img
img

الكسل العقلي | مظاهره وأبعاده المعرفية في عصر التكنولوجيا

img
منصة ساند الإعلامية

الكسل العقلي | مظاهره وأبعاده المعرفية في عصر التكنولوجيا

الكسل العقلي ..

مظاهره وأبعاده المعرفية في عصر التكنولوجيا

كتبة د. صخر عبد الله الغزالي

 

يُعدّ الكسل العقلي من أخطر الظواهر الفكرية التي تواجه الإنسان المعاصر في ظلّ التحولات التكنولوجية المتسارعة. فبينما كانت المعرفة في الماضي تُكتسب بالبحث والاجتهاد والمثابرة، أصبح الوصول إليها اليوم يتمّ بضغطة زرّ، حتى غدا الإنسان متلقياً للمعلومة أكثر منه منتجاً لها. هذه السهولة المفرطة، وإن بدت في ظاهرها نعمةً، فإنها تحمل في طيّاتها تهديداً لبنية التفكير الإنساني ومقدرته على التحليل والاستنتاج. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دراسة مفهوم الكسل العقلي، ومراحله التاريخية، وآثاره المستقبلية، وسبل التعامل معه.

يُعرَّف الكسل العقلي بأنه حالة من الخمول الذهني والتراجع في الرغبة بالبحث والتفكير والنقد، تؤدي إلى الاكتفاء بتلقّي المعارف الجاهزة دون بذل جهدٍ في التمحيص أو التحليل أو المقارنة. وهو لا يُعبّر عن ضعفٍ إدراكي فحسب، بل عن انحسار الإرادة الفكرية التي تدفع الإنسان إلى التساؤل والاكتشاف. فالعقل، شأنه شأن أي عضلة في الجسد، يفقد قدرته على الأداء الفعّال كلّما قلّ استعماله. ومن ثمّ، يُفضي الكسل العقلي إلى انحدارٍ تدريجي في القدرة على الإبداع والإنتاج الفكري.

يتكوّن الكسل العقلي من خلال التكرار المستمر للاعتماد على الوسائل السهلة والسريعة في الحصول على المعلومات. ومع مرور الوقت، يترسّخ هذا النمط السلوكي في الذهن فيتحوّل إلى عادة معرفية. لا يُعدّ الكسل العقلي ظاهرة طارئة، بل هو نتيجة تراكمية لثقافة معرفية تفضّل النتائج الفورية على العمليات البحثية المتأنّية. إن انعدام التحدي في عملية التعلم يفقد العقل حافزه الطبيعي على الاستقصاء والتفكير النقدي، مما يؤدي إلى تآكل قدراته المعرفية وانكماش فضوله العلمي الذي يعد الوقود الحقيقي للتراكم المعرفي والإنتاج الإنساني .

الكسل العقلي لم يكن وليد حدث ما بل هو إفراز مجموعة من العوامل التراكمية ، لذلك يمكن تتبّع تطوّر ظاهرة الكسل العقلي عبر المراحل التاريخية لتطوّر أدوات المعرفة ومن أبرزها مرحلة ما قبل الطباعة: في هذه المرحلة، كان اكتساب المعرفة عملية شاقة تتطلّب السفر والبحث والمقابلة والتدوين اليدوي. وكان الباحث يشعر بقيمة المعلومة التي يصل إليها بعد جهدٍ طويل، فيتكوّن لديه ارتباط عاطفي وفكري بالمعرفة، يجعلها جزءاً من خبرته الوجودية. ثم انتقلت المعرفة إلى طور جديد من خلال ما بعد مرحلة الطباعة حيث مثّلت الطباعة نقلة نوعية في انتشار المعرفة، إذ سهّلت تداول الكتب والمراجع، لكنها لم تُلغِ الجهد الذهني المطلوب لفهم النصوص وتحليلها. فظلّ القارئ فاعلاً في العملية المعرفية لا متلقياً سلبياً.

ثم جاءت مرحلة النشر الإلكتروني مع تحول المطبوعات إلى صيغة رقمية، تزايدت سرعة الوصول إلى المعلومات، وتحوّل الكتاب الورقي إلى ملف إلكتروني يسهل نسخه وتداوله. ومع ذلك، بقيت الحاجة إلى القراءة والفهم قائمة رغم اتساع رقعة الانتشار . حتى جاءت مرحلة حاسمة وهي مرحلة الإنترنت: حيث مثّل الإنترنت ذروة الانفتاح المعرفي، إذ أتاح الوصول إلى ملايين المصادر خلال ثوانٍ معدودة. وهذه الوفرة المعرفية أدّت إلى ظاهرة “التخمة المعلوماتية”، حيث تراجعت مهارة الانتقاء والتحليل لصالح الاعتماد على نتائج البحث السريعة. واستمر هذا الواقع حتى مرحلة الذكاء الاصطناعي.

