الداء والدواء في زمن الغفلة
إن أمتنا اليوم تقف على شفا حفرة من الضياع، لا لأنها فقدت عدتها وعتادها، بل لأنها فقدت بوصلتها الروحية ومعنى وجودها الحقيقي. وما طوفان الأقصى وما تلاه من أحداث إلا صرخة الواقع في وجه أمة نائمة، تهزها لتفيق من سباتها العميق.
حقيقة الداء
أولاً: الاستسلام الحضاري
إن الداء الأعظم الذي ينخر في جسد هذه الأمة ليس ضعف السلاح أو قلة العدد، إنما هو الهزيمة النفسية التي جعلت الأمة تقيس نجاحها بمعايير أعدائها، وتستجدي رضاهم، وتستحي من هويتها. لقد صارت الأمة تستورد قيمها ومفاهيمها من الغرب، حتى صار المسلم غريباً في دياره، يعتذر عن إسلامه بدلاً من أن يعتز به.
ثانياً: وهن القلوب - الداء الذي أخبر عنه النبي
ها هو الداء الذي حذرنا منه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يتحقق أمام أعيننا. قال عليه الصلاة والسلام: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن"، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".
انظروا إلى حال الأمة اليوم! مليار وثمانمائة مليون مسلم، ومع ذلك تتكالب عليهم الأمم من كل حدب وصوب. ليست المشكلة في العدد، بل في القلوب التي امتلأت وهناً. تعلقت بالدنيا وزخرفها، وخافت الموت خوفاً جعلها تقبل بالذل والهوان. صارت الأمة تحسب ألف حساب للموت، ولا تحسب حساباً للحياة بعزة وكرامة.
إن الوهن ليس ضعفاً في العضلات، بل مرض في القلوب. حين يصير همّ المسلم جمع المال وتكديس الثروات والتنافس على الشهوات، وحين يصير الموت في سبيل الله مخيفاً بدلاً من أن يكون أملاً وغاية، فاعلموا أن الوهن قد استحكم، وأن الأمة قد فقدت روحها التي بها تحيا.
ثالثاً: الذل المسلط - عقوبة الإعراض عن الدين
وهناك حديث آخر يقطر ألماً ويقطع القلب، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
يا الله! كأن النبي صلى الله عليه وسلم يصف حالنا اليوم وصفاً دقيقاً:
- تبايعنا بالعينة والربا، وصار الاقتصاد الربوي هو السائد في بلاد المسلمين.
- أخذنا أذناب البقر، أي انشغلنا بالزراعة والدنيا وتركنا معالي الأمور.
- رضينا بالحياة الدنيا الدنية، وصار همنا لقمة العيش لا بناء الحضارة ونشر الرسالة.
- تركنا الجهاد، بل صار الجهاد مجرد التلفظ به تطرف وإرهابا، يعتذرون عنه ويتبرؤون منه.
والنتيجة؟ ذل مسلط لا يُرفع إلا بشرط واحد: الرجوع إلى الدين. ليس مجرد رجوع شكلي، بل رجوع حقيقي يشمل القلب والعمل، الفرد والمجتمع، السياسة والاقتصاد.
رابعاً: التفكك والولاءات المزيفة
تمزقت الأمة إلى دويلات هزيلة، كل منها تدور في فلك مستعمرها القديم أو الجديد. الحدود التي رسمها سايكس وبيكو صارت أصناماً تُعبد من دون الله، والقوميات الضيقة صارت بديلاً عن رابطة العقيدة. وبينما يُذبح إخواننا في غزة، ترى البعض يتسابقون إلى التطبيع مع الكيان الغاصب، لا يحركهم دين ولا ضمير.
خامساً: العبودية للنظام العالمي
لقد ارتضت الأمة أن تكون تابعة في النظام الدولي، تستجدي قرارات مجلس الأمن، وتنتظر "الإذن" من القوى الكبرى لتدافع عن أرضها وعرضها. إنها تقبل بـ" بالدنية" بينما العدو يحتل الأرض ويخطط للمرحلة القادمة. أي استسلام هذا؟
سادساً: الجهل بالدين الحقيقي
انتشر في الأمة إسلام مسخ، إسلام الطقوس الجوفاء، والشكليات الفارغة، والفتاوى التي تبرر للظالم ظلمه وللخانع خنوعه. إسلام لا يزعج طاغية، ولا يقلق مستعمراً، ولا يبني حضارة. لقد فُصل الدين عن الحياة، وصار شعائر محصورة في المساجد، بينما الحياة كلها تُبنى على غير منهج الله.
الدواء المر
والدواء – وإن كان مراً – واضح لمن أراد الشفاء:
أولاً: العودة إلى المنبع الصافي
لا بد من عودة حقيقية إلى القرآن والسنة، لا كتراث نتغنى به، بل كمنهج حياة نعيش به ونطبقه في كل شأن من شؤوننا. إن هذا الدين ليس مجرد شعائر تعبدية، إنما هو نظام شامل للحياة: سياسة واقتصاد، تشريع واجتماع، أخلاق وسلوك.
