img
img

الشعبوية الواجهة والفاشية الهشّة: من سلطة الجماهير إلى جماهير السلطة

img
الشبكة

الشعبوية الواجهة والفاشية الهشّة: من سلطة الجماهير إلى جماهير السلطة

الشعبوية الواجهة والفاشية الهشّة: من سلطة الجماهير إلى جماهير السلطة

 

المقدّمة 

 

في أزمنة الأزمات الكبرى، حين تفقد الشعوب ثقتها في النخب، وتتهاوى المؤسسات في أعين المواطنين، تولد الشعبوية كخطاب خلاصٍ جماعيّ يَعِد بإعادة السلطة إلى “الشعب”. تَتّخذ من الغضب الشعبي وقودًا، ومن رمزية “الزعيم المنقذ” مركبًا نحو استعادة السيادة المسلوبة. لكنها، في جوهرها، ليست سوى واجهة لخللٍ أعمق في بنية النظام السياسي؛ فهي لا تُنتج حلولًا بقدر ما تُعيد ترتيب الغضب في قوالب شعاراتية.

غير أن أخطر ما في الشعبوية ليس ما تُعلنه، بل ما تُخفيه: إنها تُمهّد أحيانًا، باسم “الشرعية الشعبية”، لتحوّلٍ ناعمٍ نحو نمطٍ سلطويّ جديد، هشٍّ في جوهره، لكنه قاسٍ في ممارساته؛ ما يمكن تسميته بـ«الفاشية الهشّة». هذه الفاشية لا تقوم على أيديولوجيا متكاملة أو مشروع قوميّ متماسك كما في ثلاثينات القرن الماضي، بل على سلطة مركزية تُخفي ضعفها البنيوي تحت خطابٍ تعبويّ يستنزف الرموز الوطنية ويُفرغ الديمقراطية من مضمونها.

 

في مكمن هذه الواجهة نجد عنصرين متلازمين: استجابة وجدانية لاحتياجات ملموسة تُهيمن عليها العاطفة، واستغلال منظّم لبنية التواصل السياسي الحديث. الأول هو العامل الاجتماعي — أي فقدان الأمل في التمثيل والقدرة على التحصيل الاقتصادي بينما الثاني هو عامل تقني يتمثل في شبكات التواصل الاجتماعي، الإعلام المباشر، وتجزئة المشهد السياسي ما يجعل من الخطاب الشعبوي أقصر الطرق للوصول إلى الجماهير. هذين العاملين يشكّلان المزيج الذي يسمح للشعبوية بأن تمارس تأثيرًا سريعًا ومقنعًا، ولكن أيضاً بمفاعيل من الصعوبة بمكان معالجتها عبر آليات السياسة التقليدية.

 

 

 

1. الشعبوية: أيديولوجيا الواجهة

 

تُعرّف الأدبيات السياسية الشعبوية باعتبارها «أيديولوجيا رقيقة» وفق تعريف كاس مودّ، لأنها لا تقدّم منظومة فكرية مكتملة، بل تقوم على ثنائية تبسيطية: “الشعب النقي” في مواجهة “النخبة الفاسدة”.

هذا الخطاب يجد رواجه حين يشعر المواطن بأن المؤسسات تخلّت عنه، وأن الديمقراطية تحوّلت إلى مسرحٍ للنخب. فتظهر الشعبوية كصوت انتقام رمزيّ يَعِد باستعادة “الإرادة العامة”.

لكنّ الإشكال الجوهري هو أنّ هذه الواجهة، التي تبدأ كشكلٍ من الاحتجاج السياسي المشروع، سرعان ما تتحوّل إلى منصة لتفكيك الدولة نفسها من الداخل. فحين يُصبح “الشعب” هو مصدر الشرعية الوحيد دون ضوابط مؤسسية، يُلغى مفهوم “المواطنة” لصالح مفهوم “الولاء”، ويُختزل الحكم في زعيمٍ يتحدث باسم الجميع.

 

البنية الانفعالية والهيكل التعبوي: قدّم الخطاب الشعبوي وعودًا سريعة لأنّه يعالج شقين في نفس الوقت: يصدح بلغة العدالة ويقدّم سببًا مقنعًا لوجود “حلّ سريع”. لذا، يجب قراءة خطاباته لا بوصفها فقط رسائل سياسية، بل كمنظومات لإدارة شعور جماعي متكرر في فقدان الكرامة والاغتراب السياسي. هذا يفسّر سرّ قابليّة الجماهير للتحوّل من رفضٍ لسياسة معيّنة إلى تبني ولاءات شخصية.

