img
img

مقال: القوميات الجاهلية وخطر التمزق

img
الشبكة

مقال: القوميات الجاهلية وخطر التمزق

سلسلة في السياسة الشرعية وتطبيقاتها


✍️ أ.د. عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية 
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان 


إن المشهد الثقافي الذي نعيشه اليوم في عالمنا العربي والإسلامي، مع تركيزه المكثف على إحياء النعرات القومية المبنية على التراث الفرعوني في مصر، والأمازيغي في شمال إفريقيا، والآشوري في المشرق، والفينيقي في الشام.. ليس ظاهرة بريئة ولا مجرد اهتمام أكاديمي محايد.


إنها في الحقيقة معركة وجودية تهدف لتمزيق جسد الأمة الواحدة بزرع النزاعات وخلق التفرقة، وذلك بتمجيد الحضارات الغابرة لكل جهة جغرافية وتجاهل الحضارة الإسلامية الجامعة لها.


فيُقدَّم لنا التراث الوثني على أنه "هويتنا الأصلية" التي يجب أن نعود إليها، وكأن الإسلام كان مجرد مرحلة عابرة في تاريخنا قطعتنا عن جذورنا "الحضارية"! وكأن الانتماء للقومية الجاهلية أولى من الانتماء للأمة الإسلامية الواحدة.


خطر النعرات القومية على وحدة الأمة


لقد حذرنا النبي ﷺ من هذه النعرات الجاهلية التي تفرق بين المسلمين، فقال: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"، عندما تنادى بعض الصحابة بدعوى الجاهلية. وقال عليه الصلاة والسلام: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ".


إن الدعوة إلى القوميات المبنية على الحضارات الجاهلية إنما هي إحياء لهذه العصبية المذمومة، التي جاء الإسلام ليمحوها ويجعل رابطة المسلمين هي العقيدة لا الجنس ولا اللغة ولا التراث الجاهلي.


قال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92].


موقف المسلم من الحضارات الجاهلية


فكيف يمكن لمن يشهد "أن لا إله إلا الله" أن يفتخر بحضارات قامت على الشرك والطغيان، وادعى أصحابها الألوهية، كما قال فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24]؟


{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة:109].


يقول السعدي: "فاضل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} أي: على نية صالحة وإخلاص {وَرِضْوَانٌ} بأن كان موافقا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، {خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا} أي: على طرف {جُرُفٍ هَارٍ} أي: بَالٍ، قد تداعى للانهدام، {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} لما فيه مصالح دينهم ودنياهم".


العبرة بالأسس لا بالمظاهر


إن ضخامة الأهرامات، وجمال التماثيل، وروعة الآثار لا يغير من الحقيقة شيئًا. فالقرآن يصور لنا قوة هذه الحضارات ولكن ذلك في معرض الذم وليس الإشادة والتعظيم.


{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [سبأ:45].


يقول البغوي: "كذب الذين من قبلهم أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشد من هؤلاء بطشا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع عيشا، فأهلكتهم كثمود وعاد. وما بلغوا أي ما بلغ أهل مكة معشار ما آتينا تلك الأمم".


وصورت لنا الآيات بتفصيل أكبر وفي أكثر من سورة مصير هذه الحضارات وأنها آلت إلى هلاك وزوال، وحل بهذه الأقوام عظيم العقوبات وذلك للاتعاظ والاعتبار، فهل يعقل أن نقابلها بالاحتفاء والافتخار؟


{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)} [الفجر].


يقول السعدي: "{أَلَمْ تَرَ}: بقلبك وبصيرتك كيف فعل بهذه الأمم الطاغية".


{فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40].


البراءة من الشرك وأهله


فموقف المسلم هو البراءة من كل الحضارات التي قامت على الشرك، اقتداءً بسيدنا إبراهيم عليه السلام:


{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4].


يقول ابن عثيمين: "إبراهيمُ والَّذين آمَنوا معه تبَرَّؤُوا مِن قَومِهم المُشرِكينَ قبْلَ أنْ يَتبرَّؤوا مِن الأصنامِ".


الموقف الشرعي من زيارة الآثار


أما زيارة المتاحف والأماكن الأثرية فيجب أن تكون - كما نبه العلماء - للاعتبار والاتعاظ، لا للافتخار والانتماء.


قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن أصْحَابِ الحِجْرِ: "لا تَدْخُلُوا علَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أصَابَهُمْ".


الخلاصة


إن الدعوة إلى إحياء القوميات الجاهلية والافتخار بالحضارات الشركية إنما هي سلاح موجه لتفتيت الأمة الإسلامية وتحويل ولائها من رابطة العقيدة إلى روابط العرق والجغرافيا والتاريخ الجاهلي. 


وواجبنا كمسلمين أن نعتز بانتمائنا لأمة الإسلام الواحدة، وأن نفهم التاريخ فهمًا صحيحًا: درسًا للاعتبار لا مصدرًا للافتخار، وتذكيرًا بعاقبة الشرك لا دافعًا للنعرات القومية المفرقة.



{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103].

تعليقات

الكلمات الدلالية