مقدمة: المفارقة المُخجلة
في الوقت الذي تتجه فيه السويد – دولة أوروبية علمانية – نحو تبني مبادئ من فقه الإمام مالك في تسيير سجونها، احتراماً لكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، نجد المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في المغرب تستورد بحماس النموذج الأمريكي البائس، ذلك النموذج الذي أدانته المنظمات الحقوقية العالمية مراراً وتكراراً باعتباره وسيلة تعذيب ممنهجة وانتهاكاً صارخاً لأبسط معايير الكرامة الإنسانية!
فأي إدماج هذا الذي تتحدثون عنه؟!
إدماج في دوامة العذاب؟ إدماج في منظومة القهر؟ إدماج في مجتمع الانتقام ؟
✓ النموذج الأمريكي: مصنع تحطيم الإنسان بعض ما فيه
1. العزل الانفرادي: التعذيب الأبيض
النموذج الأمريكي يقوم على فلسفة العقاب القاسي لا الإصلاح، وأبرز تجلياته:
· العزل الانفرادي المطوّل: يُحبس السجين في زنزانة ضيقة (لا تتجاوز 6-9 أمتار مربعة) لمدة 23 ساعة يومياً، وأحياناً لسنوات متواصلة
· الحرمان الحسي الكامل: لا نوافذ، لا ضوء طبيعي، لا تواصل إنساني
· الآثار النفسية المدمرة: الهلوسة، الاكتئاب الحاد، الميول الانتحارية، فقدان الإحساس بالزمن والواقع
منظمة العفو الدولية وصفت العزل الانفرادي المطوّل بأنه "شكل من أشكال التعذيب"، والأمم المتحدة حذرت من أن العزل لأكثر من 15 يوماً يرقى إلى "المعاملة القاسية واللاإنسانية".
2. التكبيل والإذلال المنهجي
التكبيل أثناء الزيارة والاتصال الهاتفي:
· تقييد اليدين والقدمين بالقيود المعدنية الثقيلة أثناء زيارة الأهل
· منع المعتقل من لمس أطفاله أو والديه عبر الزجاج
· التكبيل أثناء المحادثات الهاتفية رغم وجود حواجز زجاجية
· تقييد الحركة الكامل حتى للذين قضوا عقوداً دون أي حوادث عنف
الآثار النفسية:
· تحويل اللقاءات العائلية إلى مشاهد إذلال أمام الأطفال
· تدمير آخر جسور التواصل الإنساني مع العالم الخارجي
· ترسيخ شعور بالحيوانية وعدم الانتماء للبشرية
3. نظام التصنيف المهين: A, B, C
تصنيف لا إنساني:
· الفئة A: "خطير للغاية" - عزل انفرادي دائم، حرمان من كل الحقوق
· الفئة B: "خطير" - تقييد شديد، حرمان من معظم البرامج
· الفئة C: "عادي" - بعض الحقوق ولكن مع قيود صارمة
معايير تعسفية:
· التصنيف بناءً على التهمة فقط بغض النظر عن السلوك داخل السجن أو خصوصية الملف
· التمييز ضد المعتقلين الإسلاميين بتصنيفهم تلقائياً في الفئة A
· عدم وجود معايير موضوعية قابلة للمراجعة
· استخدام التصنيف كعقاب جماعي للمعتقلين السياسيين
4. الحرمان من الحقوق الأساسية
· قطع الصلة بالعائلة: زيارات نادرة جداً، عبر زجاج سميك، بدون أي تواصل جسدي
· حرمان من العلاقة الزوجية: انتهاك صارخ للفطرة الإنسانية وللحق الشرعي الذي أقره الإسلام
· قمع الشعائر الدينية: خاصة للمسلمين، من منع اللحى إلى تقييد الصلاة الجماعية ...
· سوء التغذية والرعاية الصحية: طعام رديء، رعاية طبية شبه معدومة
5. العنف المؤسسي والإذلال الممنهج
· التفتيش العاري المُهين: بشكل متكرر وعشوائي
· الاستخدام المفرط للقوة: ضرب، تقييد وحشي، استخدام الكلاب البوليسية
· نظام "Supermax": سجون فائقة الأمن حيث يُعامل السجناء كحيوانات خطرة لا كبشر
6. الخصخصة: تجارة العذاب
النموذج الأمريكي حوّل السجون إلى صناعة ربحية:
· شركات خاصة تدير السجون بهدف تعظيم الأرباح لا إصلاح السجناء
· كلما زاد عدد السجناء، زادت الأرباح!