الأثر على عقل الدولة: عندما يُعَدل مفهوم الشرعية ليصبح محصورًا في ارتباط سمعي/عاطفي بين الزعيم والشعب، تختفي آليات الحماية القانونية والمساءلة المنصوص عليها دستورياً. المؤسسات التي تُصنع السياسة تصبح متجاوزة، أو تُنكّس لتكون مجرد واجهات لشرعية مُصاغة لغويًا.

مخاطر التحلل الاجتماعي والسياسي: انتقال التركيز من المواطنة إلى الولاء يؤدي إلى تزايد الاستقطاب، إضعاف المجتمع الوسيط (أحزاب، نقابات، نقاش أكاديمي) وتظهر ظواهر الإقصاء الاجتماعي السياسي التي تزرع بذور تآكل السلم الأهلي.

 

 

 

2. الفاشية الجديدة: حين تتكلّم الشعبوية بلسان القوّة

 

يُذكّرنا المؤرخ الأمريكي Robert Paxton بأن الفاشية ليست لحظة أيديولوجية فقط، بل “عملية” تمر بخمس مراحل: من حركة احتجاجية إلى نظامٍ سلطويّ يلتهم الدولة.

لكنّ الفاشية المعاصرة ليست نسخة عن فاشيات القرن العشرين؛ إنها أكثر هشاشة، وأقل استقرارًا، وأشدّ تلوّنًا. فهي تستعير خطاب الشعبوية — العدالة، الهوية، الوطنية، السيادة — لكنها تفرغه من مضمونه الديمقراطي.

تبدأ بتخوين الخصوم، ثم بإخضاع القضاء والإعلام، فإعادة تعريف “العدو” وفق منطقٍ متغيّر: مرة باسم “مكافحة الفساد”، ومرة باسم “تصحيح المسار”، ومرة باسم “حماية الدولة”. وهنا يتحوّل الخطاب الشعبي إلى جهاز تعبئة سلطويّ يُشرعن التضييق على الحريات باسم إنقاذ الوطن.

إلا أنّ هذه الفاشية الهشّة لا تستند إلى مشروع جماعي واضح، بل إلى شخصنةٍ مفرطة للسلطة. فهي لا تبني مؤسسات، بل تُضعفها لتقوية الزعامة، ما يجعلها قوية في المدى القصير، لكنها مهدّدة بالانهيار في المدى الطويل.

 

العملية التاريخية للفاشية في ضوء باكستون: قراءة باكستون تفرض علينا فحص التحول عبر زمني: تشكّل حركة، رسوخ اجتماعي وسياسي، ثم اختراق المؤسسات أو استبدالها، وممارسة السلطة بصيغ قسرية. لذا فإننا نصلح مصطلح «فاشية» عندما ندرك تتابع هذه الظواهر لا حين نرى مجرد تشابه في الخطاب.  

التحوير المعاصر: الفاشية المعاصرة — أو ما أسميته «هشّة» — تعتمد على أدوات حديثة: الاستقطاب الرقمي، الحملات المنظمة عبر شبكات مغلقة، وإعادة تعريف العدو بذكاء سردي يسمح بالانتقال السلس بين ذريعة وأخرى. هذا يجعلها أكثر قدرة على التمويه، لكنها أقل قدرة على إنتاج سياسات مستديمة.

ثنائية القوة والهشاشة: المركزية في شخص واحد قد تمنح تنفيذًا أسرع للقرارات القمعية، لكنها تضعف قدرة الدولة على إدارة أزمات معقّدة (اقتصادية، صحية، دولية) لأنّ آليات الخبرة والمؤسسات المتخصصة تُهمش أو تُفكك.

 

 

 

 

 

 

3. تونس نموذجًا: من خطاب الشعب إلى منطق الإقصاء

 

بعد عقدٍ من التحوّل الديمقراطي، دخلت تونس تجربة جديدة من الحكم الفردي تحت شعار “إرادة الشعب”. الخطاب بدا في البداية كتصحيحٍ لمسارٍ معطوب، لكنه سرعان ما تحوّل إلى سردية إقصائية تستمد شرعيتها من “المشروعية الشعبية” لا من الدستور أو المؤسسات.

بدأت مؤشرات الفاشية الهشّة بالظهور تدريجيًا: تجميد البرلمان، إعادة تشكيل القضاء وفقا لأهداف السلطة، محاكمات للمعارضين، وتضييق على الإعلام. لكنها لم تترافق مع بناء أيديولوجيا متماسكة أو مشروع تنموي واضح. فالنظام القائم لا يستند إلى بنية حزبٍ منظم، ولا إلى تحالف اجتماعي مستقر، بل إلى علاقة مباشرة بين الزعيم والجمهور عبر خطابٍ تعبويّ متكرر.

