"الفاشر...
الرعب الذي وثقته الدماء"
التاريخ:
30 أكتوبر 2025م
يكتب الإعلامي
والناشط الحقوقي اليمني/ هشام المساوى
صرخة الوداع
الأخيرة من عاصمة الشمال: كيف ابتلعت الفاشر موجة الرعب؟
لم تكن الفاشر
مجرد مدينة؛ كانت قلعة الصمود الأخيرة في دارفور، رمزاً لمقاومة مريرة دامت لأكثر من
عام ونصف. لكن مع إعلان مليشيا الدعم السريع سيطرتها الكاملة عليها مؤخراً، لم تسقط
مجرد عاصمة ولاية، بل سقط معها جدار الأمان الذي كان يحتمي خلفه عشرات الآلاف من المدنيين
العُزّل. لقد تحول المشهد، بين ليلة وضحاها، من حصار خانق إلى كارثة إنسانية موثقة
بدم بارد.
بشهادة الأرقام
والدماء: آلاف القتلى في أيام
الحقائق
المروعة ليست خاضعة للتأويل، بل هي مُرصعة بشهادات رسمية وحقوقية قاسية:
"جريمة
ضد الإنسانية وإبادة جماعية": هذا هو الوصف الذي أطلقته وزارة الصحة السودانية
ونائب مفوض العون الإنساني على ما حدث. الأرقام تتحدث عن نفسها: أكثر من 2000 قتيل
مدني في الفاشر وحدها، وفقاً لبيانات رسمية للقوة المشتركة في دارفور ومنظمات الإغاثة.
هذه الأرواح
لم تسقط في معركة عادلة. بل وثّقت التقارير ممارسة الإعدامات الميدانية في الشوارع.
والأسوأ، أن شهود عيان تحدثوا عن استهداف الجرحى والمرضى بدم بارد داخل المستشفيات،
في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية. بل وتفاخر بعض عناصر المليشيا بتوثيق
هذه الجرائم عبر منصات التواصل، على غرار ما فعله أشباههم الوحوش من جيش الاحتلال في
غزة، في استهانة مروعة بقيمة الروح البشرية.
وتركوا وراءهم
قصصاً للنهب والاغتصاب كسلاح تدمير
لم يكن الهدف
عسكرياً بحتاً؛ بل كان تدمير النسيج الاجتماعي وإذلال الأهالي. النازحون الذين تمكنوا
من الفرار إلى مناطق اللجوء المجاورة حملوا معهم قصصاً لن تمحوها السنون:
من النهب
الممنهج: جُرّدت المنازل والممتلكات، وتحولت البنية التحتية والمرافق الحيوية إلى ركام
أو "غنائم حرب". هذا التجويع القسري قطع سُبل الحياة، وحوّل الحصار إلى حكم
آخر بالإعدام البطيء على الأطفال وكبار السن أو مَن بقي على قيد الحياة.
وأما عن العنف الجنسي: سجلت بعثة الأمم المتحدة لتقصي
الحقائق شهادات "مفجعة" تتعلق بـالاغتصاب
وغيره من أشكال العنف الجنسي الذي تستخدمه المليشيا كسلاح حرب لكسر إرادة المجتمع وتشتيته.
الخوف الذي
زرعه هؤلاء الوحوش البشرية كان فظيعاً.
أصبح الوضع
الإنساني كارثياً. الأمم المتحدة أعلنت عجزها عن الوصول الآمن إلى المدنيين في الفاشر،
مما يعني أن المصابين والجوعى أصبحوا رهائن للوضع الأمني المتدهور.
والسؤال
هنا: ألم تكن الجهات الدولية المعنية مُدركة لحجم الفاجعة الوشيكة، خاصة مع التحذيرات
من تكرار نمط التطهير العرقي الذي سُجّل في مناطق مثل الجنينة، وكان سبباً في موجات
نزوح هائلة أرهقت قدرة المنطقة على الاستيعاب؟ أم أن العالم قد تعوّد أن يصم آذانه
عن الجناة أينما حلوا؟
وأما عن
سقوط الفاشر، فلا يعني نهاية الفصل، بل بداية تداعيات خطيرة. فالتقسيم خطر آخر يهدد
السودانيين، وفق ما يراه مراقبون من أن سيطرة المليشيا على كامل إقليم دارفور ووسط
البلاد، والتحكم في مصادر الثروات كالذهب، يهدد بتحويل الصراع إلى مسار لتقسيم السودان
فعلياً.
إذاً، فقد
باتت المحاسبة ضرورة وليست خياراً: فمع تزايد وحشية الجرائم، لا بد أن يزداد الضغط
الدولي الآن لإحالة الملفات إلى محكمة الجنايات الدولية.
إنها صرخة
مدوية من قلب السودان الدامي، صرخة لا تطلب العاطفة وحدها، بل تطلب العدالة لكي لا
تصبح هذه الفظائع فصولاً منسية في كتاب التاريخ الأسود.
اكتب مراجعة عامة