 تمثّل مرحلة الذكاء الاصطناعي أحدث صور التحوّل المعرفي؛ إذ أصبح يقدّم الإجابات الجاهزة دون الحاجة إلى بحث أو مقارنة. وهنا يبلغ الكسل العقلي أقصى مراحله، حين يتخلّى الإنسان عن التفكير التحليلي لصالح الاعتماد الكلي على أنظمة ذكية تتخذ القرارات نيابةً عنه. وهذا بدورة أنتج الكثير من السلبيات على مستوى البناء المعرفي من أبرزها :

أولا - تراجع الإبداع والإنتاج المعرفي: إذ يصبح العقل مستهلكاً للمعلومة لا مولّداً لها، مما يضعف القدرة على الابتكار العلمي والثقافي. ورغم أن الانسان هو من يوجه ويصنع خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلا أن هذه الفئة محدودة جدا مقارنة بالفئات التي تستهلك المعرفة .

ثانيا - تفكّك التفكير النقدي: حيث يَفقد الإنسان القدرة على التمييز والتساؤل بين الحقيقة والوهم، مما يسهّل انتشار التضليل المعلوماتي وما ينتجه من انحرافات فكرية وثقافية . كذلك ما يعرف بـ"تسطيح المعرفة" جرّاء البناء الهش على أسس معرفية سطحية.

ثالثا - اختلال التنمية البشرية: لأن الأمم التي تفقد دافع البحث والاجتهاد تفقد قدرتها على التطور العلمي والاقتصادي تدريجياً.

رابعا - تآكل الهوية الثقافية: حين يعتمد الأفراد على معارف مستوردة ومعلّبة، دون إدراك سياقاتها الفكرية والحضارية والثقافية يفرز هذا واقعا من الجنوح الثقافي نحو المُصدِّر الأقوى والمؤثر وبالتالي تشكيل المعرفة والثقافة للشعوب المستهلكة .

 

تتطلّب مواجهة الكسل العقلي استراتيجية معرفية متكاملة تتظافر فيها الجهود في عدة مسارات هامة من أبرزها تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليلي في المراحل التعليمية المبكرة، بحيث يُدرّب المتعلم على التساؤل والمقارنة والاستنتاج.

كذلك تعزيز ثقافة البحث الذاتي من خلال تشجيع المشاريع الأكاديمية القائمة على الاستقصاء والتجريب لا على النقل المباشر.

ومن ذلك ترسيخ ثقافة مجتمعية بأن استخدام التكنولوجيا يعد وسيلة لا بديل؛ فالذكاء الاصطناعي يجب أن يُوظّف لتوسيع أفق التفكير لا لإلغائه او تحجيمه .

كذلك إحياء قيمة الجهد في التعلم عبر تعزيز الوعي بأهمية المشقة المعرفية في تكوين العقل الباحث. وبناء بيئة ثقافية ناقدة تحفّز النقاش العلمي والفكري وتنبذ الاستسهال الذهني.

في الحقيقة إن الكسل العقلي ليس عرضاً عابراً، بل هو نتاج مسار حضاري طويل من الاستسهال المعرفي، فقد كان القدماء من علماء المسلمين يحذرون من توسع طلبة العلم في اللجوء إلى المختصرات ويذمون طالب العلم الذي ليست له رحلة في الامصار ، وكل ذلك أثمر حضارة ملء انتاجها البشرية لأنها كانت تعرف قيمة المعرفة العلمية ، وهذا على عكس ما نراه اليوم في تسارع الأدوات التقنية وتضخّم وفرة المعلومات.

إن الخطر الأكبر يكمن في أن يتحوّل الإنسان من كائنٍ مفكّر إلى كائنٍ متلقٍ، ومن صانع للمعرفة إلى مستهلكٍ لها. ولذلك، فإنّ صون القدرات العقلية البشرية يتطلب إعادة الاعتبار للجهد الذهني، وإحياء روح البحث والاكتشاف، وإرساء ثقافةٍ معرفيةٍ تُوازن بين سرعة التقنية وعمق التفكير. فبغير ذلك، سيظل الكسل العقلي بوابةً مفتوحةً نحو التراجع الحضاري والانكماش الإنساني.

 

تعليقات