· استعباد قانوني: تشغيل السجناء بأجور زهيدة (أحياناً أقل من دولار في الساعة) لصالح شركات كبرى
✓ إدانات دولية صارخة
منظمة العفو الدولية:
وصفت نظام السجون الأمريكي بأنه "نظام قاسٍ ومُهين يرقى إلى التعذيب"، وأشارت في تقريرها لعام 2021 إلى أن "العزل الانفرادي يسبب ضرراً نفسياً لا يمكن إصلاحه".
هيومن رايتس ووتش:
أصدرت تقارير مفصلة عن "الانتهاكات الممنهجة لحقوق السجناء" في أمريكا، موثقةً حالات تعذيب أدت إلى إعاقات دائمة وانتحار سجناء.
الأمم المتحدة:
· لجنة مناهضة التعذيب انتقدت أمريكا مراراً بسبب ممارساتها السجنية
· المقرر الخاص المعني بالتعذيب طالب بإلغاء العزل الانفرادي المطوّل
· المقرر الخاص المعني بالصحة وصف السجون الأمريكية بأنها "بيئات مسببة للأمراض النفسية"
الجمعية الطبية الأمريكية والجمعية الأمريكية للطب النفسي:
حذرتا من الأضرار النفسية الجسيمة والدائمة التي يسببها العزل الانفرادي، معتبرتين أنه "لا يوجد استخدام علاجي للعزل الانفرادي في الطب النفسي".
منظمة الصحة العالمية:
أكدت في تقريرها عام 2019 أن "معدلات الانتحار في السجون الأمريكية أعلى بثلاث مرات من المعدل الوطني".
✓ السويد: عندما يُطبّق الغرب فقه الإمام مالك!
المفارقة الصادمة
بينما المغرب يتخلى عن تراثه الفقهي العظيم، تتبنى السويد – بلد غير إسلامي – مبادئ من المذهب المالكي في تسيير سجونها!
الممارسات السويدية المستوحاة من الفقه المالكي:
1. حق السجين في العلاقة الزوجية
· السويد تطبق ما أقره الإمام مالك منذ أكثر من ألف سنة!
· توفير شقق زوجية داخل السجون أو خارجها للسجناء المتزوجين
· زيارات مفتوحة خاصة مع الأزواج في بيئة كريمة
· الفلسفة: السجين إنسان له حقوق فطرية وعائلية لا يجوز سلبها
2. الكرامة الإنسانية أولاً
· غرف فردية نظيفة ومريحة، بها تلفاز وثلاجة صغيرة
· مطابخ مشتركة يطبخ فيها السجناء طعامهم
· ملابس عادية (ليست زي سجن مُذل)
· حرية الحركة داخل السجن معظم اليوم
3. التأهيل لا الانتقام
· برامج تعليمية وتدريبية متقدمة
· عمل مأجور بأجر عادل يُحفظ للسجين
· دعم نفسي واجتماعي مستمر
· تهيئة للعودة للمجتمع قبل الإفراج
4. الحقوق الدينية
· حرية كاملة في ممارسة الشعائر
· توفير أماكن للصلاة
· استقبال الوعاظ والمرشدين
5. الروابط الأسرية
· زيارات عائلية مفتوحة ومتكررة
· لقاءات في بيئة طبيعية (حدائق، قاعات مريحة)
· احترام خصوصية اللقاءات
6. العقوبات البديلة
· تقليل السجن لأدنى حد ممكن
· أساور إلكترونية، خدمة مجتمعية، إقامة جبرية
· الفلسفة المالكية: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"
النتائج المُذهلة
السويد:
. معدل العودة للجريمة: أقل من 40% (الأقل في العالم)
· معدل العنف داخل السجون: شبه معدوم
· إعادة إدماج ناجحة: أكثر من 60% من المفرج عنهم يندمجون بنجاح
· كثافة سجنية: 60 سجين لكل 100,000 نسمة (من الأدنى في العالم)
أمريكا (بالنموذج الذي يريد المغرب استيراده):
· معدل العودة للجريمة: أكثر من 75%!
· العنف والاضطرابات: متكررة ودموية
· التكلفة الباهظة: أعلى معدل سجن في العالم (2.3 مليون سجين)
· تدمير نفسي واجتماعي: أجيال محطمة
· كثافة سجنية: 655 سجين لكل 100,000 نسمة (الأعلى في العالم)
المغرب :
أي إدماج هذا؟!
المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تحمل اسماً براقاً لكن واقعها مُظلم:
· لا إدماج بل تحطيم
· لا إصلاح بل انتقام
·لا كرامة بل إذلال ممنهج
الجريمة المركّبة:
1. استيراد الفشل: تبني نموذج أثبت فشله الذريع حتى في بلده
2. استهداف المعتقلين الإسلاميين: تطبيق هذا النموذج إمعاناً في إذلالهم وقهرهم
السؤال المُحرج:
كيف تتبنى السويد – البلد الأوروبي – فقه الإمام مالك المغربي لأنسنة السجون،
ومنظات عالمية حقوقية تنتقد وتحذر من النموذج الامريكي وبعض الولايات في أمريكا تتخلى عنه ...
