قراءة فقهية سياسية في ضوء مقاصد الشريعة والسياسة الحكيمة
المقدمة: منعطف تاريخي في مسار طويل
يأتي قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في 31 أكتوبر 2025،- رغم ما قد يشوبه من قصور ومؤخذات - ليضع نقاطاً حاسمة على حروف قضية طال فيها الجدل والمراوحة. هذا القرار الذي اعتمد الاستقلالية الحقيقية تحت السيادة المغربية كـ"الحل الأكثر واقعية"، يستحق قراءة عميقة لا بمنطق التحول السياسي الضيق، بل بمنظور فقهي شرعي وحضاري يستحضر مقاصد الشريعة في جمع الكلمة ورأب الصدع.
وفي الوقت ذاته، يُلزمنا هذا القرار أن نسائل إرث الاستعمار الذي ما زالت آثاره تنزف في جسد الأمة، ولا ننسى الجراح المفتوحة الأخرى: سبتة ومليلية والأندلس بشكل عام.
أولاً: الحدود الاستعمارية - أدوات تفتيت مقصودة
التفتيت المنهجي للوحدة
لم تكن الحدود التي رسمها المستعمر يومًا تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعوب أو انعكاساً صادقاً لواقعها التاريخي والحضاري والديمغرافي. بل كانت أدوات تفتيت مقصودة بعناية، صُمِّمت بدقة لتحويل الأمة الواحدة إلى كيانات متصارعة تستنزف طاقاتها في نزاعات حدودية عقيمة لا تنتهي، بينما تظل مقيدة بقيود الفقر والقمع والتبعية الاقتصادية والسياسية والبعد عن تحكيم شريعة الله .
جاء هذا التقسيم الاستعماري كآلية لـفرض الهيمنة والسيطرة، حيث يسهل على الدولة الاستعمارية أن تتحكم بأراضٍ منقسمة على ذاتها، تنافس بعضها البعض، بدلاً من مواجهة كتلة حضارية موحدة متماسكة تملك من المقومات ما يهددها.
الموقف الفقهي للوحدة الإسلامية
لقد أجمع علماء الأمة - قديماً وحديثاً - على أن وحدة دار الإسلام من مقاصد الشريعة الكلية الكبرى ، وأن التمزق الجغرافي المصطنع يناقض روح الإسلام الجامعة ومبادئه الأساسية. فالقرآن الكريم يؤكد: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، وكذلك ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).
الأصل في السياسة الشرعية الحكيمة إذاً هو:
- الاجتماع لا الافتراق
- التعاون لا التناحر
- البناء المشترك لا التشرذم
- الوحدة كمقصد ديني
- النصرة لا الخذلان
ثانياً: الحدود الاستعمارية الثلاث المفتوحة: الصحراء وسبتة ومليلية والأندلس
1. الصحراء المغربية: حق تاريخي ضارب في عمق الزمن
البعد التاريخي والسياسي
إن الحديث عن السيادة المغربية على الصحراء ليس ترفاً قوميّاً ولا عصبية إقليمية، بل هو استعادة لحق تاريخي عميق تشهد له الوثائق والمعاهدات والمصادر الموثوقة. الصحراء المغربية لم تكن يومًا أرضًا "بلا صاحب" بلا انتماء، بل كانت جزءاً عضويًا متكاملاً من المجال الترابي والروحي والاقتصادي لدولة المغرب الأقصى، تربطها به:
- البيعة الشرعية والعلاقات القبلية التاريخية
- المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة
- الامتداد الجغرافي الطبيعي والوحدة الإقليمية
- الهوية الحضارية والثقافية الموحدة
- وحدة الصف في نصرة الإسلام والمسلمين
وحين انسحب المستعمر الإسباني في 1975، ترك خلفه ألغاماً سياسية معقدة ما زلنا نحصد شظاياها إلى اليوم. لكن العدل والمنطق التاريخي يقتضيان أن نعود إلى الأصل قبل التشويه، وأن نُصحح المسار بما يُحقق الحق ويرفع الظلم ويُرضي الضمائر.
القرار الأممي: اعتراف دولي متزايد بالحق المغربي
القرار الأممي الجديد - رغم ما قد يشوبه من قصور أو تحفظات إجرائية - يمثل اعترافاً دولياً متنامياً بمشروعية الموقف المغربي. وقد صوتت لصالحه 11 دولة، مع امتناع 3 دول (الصين وباكستان وروسيا) عن التصويت، بينما رفضت الجزائر المشاركة في التصويت برمته. هذا يعكس بداية تحول كبير في الساحة الدولية.
عديد من الدول الكبرى والمهمة دعمت القرار صراحة .
كما أن أكثر من 85% من دول العالم لا تعترف بكيان الجمهورية الصحراوية الموهوم التابع للبوليساريو، وفي الأشهر الأخيرة وحدها انسحبت غانا وبنما والإكوادور من الاعتراف به.
