أ.د عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكترونية ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
نشرت مجموعة من المنابر الإعلامية مؤخراً رداً رسمياً صادراً عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بالمفرب، حاولت فيه الرد على ما وصفته بـ"الادعاءات" المتعلقة بظروف اعتقال مجموعة من السجناء. لكن المفارقة الصادمة أن هذا الرد الرسمي نفسه، وبقراءة متأنية، لم يكن سوى اعتراف مكتوباً بممارسات خطيرة، ووثيقة إثبات على تطبيق النموذج الأمريكي في إدارة السجون، حيث كشفت المندوبية عن:
· اعتماد نظام التصنيف الأمريكي (A, B, C) بشكل رسمي ومعلن
· ممارسة التكبيل المنهجي للمعتقلين عند خروجهم من زنازينهم
· استخدام ذرائع "الخطورة" لتبرير تجريد السجناء من إنسانيتهم
· الرقابة على الحياة الخاصة والاتصالات العائلية تحت مبررات أمنية
الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسات تُطبق على معتقلين تنطبق عليهم في العرف الدولي صفة معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين، وليس مجرمين عاديين، حيث تم اعتقالهم في ظرفية دولية معروفة شهدت حملات استهداف واسعة للإسلاميين.
فكيف تتحول مؤسسة رسمية إلى أداة لتنفيذ نماذج سجنية غربية فاشلة؟ ولماذا يُصر النظام السجني على تكريس ثقافة الإذلال؟
كتبت في مقال كرئيس للمنصة العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان بعنوان : النمودج الأمريكي للسجون : آلة التعذيب الممنهج ، ثم جاء الرد في بيان من المندوبية السجون المغربية على كل من تكلم في هذا الموضوع .
فبعد تحليل دقيق لبيان المندوبية، يتبين أن الرد نفسه يمثل اعترافاً صريحاً بتطبيق النموذج الأمريكي في إدارة السجون:
أولاً: اعتراف رسمي بنظام التصنيف الأمريكي (A, B, C)
ما ذكرته المندوبية حول "الحي المخصص للسجناء المصنفين صنف ألف" يمثل:
· إقراراً رسمياً بتطبيق نظام التصنيف الأمريكي الوارد في وثائق "Federal Bureau of Prisons"
· آلية فصل عنصري داخل السجون تخلق "سجناً داخل السجن"
· تمييزاً مؤسسياً يخالف المعايير الدولية لحقوق السجناء
· يكرس التمييز والعقاب الجماعي بناءً على تصنيفات تعسفية
السؤال الجوهري: كيف يمكن تبرير تصنيف بشر في فئة "ألف" تستدعي تجريدهم من إنسانيتهم؟
ثانياً: التكبيل كأداة للتعذيب النفسي
اعتراف المندوبية بأن "تصفيده لا يتم داخل زنزانته، بل عند إخراجه منها لأي غرض كان" يكشف:
· ممارسة التعذيب النفسي عبر تكبيل الإنسان كالحيوان أمام الآخرين
· استراتيجية ممنهجة لكسر الشخصية وإذلال الإنسان
· تكتيكاً معروفاً في سجون "Supermax" الأمريكية
· انتهاكاً للبروتوكولات الدولية التي تحظر المعاملة القاسية والمهينة
· تطبيق إجراءات أمريكية أدانتْها كل المنظمات الدولية
ثالثاً: المعتقلون الإسلاميون: معتقلو رأي في العرف الدولي
السياق التاريخي يثبت أن:
· المعتقلين الإسلاميين قضوا عقوداً في السجن ضمن سياق سياسي دولي محدد
· الاعتقال تم في ظرفية دولية معروفة شهدت حملات اعتقال جماعية
· المجتمع الدولي يصنفهم معتقلي رأي أو معتقلين سياسيين وليس مجرمين عاديين
التصنيف الحالي يتجاهل هذه الحقيقة ويُجرم الضحايا مرتين
رابعاً: التناقض بين الخطاب والممارسة
المندوبية تقدم صورتين متناقضتين:
· صورة رسمية: "يستفيد من كل الحقوق المخولة له قانوناً"
· صورة واقعية: "يصفد عند إخراجه من الزنزانة لأي غرض كان"
أي حقوق هذه التي تتحدث عنها المندوبية حين يُحول الإنسان إلى مجرد جسد مقيد؟
خامساً: استخدام التاريخ كأداة للقمع الحاضر
ذكر المندوبية لحوادث تعود لـ2008 ، و2023 كتبرير للممارسات الحالية:
· يمثل انتقاماً غير مبرر وعقاباً على حادث سابق انتهت (عقوبته)
· حرمان من الحقوق الأساسية باستخدام مبررات تاريخية
· انعدام لمبدأ التجديد بمعنى آخر يكرس ثقافة العقاب الدائم
سادساً: الرقابة على الحياة الخاصة والأسرية
اتهام السجين بالتواصل مع أسرته يكشف:
· مراقبة شاملة للحياة الشخصية والعائلية
· عقاباً على التواصل الإنساني الطبيعي
· انتهاكاً للحق في الخصوصية العائلية
الأسئلة المصيرية:
1. أين المصلحة الإصلاحية في تكبيل إنسان كالحيوان؟
2. كيف يساهم التصنيف "ألف" في إعادة الإدماج المجتمعي؟
3. لماذا لا تُطبق المعايير الدولية في تصنيف المعتقلين السياسيين؟
4. أين المساءلة عن سنوات الاعتقال الطويلة في ظل ظروف غير إنسانية؟
5. متى تعترف الدولة بمعاناة أبنائها الذين دفعوا ثمن ظرفية دولية؟
الخاتمة:
بيان المندوبية لم يكن تفنيداً للادعاءات، بل كان وثيقة إثبات على:
· تطبيق النموذج الأمريكي في أبشع صوره
· انعدام الرؤية الإصلاحية في التعامل مع السجناء
· استمرار سياسة التجريم ضد معتقلي الرأي
. محاولة تبرير النمودج بلغة قانونية جافة تخلو من الروح الإنسانية
العار ليس على من يكشفون الانتهاكات، بل العار على من يمارسونها ثم يحاولون تبريرها بلغة القانون المجردة من القيم والأخلاق ، وقد نعطي لذلك اسم "قوننة الإنتهاكات".
نرفض أن تتحول كرامة الإنسان إلى مجرد نقاط في تصنيف، وأن تتحول الحياة الإنسانية إلى مجرد ملف أمني.
الوقت قد حان لوقف هذه المسرحية، والاعتراف بأن المعتقلين الإسلاميين ضحايا ظرفية دولية وليسوا مجرمين، وأن العدالة الحقيقية تبدأ باعتذار الدولة وجبر ضرر الضحايا، لا بمزيد من الإذلال والتصنيف.
اكتب مراجعة عامة