img
img

الموالاة والمعارضة : عينان تبصر بهما الدولة – قراءة في الحالة السورية

img
منصة أفق السياسة

الموالاة والمعارضة : عينان تبصر بهما الدولة – قراءة في الحالة السورية

 

الموالاة والمعارضة: عينان تبصر بهما الدولة – قراءة في الحالة السورية

 

في أي نظام حكم يسعى إلى الاستقرار والتنمية، تمثل الموالاة والمعارضة جناحي التوازن السياسي وعيني الرؤية الوطنية. فالموالاة هي التي تساند الدولة وتدعم توجهاتها العامة، بينما المعارضة هي الضمير النقدي الذي يراقب الأداء ويقترح البدائل ويكشف مواضع الخلل.

ومن خلال هذين المسارين تتشكل الصورة الكاملة للدولة، كما تتكون الرؤية البصرية من عينين لا من عين واحدة، فالعين الواحدة مهما بلغت قوتها، لا تمنح سوى بعد واحد للمشهد، وتخفي الأبعاد الأخرى. وحين تفقد الدولة إحدى عينيها، تفقد معها قدرتها على الإبصار المتكامل، فتصبح قراراتها محكومة بزاوية نظر ضيقة أو رؤية مشوهة للواقع.

الموالاة بين الولاء والتملق

ليس كل من يدعي الولاء وطنيا، فالموالاة الحقيقية ليست في التصفيق للسلطة ولا في تبرير الأخطاء، بل في دعم الدولة حين تصيب، وتنبيهها حين تخطئ.

الموالي الحقيقي هو من يرى الدولة مشروعا وطنيا يتجاوز الأشخاص، ويدرك أن الاستقرار لا يتحقق بالسكوت عن العيوب، بل بشجاعة المراجعة والمصارحة.

أما أولئك الذين يظنون أن الولاء يعني المديح الدائم أو الدفاع الأعمى، فإنهم في الواقع يضرون الدولة أكثر مما ينفعونها، لأنهم يحجبون عنها الحقيقة ويجعلونها تسير في ظلام الثناء الكاذب.

وفي السياق السوري، كثيراً ما اختزل مفهوم الموالاة في "المدافع عن النظام" لا "المدافع عن الدولة"، وهذا اختزال خطير جداً.

فالدولة كيان أوسع من أي حكومة أو قيادة، وهي الإطار الذي يحمي الجميع، موالين ومعارضين على حد سواء.

إن الدفاع عن الدولة يعني صون مؤسساتها ووحدتها واستقلالها، لا تبرير كل ما يصدر عنها من قرارات أو ممارسات.

المعارضة بين النقد والهدم

وفي المقابل، ليست كل معارضة وطنية، فالمعارضة الحقيقية لا تقوم على الرفض من أجل الرفض، ولا على هدم المؤسسات دون بدائل.

إنها نقد مسؤول يسعى إلى تصويب المسار لا إلى إسقاط الدولة.

فالمعارضة الوطنية تُبنى على رؤية وبرنامج وشعور عميق بالمسؤولية تجاه المجتمع، لا على خطاب الكراهية أو الاستقواء بالخارج.

وحين تفقد المعارضة بوصلتها الوطنية، تتحول من عين ناقدة إلى يدٍ هادمة، وتفقد دورها في حفظ التوازن السياسي والاجتماعي.

وفي التجربة السورية المعاصرة، تباينت أشكال المعارضة بين من تبنى خطاباً وطنياً إصلاحياً مؤمناً بالتغيير من الداخل، ومن انجر إلى صراعات وتحالفات دولية جعلته أداة في لعبة النفوذ الإقليمي والدولي.

وهنا تتضح خطورة المشهد: فكما أن الموالاة الزائفة تضعف الدولة من الداخل، فإن المعارضة غير الوطنية تضعفها من الخارج.

والنتيجة واحدة – ضبابية في الرؤية، وضياع للبوصلة الوطنية.

صانع القرار بين عينين

لا يستطيع صانع القرار أن يرى بوضوح إن اعتمد على صوت واحد فقط، فمن يستمع فقط للمصفقين سيظن أن كل شيء على ما يرام، ومن يستمع فقط للناقدين سيظن أن كل شيء ينهار.

الحكمة السياسية تقتضي أن تستمع كل الأصوات الوطنية، وأن يؤخذ من الموالاة صدق الانتماء، ومن المعارضة دقة النقد.

فالقرارات الرشيدة لا تصنع في بيئة صدى صوت واحد، بل في بيئة حوار وطني مفتوح، يلتقي فيها الولاء بالعقل، والنقد بالمسؤولية.

وإن ما تحتاجه سوريا اليوم، بعد سنوات من الصراع والانقسام، هو إعادة بناء العلاقة بين الموالاة والمعارضة على أسس وطنية جديدة، نحن بحاجة إلى موالاة مخلصة للدولة لا للأشخاص، تؤمن بالاستقرار ولكنها لا تخشى النقد، وبحاجة إلى معارضة وطنية حقيقية تمارس النقد بجرأة ولكن من داخل الإطار الوطني، تطرح البدائل وتشارك في البناء بدل الاكتفاء بالهدم.

إن استعادة التوازن بين العينين – عين الموالاة وعين المعارضة – ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة واستمرارها.

ولقد آن الأوان للنخب السورية – السياسية والفكرية والإعلامية – أن تعيد تعريف أدوارها خارج ثنائية الصراع التقليدي بين الموالاة والمعارضة، فالوطن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاصطفافات، بل إلى عقلانية وطنية جديدة تقوم على النقد المسؤول والولاء الواعي، وتضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.

فالموالاة مطالَبة بأن تتحرر من ذهنية التبرير وأن تتبنى خطاباً إصلاحياً يعزز ثقة المواطن بدولته،

والمعارضة مدعوة لتجاوز لغة الاتهام وطرح رؤى بناءة تساهم في ترميم ما تهدم.

فمستقبل سوريا لن يصنعه طرف واحد، بل تشارك العقول المتباينة في رؤية واحدة، رؤية تعيد تعريف الوطنية باعتبارها التقاءً في الهدف وإن اختلفت الوسائل، وتعيد بناء السياسة على قاعدة الحوار لا الإلغاء، والمصلحة العامة لا المكاسب الفئوية، وحين تدرك النخب أن اختلافها يجب أن يكون اختلافَ بصيرة لا صراع عيون، عندها فقط ستبصر سوريا طريقها نحو الدولة العادلة القادرة، دولة ترى بعيني الموالاة والمعارضة معاً، فتبصر الحقيقة كاملة، وتمضي بثقة نحو مستقبل يليق بتضحيات أبنائها.

 

 

تعليقات