هذه هي الوصفة النبوية: "حتى ترجعوا إلى دينكم". لا حل آخر، ولا طريق بديل. إما العودة الصادقة الشاملة إلى الإسلام، وإما استمرار الذل والهوان.
ثانياً: تحرير العقل المسلم واجتثاث الوهن من القلوب
يجب أن نحرر عقولنا من الاستعمار الفكري، ونعيد بناء الشخصية الإسلامية المستقلة التي تعتز بدينها، ولا تقبل الذل، ولا ترضى بالهوان. إن الأمة التي تستورد أفكارها وقيمها من عدوها لن تنتصر أبداً.
ولا بد من علاج الوهن بتربية جيل يحب الموت في سبيل الله كما يحب أعداؤه الحياة، جيل يزهد في الدنيا ولا يحتقرها، بل يستخدمها وسيلة لا غاية، جيل يستعذب الموت ويراه ربحاً لا خسارة.
وقد أرانا الله هذا النموذج في غزة حجة علينا يوم القيامة والله المستعان.
ثالثاً: وحدة الأمة على العقيدة
إن الحدود الجغرافية التي فرقتنا يجب أن تسقط من نفوسنا قبل أن تسقط على الأرض. فالمسلم في المغرب أخو المسلم في إندونيسيا، ومصاب غزة هو مصاب الأمة كلها. لا بد من العمل الجاد لإعادة بناء الوحدة الإسلامية على أساس العقيدة لا على أساس المصالح الضيقة.
رابعاً: الجهاد بمعناه الشامل
الجهاد ليس فقط قتال العدو في ميدان المعركة، بل هو جهاد لبناء الذات، وتزكية النفس، وإصلاح المجتمع، وإقامة العدل، ومقاومة الفساد والطغيان. إنه جهاد في ميدان العلم والصبر وكلمة الحق، في الإعلام، في التربية والتعليم..
خامساً: الاستعداد والأخذ بالأسباب
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. لا بد من الأخذ بأسباب القوة المادية والمعنوية: العلم والتكنولوجيا ، التربية وصناعة المسلم القيادي ، التخطيط والتنظيم. إن النصر لا يأتي بالدعاء وحده، بل بالدعاء مع العمل والإعداد.
سادساً: تطهير الحياة من الربا والحرام
لن يُرفع الذل ونحن نتبايع بالعينة، ونتعامل بالربا، ونأكل الحرام. إن طهارة المال وطهارة المعاملات شرط من شروط النصر، وإن استمرار الأمة في الربا والحرام هو استمرار في أسباب الذل.
خاتمة: فجر جديد..لكن الأمة لم تكن في مستوى الحدث
إن طوفان الأقصى لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان رسالة إلى الأمة النائمة: أن الكرامة لا تُستجدى، وأن العزة لا تُشترى بالذل، وأن الله مع الصابرين المجاهدين. لقد أثبت حفنة من المؤمنين أن الإرادة تصنع المعجزات، وأن الإيمان يقهر الخوف.
لكن... والحق يُقال بمرارة: الأمة لم تكن في مستوى الطوفان.
نعم ، لم نكون في مستوى الطوفان هذه هي الحقيقة.
لقد كان الطوفان دعوة للنهوض، فلم تنهض الأمة إلا القليل منها.
إن الفجر لن يأتي بطوفان واحد، بل يحتاج إلى أمة كلها طوفان. يحتاج الى طوفان داخلي في قلب كل مسلم. يحتاج إلى قلوب تموت فيها محبة الدنيا وكراهية الموت، يحتاج إلى أمة تقرر أن الذل أصعب من الموت، وأن العزة أغلى من الحياة.
إن الطوفان كشف حجم الوهن في قلوبنا، وحجم الذل الذي قبلنا به، وحجم البعد عن ديننا، ولذلك فالذل ما زال مسلط علينا.
فهل نعي الدرس؟
إن الفجر الحقيقي يبدأ حين تصحو الأمة كلها، حين يصير كل مسلم في موقعه مجاهداً: العالم بعلمه، والتاجر بماله، والإعلامي بقلمه، والسياسي بموقفه...
الفجر يبدأ حين نعود إلى ديننا عودة حقيقية لا شكلية، حين نطهر حياتنا من الحرام، حين نجتث الوهن من قلوبنا، حين نقرر أن نكون أمة تستحق النصر لا أمة تتمناه.
إن غزة قدمت الدرس، فهل من متعلم؟
إن الطوفان كان فرصة، لكننا لم نكن أهلاً لها. فهل سنبقى نخذل الفرص حتى لا يبقى لنا فرصة؟ أم سننهض أخيراً ونكون أمة تصنع الطوفان لا أمة تتفرج عليه؟
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
لكن السؤال الذي يؤرق الضمير: هل ننصر الله حقاً؟ أم أننا نكتفي بالكلام؟
النصر قادم لا محالة، لكنه لن يأتي لجيل الوهن والذل، بل لجيل يستحقه بإيمانه وتضحياته وعودته الصادقة إلى دينه.
﴿والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾
اكتب مراجعة عامة