هذا يُمثل انقلاباً تاريخياً في الحسابات الدولية وليس مجرد تطور عابر.
2. سبتة ومليلية: جروح لم تندمل بعد
التاريخ والمشروعية الفقهية
لكننا نذكّر بأن قضية الصحراء ليست الجرح الوحيد في جسد المغرب والعالم الإسلامي. فـ سبتة ومليلية تظلان نموذجاً حياً لاستمرار الوجود الاستعماري الإسباني في الأراضي المغربية.
تاريخياً، كانت سبتة في القرن الخامس عشر مدينة إسلامية عامرة بأكثر من ألف مسجد، و62 مكتبة، و43 مؤسسة تعليمية وجامعة واحدة عالمية. احتلتها إسبانيا بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، في الفترة ذاتها التي كانت تكتشف فيها أمريكا وتمهد لاستعمار العالم.
المغرب يرفع دعاوى قانونية ودولية مستمرة لاستعادة هاتين الواحتين، بحجة:
- الامتداد الجغرافي: سبتة ومليلية محاطتان بالأراضي المغربية ولا يملكان اتصالاً برّياً بإسبانيا
- المبادئ الأممية: اتفاقيات الأمم المتحدة بشأن إنهاء الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها
- المشروعية التاريخية والثقافية: كانتا جزءاً من الكيان الإسلامي المغاربي لقرون
لكن إسبانيا تتمسك بموقفها تحت حجة السيادة التاريخية، بينما تظل هذه القضية جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الجماعية المغربية والعالم الإسلامي.
التأثير الديمغرافي والهويّة الثقافية
حالياً، السكان المسلمون في سبتة ومليلية ينمو عددهم بشكل أسرع من السكان المسيحيين الإسبان، وهو ما يثير قلق السلطات الإسبانية حول الهوية الثقافية والدينية للمدينتين. هذا يعكس حقيقة ديمغرافية تتجه نحو إعادة الطبيعة الإسلامية للمنطقة.
3. الأندلس: الذاكرة الحضارية المضيئة والجرح المفتوح
حقبة ذهبية من الحضارة
لا يمكن أن نتحدث عن الاستعمار الإسباني في شمال أفريقيا دون الالتفات إلى الأندلس والمدة الطويلة من الحضارة الإسلامية الساطعة. امتدت الحكومة الإسلامية في الأندلس ثمانية قرون كاملة (من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر الميلادي)، وتركت إرثاً حضارياً ضخماً:
- مراكز علمية وجامعات عريقة ذات سمعة دولية
- مكتبات ضخمة تحتوي على مئات الآلاف من المخطوطات النادرة
- تطور هندسي معماري لا نظير له في العصر الوسيط
- نموذج فريد من التعايش السلمي بين المسلمين واليهود والمسيحيين تحت نظام الذمة
الأندلس لم تكن مجرد دولة سياسية، بل رمز حضاري للتسامح والعلم والعدل والازدهار تحت نظام إسلامي يحكم فيه بشرع الله . وحين سقطت بـ"الاسترجاع" (Reconquista) عام 1492، بدأ عصر جديد من الاستعمار الأوروبي امتد إلى شمال أفريقيا وما وراءها.
إسبانيا نفسها استخدمت "استرجاع" الأراضي من المسلمين ذريعة لاستعمار العالم الجديد، بينما احتفظت بمدن شمال أفريقيا كـ"متاحف للاستعمار"، في تناقض صارخ مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي اعتنقتها الأمم المتحدة.
ثالثاً: القرار الأممي في السياق الأوسع
خطوة نحو تصحيح التاريخ
هذا القرار، رغم حدود تأثيره الفوري، يجب أن يُقرأ كخطوة تصحيحية على الطريق الطويل وليس إحسانا من الأمم المتحدة :
- إنهاء لمخلفات الاستعمار التي ظلت تغذي الصراعات والانقسامات المفتعلة
- استعادة للوحدة الترابية التي هي أساس الاستقرار والقوة
- فتح لصفحة جديدة في المغرب العربي، تتجاوز الخلافات المصطنعة نحو التكامل الحقيقي والتعاون الجاد
- رسالة سياسية واضحة بأن الحدود الاستعمارية بدأت تفقد مشروعيتها الأممية
- بداية لفقدان الأنظمة الوظيفية مشروعيتها هي كذلك والأيام القادمة حمّالات
رابعاً: مسؤولية النخب والمفكرين
دور الفقهاء والمثقفين في بناء المستقبل
على النخب الفكرية والدينية والسياسية في العالم الإسلامي مسؤولية جسيمة في هذا السياق الحساس:
1. رفض تقديس الحدود الاستعمارية
لا ينبغي أن نقبل الحدود التي رسمها المستعمر كثوابت لا تُمس أو قدسيات لا تُناقش. بل يجب أن نتعامل معها كـنتاج تاريخي للاحتلال يمكن ويجب تصحيحه عندما تتوفر الظروف والإرادة والقدرة.