بينما المغرب يستورد نموذج التعذيب الأمريكي؟!
الخلاصة
النموذج الأمريكي هو:
- وسيلة تعذيب أدانتها المنظمات الدولية
- تجارة بالبشر في إطار الخصخصة
- مصنع لإنتاج المعاناة والإذلال
تطبيق هذا النموذج على معتقلين قضوا 23 عاماً في السجن هو:
· جريمة إنسانية
· عار أخلاقي
· إمعان في التعذيب
خاتما:
في اللحظة التاريخية التي نترقب فيها بقلوب مليئة بالأمل إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين، واسقاط قانون الإرهاب الظالم الذي شوّه حياة الأبرياء، ومحاسبة الجلادين الذين مارسوا التعذيب باسم الدولة... في هذه اللحظة بالذات، تختار المندوبية العامة لإدارة السجون أن تستمر في صناعة المعاناة!
كيف للدولة أن تتصالح مع نفسها وماضيها، وأن تعيد البناء مع أبنائها الذين سُحِقوا في أقبية السجون ، إرضاءً لأجندات غربية مشبوهة تحت شعار "محاربة الإرهاب" منذ 2003 ومندوبيتها للسجون تتفنن في إذلالهم ؟
إنها الجريمة المزدوجة:
• جريمة الماضي: حين سُحق أبناء هذا البلد ظلماً وعدواناً، فمنهم من لا يزال يتأوه في زنازين الموت البطيء، ومنهم من أكمل مدة حكمه وخرج بكدمات المعاناة، قلباً متألمًا لا ينسى ألم السنوات العجاف.
• جريمة الحاضر: حين تواصل المندوبية إمعانها في القهر، فتُذكّر الناجين من الجحيم بجراحهم كل يوم، عبر تطبيق النموذج الأمريكي الوحشي على ما تبقى من المعتقلين الإسلاميين.
أي سادية هذه؟ أي انتقام مقيت من أناس دفعوا ثمن عمرهم ثمناً باهظاً لاتهامات واهية يرضى عليها العم سام ؟
في الوقت الذي ننتظر فيه تغييراً حقيقياً يضمّد جراح الماضي، نرى المندوبية تمعن في تمزيق الجراح القديمة، وتصبّ الملح على الذكريات الأليمة، وكأنها تقول للمعتقلين: "لم نكن لنترككم تعيشون بكرامة حتى بعد انتهاء مدة إعتقالكم!"
إننا اليوم أمام مفترق طرق:
إما أن تعتذر الدولة لأبنائها المعذبين، وتطلق سراح المظلومين، وتلغي القانون الجائر، وتعوض المتضررين، وتتبنى نموذجاً تصالحياً كإتفاق 25 مارس ...
أو أن تواصل مسيرة الإنكار والجحود، فتُذل أبناءها مرتين: مرة بالسجن الظالم، ومرة بمنعهم من نسيان ألم الماضي!
( معتقل تمارة السري ،التعذيب في مخافر الشرطة ، سجن غوانتنامو سلا ، سجن غوانطيط وطيطة 2 ...)
ليكن واضحاً:
لا تصالح حقيقياً دون عدالة، ولا عدالة دون إسقاط قانون الإرهاب وجبر الضرر ، ولا جبر للضرر دون محاسبة ، ولا محاسبة دون إطلاق سراح الأبرياء، ولا حرية حقيقية دون إلغاء نموذج التعذيب الأمريكي من سجوننا.
الكرامة المعتقلين الإسلاميين ليست تفاوضية... والحقوق ليست رفاهية... والعدالة ليست خياراً!
"وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ" - إبراهيم: 42
المصادر والمراجع
1. منظمة العفو الدولية - تقرير "العزل الانفرادي: تعذيب في الولايات المتحدة" (2021)
2. هيومن رايتس ووتش - "الانتهاكات المنهجية في السجون الأمريكية" (2020)
3. الأمم المتحدة - تقرير المقرر الخاص المعني بالتعذيب (2016)
4. منظمة الصحة العالمية - "الصحة النفسية في السجون" (2019)
5. الجمعية الأمريكية للطب النفسي - "الآثار النفسية للعزل الانفرادي" (2017)
6. معهد البحوث السويدي - "نظام السجون في السويد: دروس مستفادة" (2022)
7. مرصد السجون في أوروبا - "المقارنة بين النماذج السجنية" (2021)
8. دراسة نابليون والفقه الإسلامي - د. محمد المنصور، جامعة السوربون (2015)
اكتب مراجعة عامة