img
img

الهندسة المجتمعية : تفكيك المجتمع ومستقبل الأمة

img
منصة أفق السياسة

الهندسة المجتمعية : تفكيك المجتمع ومستقبل الأمة

الهندسة المجتمعية : تفكيك المجتمع ومستقبل الأمة

د. صلاح الدليمي

تُبنى المجتمعات وتُنظّم عبر مجموعة من الأنظمة المتكاملة التي تُشكّل نسيجها الأساسي: القانون، والأعراف الاجتماعية (المتمثلة في مفاهيم العيب)، والضوابط الدينية (الحلال والحرام). ولكل مجتمع خصوصيته في ترتيب هذه المنظومات وتطبيقها والالتزام بها.

في العراق، قبل عام 2003، كان الانتظام بقوة القانون هو السائد أولًا، تليه منظومتا العرف والعيب، وأخيرًا تأتي منظومة الحلال والحرام، مع تباين في تطبيقها بين الأفراد.

 تحولات ما بعد 2003: البُعد السياسي والاجتماعي

ولكن بعد عام 2003، شهد المجتمع العراقي تحولات جذرية أدت إلى تغيير عميق في "هندسته المجتمعية". هذا التغيير لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة لأسباب سياسية واجتماعية معقدة: انهيار الدولة المركزية ونتائج الاحتلال، بالإضافة إلى ظهور مؤثرات اجتماعية، وسياسية، وإعلامية أسهمت في إعادة تشكيل المجتمع بصورة مختلفة.

 * البُعد السياسي : يُعد انهيار الدولة وما تبعه من فراغ في سلطة القانون نقطة تحول جوهرية. عندما تغيب الدولة، تفقد المنظومة القانونية هيمنتها كمرجعية أولى، مما يفتح الباب أمام قوى وأجندات جديدة للتأثير على المجتمع. هذه الأطراف، سواء كانت داخلية أو خارجية، لا تكتفي بتغيير ترتيب المنظومات، بل تسعى إلى ما هو أخطر: تفكيكها جميعًا، بهدف صياغة المجتمع ليصبح "قطيعًا" يسهل السيطرة عليه وتوجيهه. هذا المفهوم يحمل دلالة سياسية عميقة، فهو يصف حالة من فقدان الوعي الجمعي، حيث يصبح الناس تابعين ويقبلون ما يخالف قيمهم ومبادئهم الراسخة.

 * البُعد الاجتماعي : في البداية، ومع ضعف القانون، مال المجتمع إلى الانتظام حول منظومة العرف والعيب بشكل أكبر، كمرجعية بديلة للضبط الاجتماعي. لكن الخطر الأكبر الذي يواجهه المجتمع اليوم هو محاولة تفكيك هذه المنظومة أيضًا، مما يؤدي إلى فوضى قيمية وأخلاقية. عندما تتلاشى معايير الحلال والحرام، وتضعف قوة القانون، وتتفكك ضوابط العيب والعرف، يصبح المجتمع بلا بوصلة أخلاقية، مما يجعله أكثر عرضة للاختراق والتأثر بأفكار وسلوكيات غريبة عن هويته.

 خطر التفكيك والانهيار القيمي

إن الهدف الحقيقي للهندسة المجتمعية الهدامة ليس فقط تغيير ترتيب هذه المنظومات، بل تدميرها بالكامل. القصد هو إزالة كافة الحواجز القانونية، الاجتماعية، والدينية التي تحمي المجتمع، حتى يتقبل الأفراد ما يخالفها ويتطبعوا معه. وهذا ما يجعل المجتمع هشًا، قابلاً للتوجيه، ومستعدًا للقبول بأي توجه جديد، مهما كان منافياً لثقافته وقيمه.

وكما جاء في الحديث الشريف: "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت"، وهو ما يؤكد على أهمية الحياء كركيزة أساسية للضبط الاجتماعي والأخلاقي. وقد قال الشعبي رحمه الله، في إشارة إلى تدهور العلاقات الإنسانية مع مرور الزمن: "تعاشر الناس فيما بينهم زمانا بالدين والتقوى، ثم رفع ذلك فتعاشروا بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك، فما يتعاشر الناس إلا بالرغبة والرهبة. وسيجيء ما هو شرّ من ذلك." هذا القول يوضح أن فقدان القيم يؤدي إلى تحول العلاقات من أساسها الروحي والأخلاقي إلى أساس مادي ونفعي بحت، مبني على المصلحة والخوف، مما ينذر بمزيد من الانهيار.

تعليقات