2. الدعوة الواضحة إلى الوحدة
يجب على المفكرين والعلماء أن يرفعوا الصوت بقوة وحكمة:
- للوحدة الحقيقية بين الشعوب الإسلامية
- لاستعادة الحقوق التاريخية المغتصبة
- لرفع الظلم عن الشعوب المضطهدة
- تثبيت عقيدة الولاء للمسلم وتكافئ الدماء
- تحقيق نصرة المسلمين بعضهم بعضا شرقا او غربا
3. نبذ العصبيات القومية الضيقة
يجب التمييز بين:
- الانتماء الوطني الصحيح الشرعي الذي يحافظ على خصوصيات الشعوب ويحترمها بالمنضبط بما شرعه الله
- العصبيات الجاهلية القومية الضيقة التي تؤجج الصراعات وتعمق الجراح
4. العمل على الصلح والحوار الحقيقي
السياسة الشرعية الحكيمة تقتضي السعي المستمر لجمع الصف وتوحيد الكلمة. فيجب على النخب:
- توسيط الحوار بين الأطراف المتنازعة
- البحث عن حلول عادلة تحفظ كرامة الجميع لن يكون ذلك إلا بالتحاكم إلى شرع الله الحكيم
- عدم الانجرار خلف دعاية خارجية تريد تأجيج الخلافات لضعفاء الأمة
- عدم الإنجراف خلف النزاعات المفتعلة كوسيلة لإلهاء الشعوب
ختاما : نحو مغرب عربي موحد - الرؤية الحضارية
استثمار اللحظة التاريخية
القرار الأممي يفتح نافذة فريدة يجب أن نستثمرها بحكمة وسرعة وعزيمة. على جميع الأطراف - حكومات وشعوباً ونخباً - أن تعمل معاً على:
طي صفحة الماضي الاستعماري
- الاعتراف الكامل بأضرار الاستعمار وجراحه الغائرة
- الإستقلال من المستعمر في الحكم والسياسة والإقتصاد والتعليم ...
- العودة إلى شريعة الله
- عدم السماح للأجيال الجديدة بالعيش في ظل جراح الماضي وظلماته
فتح أفق جديد للتعاون المغاربي الحقيقي
المغرب العربي يملك من المقومات ما يجعله:
- قوة اقتصادية متوسطة إقليمية ذات ثقل دولي
- مركزاً للابتكار والعلم والثقافة الإسلامية
- فاعلاً أساسياً في السياسة الإفريقية والدولية
إعادة الاعتبار للوحدة كقيمة إسلامية وحضارية عليا
الوحدة ليست ترفاً أو حلماً مثالياً بعيد المنال، بل هي:
- ضرورة استراتيجية للبقاء والقوة والاستقلالية
- مطلب ديني وأخلاقي من أحكام الشريعة الغراء
- أساس الحضارة والتنمية المستدامة والرخاء
نحو نهضة حضارية موحدة
إعادة بناء الهوية إسلامية المشتركة
المنطقة المغاربية - بكل ثرواتها البشرية والطبيعية والحضارية والثقافية . تستحق أفضل بكثير من هذا الواقع المجزأ والمؤلم. تستحق أن تكون:
- تحت رحمة الله بتحكيم شرعه
- فضاء للتكامل لا للصراع المفتعل
- ساحة للبناء والإنشاء لا للهدم والتدمير
- نموذج للوحدة الإسلامية القائمة على العدل والحكمة والعلم
- مركز إشعاع حضاري للعالم الإسلامي والإنساني بأسره
- مركز لنصرة الإسلام والمسلمين
( يبدو أن هذا الأمر بعيد لكن ليس ذلك على الله بعزيز )
الرسالة الموجهة إلى الأجيال
إن استعادة المغرب لصحرائه - وفي المستقبل سبتة ومليلية والأندلس - ليست انتصاراً على أحد معين، بل هي:
- انتصار للحق الذي طال انتظاره وضاع في متاهات السياسة الدولية
- انتصار للعدل الذي تأخر طويلاً عن مسار التاريخ
- انتصار للوحدة التي هي سبيل الأمة الإسلامية إلى القوة والكرامة والريادة الحضارية
وهذا الانتصار لن يتحقق حقيقة ، إلا بـ:
- العودة إلى الله وشرعه
- القوة الفكرية والحضارية الحقيقية
- الإرادة الشعبية الموحدة المستنيرة بالوحي
- الالتزام الديني بمقاصد الشريعة وحكمها
"والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (يوسف: 21)
اكتب مراجعة عامة