هذه المفارقة هي ما يجعل الحالة التونسية نموذجًا لما يمكن تسميته “السلطوية الشعبوية” أو “الفاشية الهشّة”: سلطة تُمارس القوّة باسم الشعب، لكنها تفتقر إلى مقومات الدولة القوية أو المشروع الوطني الحقيقي.

 

أدلة وممارسات مؤسسية قابلة للرصد: التعديلات الدستورية واعتماد دستور 2022 وتداعياته على توازن السلطات، بالإضافة إلى تقارير من منظمات حقوقية (Amnesty، Human Rights Watch) وتحليلات إخبارية (Reuters) تظهر نمطًا من تقليص الضوابط واستعمال لغة الاستثناء لتبرير تغيير قواعد اللعبة الدستورية.  

الغياب التنظيمي كمصدر ضعف: غياب حزبٍ منظم أو هيكل مؤسساتي واضح يعني أنّ السلطة تصبح عرضة للتقلبات الداخلية والخارجية؛ ولعلّ هذا ما يفسّر لماذا تتبدّد القدرة على تحقيق مشاريع اقتصادية واجتماعية طويلة المدى.

مخاطر المسار التونسي: المسار الذي تلتزم به السلطة في حالة الحوكمة بالهيمنة الشعبوية يخلق نظامًا يعتمد على شرعية صوتية قصيرة الأمد، ما يزيد احتمال انزلاقٍ نحو استبعاد ممنهج للمعارضة وإضعاف المرافعات الحقوقية والقانونية، وهو ما تحذّر منه تقارير المنظمات الدولية.  

 

 

 

4. المقارنة العالمية: عندما تتشابه النماذج وتختلف البنية

 

لا تنفرد تونس بهذا المسار. فالمجر وبولندا شهدتا في العقد الأخير نمطًا مشابهًا من الشعبوية المحافظة التي استغلت الآليات الديمقراطية لتقويضها من الداخل، عبر تعديل الدساتير وتدجين القضاء والإعلام.

في المقابل، جسّدت البرازيل في عهد بولسونارو مثالًا آخر للفاشية الهشّة: سلطة قائمة على العداء للنخب والمؤسسات، وعلى شخصنة الدولة في زعيمٍ يقدّم نفسه كمخلّص. لكنها سقطت سريعًا حين واجهت أزمات حقيقية — من جائحة كورونا إلى الانهيار الاقتصادي — لأن بنيتها المؤسسية لم تكن قادرة على الصمود.

هكذا تتكرّر المعادلة: كلما زادت درجة تركيز السلطة في شخص واحد، تقلّ قدرة النظام على التكيّف، فيتحوّل من نظامٍ “قويّ ظاهريًا” إلى “هشّ فعليًا”.

 

المجر وبولندا: تحوّل تدريجي للمؤسسات: حالة المجر تُظهر كيف يمكن لحكم طويل الأمد أن يطوّع التشريعات ووسائل الإعلام ويعيد تشكيل القضاء بطريقة تحافظ على استمرار السلطة رغم الانتقادات الدولية. هذه التجربة تختلف عن النماذج التي تعتمد بالأساس على شخصنة فورية للسلطة لأنها بنت حزبًا وأدوات دولة تتيح استمرارًا أطول.  

البرازيل: لحظة عبور هشّة: شهدت البرازيل أحداثًا دراماتيكية تظهر أن الهياكل المجتمعية يمكن أن تُستغل لإحداث صدمات كبرى؛ لكنها أيضاً تُظهر إمكانية الانكشاف السريع للسلطة الشخصية حين تُختبر بمواجهة رقابة قضائية وإرادة انتخابية مضادة.  

هذه المقارنة تُعلّمنا أن وجود حزب منظّم وبنية مؤسسية يوفّران سلطةً أطول أمداً وإن كانت مستبدة؛ أما شخصنة السلطة فهي تُنتج استبدادًا أسرع لكنّه أعرض للانهيار أو للمساءلة القانونية حين تتوفر قوّة قضائية رقابية أو ضغط شعبي منظم.

 

 

 

5. الفاشية الهشّة: القوّة التي تخاف

 

تُعرَّف الفاشية الكلاسيكية بقدرتها على إنتاج منظومة تعبئة جماهيرية شاملة، وتوحيد المجتمع تحت هدفٍ قوميّ واضح. أمّا الفاشية الهشّة المعاصرة فهي نتاج الخوف لا الإيمان، ونتاج الفراغ لا العقيدة.

تخاف من النقد، فتحاصر الإعلام.

تخاف من التنظيم، فتُضعف الأحزاب والنقابات.

