أ.سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض
عجزت القوانين الوضعية عن كبح جماح الشهوة،
وارتبكت شرائع البشر في ضبط دوافع الغريزة.
فالنفوس ميالة إلى اتباع الهوى، والنظر إلى المحظور، والتردي في مهاوي الرذيلة.
فما أنتجته حضارة الغرب إلا إباحية مقننة، وفساد مشرع، تحت شعار الحرية الزائفة والتراضي المزعوم.
لقد أعلن الغرب إفلاسه الأخلاقي، فاستسلم لطبيعة البشر الضعيفة بدلاً أن يهذبها،
وأباح الشهوات بدل أن ينظمها.
فأصاب مجتمعاته الدمار، وضاعت فيها الأسر، وضربت فيها القيم.
وللأسف فإن المجتمعات الإسلامية واقعة في التبعية والتقليد الأعمى تزامن ذلك مع بعد عن المعين الصافي من القرآن والسنة
قال رسول الله ﷺ "لتتَّبعنَّ سَننَ من كانَ قبلَكم حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتَّى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه. قالوا: اليَهودُ والنَّصارى؟ قالَ: فمَن."
فأصبحت هذه المجتمعات، على خطى الغرب، تعصف بها أزمات شديدة تهدد أمن واستقرار الأسر المسلمة من ذلك العزوف عن الزواج ونسب مرعبة في العنوسة والخيانات الزوجية..
فلا خلاص للبشرية جمعاء إلا بالعودة إلى شرع الله، الذي يأتي بالنظام المتكامل، والحل المتوازن.
فجاء التشريع الإلهي بمنهج فريد، يضبط الشهوات ولا يكبتها، وينظم الغرائز ولا يحاربها.
فأقام بناءه على ثلاثة أسس راسخة: أساس إيماني يضيء القلوب، وإجراءات احترازية تحصن المجتمعات، وحزم رادع يقطع دابر الفساد.
فها هي سورة النور تشع بأنوار الهدى، وتقدم المنهج الرباني المتكامل لبناء مجتمع العفة والطهارة.
سور الرقابة الإلهية والنور القلبي
في زمن كثرت فيه المغريات، وانتشرت فيه الفتن، تبقى الجرائم الخفية أعظم خطراً.
فالزنا والنظر الحرام وكشف العورات.. جرائم لا تثبتها عدالة بشرية، ولا تقف عندها شرطة ولا حراس.
إنها تحتاج إلى رقابة رب السماوات.
إنها تحتاج إلى نور في القلب، يضيء الطريق، ويردع عن الزيغ.
فأنى للقوانين الوضعية أن تحاسب على نظرة؟!
وأي سلطة بشريّة تستطيع أن تراقب الخواطر والقلوب؟!
لقد عجزت حضارة الغرب عن مقاومة نوازع البشر، فأباحت المحرمات، وقننت الفواحش، واستسلمت لشهوات النفوس.
أما الإسلام، فقد أقام الحصن الحصين: إنه نور الإيمان.
قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35].
فهذا النور هو الحارس الذي لا يغفل، والرقيب الذي لا ينام.
فإذا استقر هذا النور في القلب، استحيى العبد من ربه، فغض بصره، وحفظ فرجه، وعف عن المحارم.
سور التربية الإيمانية، عبر حادثة الإفك
ولكي تترسخ قيمة الستر، وتعلم الأمة خطورة العبث بالأعراض،
جاءت حادثة الإفك مدرسة تربوية عظيمة.
لقد مسّت بيت النبوة الطاهر لتعلم الأمة أن حفظ الأعراض من أعظم القربات، وأن القذف من أفدح الجنايات.
أنزل الله تعالى آيات تتلى إلى يوم القيامة، تبرئ سيدة نساء العالمين، وتوضح كيف يجب أن يتعامل المجتمع مع الشبهات.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ} [النور: 11].
ثم بين وجوب حسن الظن بالمؤمنين، وصون الألسن عنهم:
{لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12].
فهذه التربية النورانية تبني مجتمعاً قوامه الثقة والستر، لا التشهير والإعلان.
سور الوقاية والاحتراز، بناء الدرع الواقي
ولم تكتف السورة بالتربية القلبية، بل شرعت إجراءات عملية تحفظ المجتمع من الداخل، فبنت سوراً منيعاً يحمي حرمات البيوت، ويصون العورات.
▪️سور غض البصر: فأمرت الرجال والنساء بغض البصر، فهو زكاة للنفس، وطهارة للقلب.
قال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]. وقال للمؤمنات: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31].
▪️سور الحجاب وعدم إبداء الزينة: وشرعت الحجاب للمرأة ستراً وعفافاً، وجعلته وقاراً وشرفاً. {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31].
▪️سور الاستئذان: فشرعت الآداب الرفيعة للاستئذان، حفظاً للعورات، وصوناً لخصوصية البيوت:
استئذان للداخل على أهل البيت:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27].
واستئذان للأطفال والخدم في أوقات الخلوة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور: 58].
فهذه التربية النورانية تبني الفرد من صغره،
فمن يتربى على عدم كشف عورة أخته في غرفتها، كيف يجرؤ على كشف عورة أجنبية عنه؟!
سور العلاج النهائي، سد الذرائع بالزواج
ولأن الإسلام دين الفطرة، لم يكتف بالمنع، بل فتح باب الحل الأمثل: باب الزواج.
فحول الحاجة الفطرية من طاقة هدامة إلى طاقة بناءة.
فحث على تزويج الشباب والعوانس، ووعد بالغنى من فضله.
قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32].
فالزواج يبني الأسرة، والأسرة تربي الجيل، والجيل يصنع الحضارة.
السور الأخير، حد الزنا والقذف
فإذا قويت الأسوار، وارتفعت الحصون، وبقي من تجرأ وخالف، جاءت العقوبة الرادعة.
حد الزنا للزانيين: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2].
وحد القذف للذين يرمون المحصنات: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].
فهذه الحدود ليست انتقاما، بل هي تربية للجميع، وحماية للمجتمع، وتطهير للفرد من ذنبه.
ختاما: لا أحد معصوم
كل ابن آدم معرض للزلل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كتب على ابنِ آدمَ حظُّه من الزنا فهو مدركٌ ذلك لا محالةَ ، فالعينانِ تزنيانِ وزناهما النظرُ ، والأذنانِ تزنيانِ وزناهما السمعُ ، واليدان تزنيان وزناهُما البطشُ ، والرِّجلانِ تزنيانِ وزناهُما المشيُ ، والقلبُ يتمنى ويشتهي ، والفرجُ يصدقُ ذلك أو يكذبُه"
فالنفس تواقة، والعين ساعية، والقلب قد يخطر له ما لا يليق.
لكن الرحمة الإلهية كانت بالمرصاد.
فما كاد العبد يقترب من حافة الهاوية، حتى تمتد له يد العفو والستر.
لذلك تكررت في السورة آيات المغفرة والفضـل الإلهي:
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 10].
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور: 20].
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21].
فشرع الله ينطلق من ضعف الإنسان ليزكيه ويطهره من الرذائل.
ويقدم له العلاج الناجع لكل نفس تتوق إلى الطهارة، وكل قلب يبحث عن النقاء.
{رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[التحريم:8].
اكتب مراجعة عامة