img
img

الأمومة، شرف لا يُزهد فيه

img
منَصَّة المَرْأَة المُسْلِمَة

الأمومة، شرف لا يُزهد فيه

أ.سميحة بنعمر
الأمين العام لشبكة الرواد المجتمعية
ومستشارة منصة المرأة المسلمة
وخريجة أكاديمية "تفسير" بالرياض



في زمنٍ تاهت فيه معاني الأمومة،

وضاعت فيه أمانة التربية،

نرى الكثير من الأسر ينهشها  التفكك،

والأمومة تُباع لأقل النزوات،

كردة فعل على تهميش دور الأم أحيانا

واعتبارها جزء من أثاث الدار

فتراها يذبل شبابها وتنسى أنوثتها 

في خضم حلبات الصراع على التافه والأتفه

فتفقد روحها وتفقد عطاءها 

بموروث يفترونه على الإسلام وهو منه براء

ومن ازدرت وضعها تلقفتها أيادي النسوية الحنونة

فتراها تنقلب على الأخضر واليابس من القيم

وقد جعلت نصب عينها التحرر من كل قيد ولو كان في ذلك القيد عزها..

تراها تتمرد وترفض أعظم وظيفة شرفها الله بها،

فافتقدت أسرنا الرحمة وقل فينا بر الآباء للأبناء وبر الأبناء للاباء:

فإذا كان الرجل يصنع الصواريخ والطائرات،

فقد وكل للأم مهمة تشكيل شخصية أعظم مخلوق على وجه الارض!

إن أعظم دور للأم على وجه الخصوص وللآباء عموما، تنشأة أبنائهم على الدين القويم،

فبذلك تحفظ الأمَّة وتصان وهُوِيَّتها

وهو السبيل الأعظم لدحر الباطل وبزوغ الحق!


آباء ورثوا الدين للأبناء:

▪️ زكريا عليه السلام: 

تجاوز حبه الفطري لطلب الولد إلى همِّ حفظ الدين، فدعا ربه قائلاً: 

{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 5-6].

لقد طلب الولد لا للتفاخر واستمرار النسب، بل كان همه توريث الرسالة، 

فاستجاب الله له، وآتى يحيى الحكمة صبياً 

{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12].

القوة لا تعني الشدة ولا العنف وإنما هي صفة تقوم بالبدن تكسبه الحزم والعزم والثبات

فلنعلم أبناءنا أنه لا سبيل للعزة إلا بأن نأخذ هذا الكتاب بقوة.

▪️ مريم وعيسى عليهما السلام: 

وتأتي مريم، سيدة نساء العالمين، لتكون النموذج الأروع للأم التي تورث الدين، 

التي حملت الهمّ قبل أن تحمل الطفل، فصبرت واتقت حتى أصبحت آية للعالمين. 

ويأتي عيسى الابن البارّ ليكون ثمرة هذه التربية،

فيقول: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا*وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} مريم: 31-32].

من أساس ما يتعلم الأبناء الصلاة فهي وصية الله لعيسى كلمته، وآخر وصية نبينا محمد لأمته. 

▪️ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: 

وهذا إبراهيم عليه السلام من شفقته على أبيه ناداه بأربع نداءات: {يَا أَبَتِ}..

نداء الرحمة في أجل معانيها. فلما اعتزل الأب طريق الهدى،

وهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب،

فكانا من ورثة الدين الحنيف {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49].

ويكتمل المشهد بإبنه اسماعيل الذي كان {يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 55].


الذريَّة الصالحة: الجيل المرحوم

ثم تأتي الآيات لتعلن نعمة الله على الذرية الصالحة عبر الأجيال:

{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]. 

إنهم أولئك الذين يتوارثون الدين والرسالة جيلاً وراء جيل.

ضياع البوصلة: الخلف الضال

ويأتي مقابل هذا الإرث المبارك، صورة الجيل الضال، 

الجيل الذي لم يطبق هذا المنهج وتاهت منه الأوليات 

فترى حرصه على تعليم ابنه اللغات واصناف الرياضات

ولا تجده يحرص على تذكير إبنه بالصلاة ولا سائر الطاعات 

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]. 

إنها الصورة الطبيعية لحال الأمة حين تُهمل توريث الدين، 

فتضيع الصلاة وتتبع الشهوات، وينشأ الخلف الضال.

فيا أيتها الأمّ الفاضلة،

يا من حملك الله أعظم رسالة واصطفاك لشرف التربية

ووهبك الله أعظم وسائلها: رحمة اشتقت لك من صفة الرحمن،

ودعاء لك مستجاب، وتضحية جُبلت عليها، ورِقّةُ مشاعر تشعين بها..

لا تتنازلي عن هذا الشرف العظيم، ولا تَغْفُلي عن هذه التجارة الرابحة مع ربكِ. 

أيقظي فطرتكِ التي أنارتْها شريعةُ ربك، ولا تَصْغِي لصَاخبِ الدعوات:

دعواتِ تُشوّه الدين بِمُوروث بالٍ، وأخرى تَصْطادُ في الماء العَكِر.

أنتِ جَنّةُ الأبناء وحصن الأسرة،

أنتِ رهان مستقبل الأمة ومِفْتَاحُ الخير،

فاستثمري في نفسكِ وذريتكِ.

ولا تزهدي في هذا الدور، وشمري لهذا الأجر.

فهو طريقُ النجاة، وهو سبيلُ الفلاح لك ولأمتك.

تعليقات

الكلمات الدلالية