تخاف من التنوّع، فتؤلّه “الشعب الواحد”.

إنها سلطوية قلقة، لا تملك أفقًا استراتيجيًا سوى البقاء، ولا تنتج تنمية ولا مشروعًا حضاريًا، بل تكتفي بإدارة الخوف وتدوير الأزمات.

ولذلك، فهي لا تسقط بثورة شعبية، بل بانكشاف ذاتها: حين تنضب قدرتها على صناعة “عدوّ جديد” أو تبرير فشلها، تنهار رمزيًا قبل أن تنهار مؤسساتها.

 

السياسات القائمة على الخوف كتكتيكٍ مؤقت: هدف السلطة الهشة ليس فقط قمع الخصم، بل إدارة دورة دائمة من المخاوف تمنع بناء بدائل مؤسسية. هذه الدورة تعتمد على تشريع حالات الطوارئ الرمزية والتأثير على أطر النقاش العام.

التناقض البنيوي: إدارة الخوف تحتاج إلى عدوّ دائم. حين يختفي أو يفقد زخمَه، يصعب على النظام تبرير استمرار استنزاف الحرية. هذا يفتح نافذة للاهتزازات السياسية التي قد تكشف عن ضعف الشرعية.

النهج العملي لمواجهة الخوف: لا يكفي مقاومة القمع بالقوة فقط؛ بل ينبغي بناء روافع اجتماعية تقلّل حاجة الجمهور إلى الشعارات الاسترجاعية: شبكات حماية اجتماعية، إعلام مستقل، ومجال تعليمي يعيد إنتاج ثقافة المواطنة. هذه الإجراءات تقلّل فعليًا من سوق خطاب الخوف.

 

 

 

6. ما بعد الشعبوية: استعادة السياسة من جديد

 

الخروج من دوّامة الشعبوية والفاشية الهشّة لا يكون فقط عبر مقاومة النظام، بل عبر إعادة الاعتبار للسياسة نفسها:

• سياسة تُعيد الثقة: ببرامج حقيقية لا شعارات عاطفية.

• سياسة تُعيد التمثيل: بنخبٍ جديدة قادرة على الإصغاء دون ادّعاء احتكار “صوت الشعب”.

• سياسة تُعيد التوازن: بفصلٍ واضح بين السلطة والشرعية، بين الزعامة والدولة.

إن مقاومة الفاشية الهشّة لا تبدأ من الشارع فقط، بل من الفكر الذي يرفض الخلط بين “التمثيل” و“الاستحواذ”، وبين “الإصلاح” و“الإلغاء”.

 

خطوات عملية قابلة للقياس:

1. إصلاحات قضائية مؤسسية: استعادة استقلال القضاء، حماية القضاة من التجاوزات السياسية، وتقوية المؤسسات الرقابية.

2. برامج اقتصادية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة: سياسات تشغيلية مُحددة الأهداف، دعم للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وبرامج تدريب مهني تقلّل من خطر اليأس الاقتصادي الذي يحرّك خطاب الشعبوية.

3. إصلاح الإعلام والمنصّات الرقمية: قوانين شفافة لمنع تركّز ملكية الإعلام، تدابير ضد التضليل، ودعم للنشرات المستقلة والمشاريع الإعلامية المجتمعية.

4. بناء سرد مدني جديد: مناهج تعليمية وثقافية تعيد تعريف المواطنة على أساس الحقوق والالتزامات وتعزز التفكير النقدي.

 

 

 

ان الشعبوية تُغري الجماهير لأنها تمنحهم شعورًا زائفًا بالقوّة. والفاشية الهشّة تُغري الزعماء لأنها تمنحهم وهم السيطرة. لكنّ الحقيقة أن كليهما وجهان لنظامٍ مأزومٍ يخاف من النقد أكثر مما يخاف من الفوضى، ويخشى الحرية أكثر مما يخشى الهزيمة.

وهنا تبرز مهمة المفكرين والنخب انها ليست فقط فضح هذا الخطر، بل تفكيك أسبابه البنيوية: من فشل العدالة الاجتماعية إلى انهيار الثقة السياسية. لأن الفاشية لا تولد من الكراهية فقط، بل من الإحباط واليأس حين يفقد المواطنون إيمانهم بأن الديمقراطية قادرة على إنصافهم.

حينها، تصبح “الشعبوية” مرآةً لأمراض الديمقراطية، وتصبح “الفاشية الهشّة” عنوانًا على مرحلةٍ يائسةٍ من السياسة، لا تستعيد روحها إلا حين يتعلم الشعب أن الحرية لا تُختصر في زعيم، بل تُبنى بمؤسساتٍ لا تُختزل في أحد.

 

تعليقات