية كأداة لبناء نموذج سيادي للمعرفة

تتيح العلوم البينية تجاوز هذه الفجوة من خلال:

  • دمج الفلسفة والسياسات العامة بالعلوم الإنسانية والتقنية.
  • بناء رؤية معرفية وطنية متماسكة، قادرة على إنتاج سرديات استراتيجية مستقلة.
  • تحويل الجامعات ومراكز البحث إلى أدوات فعّالة لصناعة القرار.
  • تعزيز القوة الناعمة عبر الثقافة والتعليم والهوية.

كما تشير نماذج القوة الناعمة الحديثة في دول مثل المملكة المتحدة (2025)، إلى أن الاستثمار في الثقافة والمعرفة والتعليم بات ركيزة أساسية لتعزيز النفوذ الدولي، وهو درس يمكن للعالم العربي استلهامه مع الحفاظ على خصوصيته الحضارية.

4. ملامح نموذج عربي للقوة المعرفية

يقترح هذا التوجه بناء نموذج معرفي عربي يقوم على:

1.     المعرفة التراكمية المدمجة: تجاوز الحواجز بين الحقول المعرفية.

2.     توطين المناهج الفكرية لا استنساخها.

3.     السردية السيادية التي تعبّر عن الذات الحضارية العربية.

4.     تكامل المؤسسات بين البحث والتعليم والثقافة والسياسة.

5.     تفعيل القوة الناعمة كقوة تأثير لا كأداة ترويج.

5. نحو إعادة تموضع عربي في موازين القوى

لا يمكن لأي مشروع عربي للنهضة أن يتجاهل البُعد المعرفي الاستراتيجي. فامتلاك الموارد لا يصنع النفوذ ما لم يُرافقه نموذج معرفي موجه. والعلوم البينية تمثل الأداة المثلى لتحويل المعرفة من مادة أكاديمية إلى قوة سيادية قادرة على التأثير في القرار المحلي والدولي.

خاتمة

إن معركة النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا تُحسم بالسلاح وحده، بل في العقل الجمعي الذي يصوغ الرؤى ويعيد تعريف القوة. وإن بناء مشروع عربي معرفي متكامل لا يعني الانعزال، بل الانطلاق من الخصوصية الحضارية نحو التفاعل الواعي مع العالم.

إن تبني العلوم البينية ليس خيارًا نظريًا، بل هو مفتاح السيادة المعرفية، وأداة لإعادة تشكيل موازين القوة لصالح مشروع عربي نهضوي مستقل.

تعليقات