img
img

إعدام الحلم الديمقراطي: السلطة في مواجهة جيلٍ لا يخاف

img
منصة مفكر

إعدام الحلم الديمقراطي: السلطة في مواجهة جيلٍ لا يخاف

إعدام الحلم الديمقراطي: السلطة في مواجهة جيلٍ لا يخاف

 

منذ أكثر من عقدٍ على انطلاق موجة الانتفاضات العربية، ظلّ السؤال المؤرق معلّقًا فوق ذاكرة الشعوب: كيف تحوّل الحلم بالديمقراطية من لحظة أملٍ جماعي إلى حالة خوفٍ عام، ومن وعدٍ بالتحرر إلى تهمةٍ سياسية؟

لقد ظنّ كثيرون أن العام 2011 سيكون نقطة القطيعة الكبرى مع قرونٍ من الاستبداد، وأن جيلًا عربيًا جديدًا سيكتب فصله الخاص من التاريخ، بعد أن خرج إلى الشوارع بلا خوفٍ ولا وصاية، مطالبًا بدولةٍ تمثله لا تراقبه، وبسلطةٍ تُحاسب لا تُعبد.

لكن بعد سنواتٍ من الصراع، وجد هذا الجيل نفسه أمام مشهدٍ نقيضٍ: أنظمة استعادت أنفاسها بأدواتٍ أشدّ قسوة، ومجتمعاتٍ أُرهقت بفوضى مفتعلة جعلت الناس يطلبون الأمن ولو بثمن الحرية.

لقد نجحت السلطة — في أغلب الدول العربية — في تحويل الديمقراطية إلى “خطر وجودي”، وإعادة تعريف الحرية كـ”تهديدٍ للأمن القومي”. وهكذا، أعيد ترتيب الوعي الجمعي على قاعدة الخوف، ليصبح المواطن ذاته متواطئًا — دون وعي — مع جلاده، في معركةٍ خفية عنوانها: إعدام الحلم الديمقراطي باسم الاستقرار.

ولأن الوعي هو آخر ما يمكن قمعه، فقد تحوّل الصراع بين السلطة والشباب إلى صراعٍ رمزيّ على المعنى ذاته: من يملك تعريف الوطن؟ ومن يحقّ له أن يحلم بمستقبلٍ مختلف؟

إنها ليست مواجهةً سياسية فحسب، بل مواجهة وجودية بين جيلٍ وُلد من رحم الأزمات ولا يخاف من التغيير، وسلطةٍ تخاف من المستقبل لأنها لا تستطيع السيطرة عليه.

 

من الحلم إلى الخوف — التحوّل في مسار الوعي العربي

حين اندلعت الانتفاضات العربية، لم يكن الشباب يطلبون المستحيل. لم يخرجوا من أجل إسقاط الدولة بل من أجل استعادتها. كانت مطالبهم بسيطة ومبدئية: الكرامة، العدالة، والمساءلة.

ولكن، كما في تونس ومصر وسوريا واليمن، تحوّلت هذه المطالب إلى مواجهةٍ مفتوحة مع أجهزة الدولة العميقة التي رأت في الحلم الديمقراطي خطرًا على بنيتها الراسخة.

في تونس، مثلًا، مثّل دستور 2014 ذروة الأمل في انتقالٍ ديمقراطي حقيقي. غير أنّ السنوات اللاحقة كشفت هشاشة هذا المكسب حين عادت السلطة التنفيذية لتحتكر القرار باسم “تصحيح المسار”.

وفي مصر، تحوّل الحلم بدولة مدنية ديمقراطية إلى نظامٍ أكثر انغلاقًا، حيث أصبح المجال العام مراقَبًا حتى في الصمت. أمّا في سوريا واليمن وليبيا، فقد أُغرقت الثورة في الدم والفوضى، لتُعاد صياغة الوعي العربي على معادلةٍ جديدة: “الحرية تساوي الفوضى، والاستبداد يعني الأمان”.

هذا التحوّل لم يكن عفويًا؛ بل ناتجًا عن استراتيجية متكاملة لإعادة هندسة الوعي الجمعي. إذ نجحت الأنظمة في تحويل تجربة الانتفاضات إلى درسٍ تخويفي للأجيال القادمة: “انظروا ماذا تفعل الديمقراطية بالدول”.

ومن خلال خطابٍ إعلامي موحّد، رُوّج لفكرة أن الديمقراطية “ترفٌ غربي” لا يناسب “الخصوصية الثقافية” للمجتمعات العربية.

لكن في المقابل، كان جيل ما بعد الانتفاضات يتعلّم درسًا مختلفًا: أن الخوف لم يعد ضمانةً للبقاء، وأن الصمت ليس حيادًا بل مشاركة في استمرار الهزيمة.

ولذلك انتقل الفعل الاحتجاجي من الشارع إلى الفضاء الرقمي، ومن الهتاف السياسي إلى الفعل الثقافي والفني والفكري، لتصبح المعركة على الوعي هي الميدان الحقيقي للصراع في العالم العربي.

جيل ما بعد الانتفاضة — وعي بين الخيبة والإصرار

جيل ما بعد الانتفاضات العربية هو الجيل الذي لم يعش لحظة الحلم كاملة، لكنه ورث الخيبة بكل تفاصيلها.

هو جيل تربّى على روايات “الفشل الديمقراطي” التي تروّجها السلطة، وعلى مشاهد الخراب والحروب التي أصبحت تُقدَّم له كدليلٍ على “استحالة التغيير”.

لكن ما لم تدركه الأنظمة أن هذا الجيل لم يرَ فقط الفوضى، بل رأى أيضًا كيف يصنع الناس التاريخ حين يقررون كسر الخوف.

إنه جيلٌ وُلد في زمن الإنترنت، يعيش على الذاكرة الرقمية للثورات، ويعيد قراءة الماضي بعينٍ نقدية. لا ينتمي إلى الأيديولوجيات القديمة، ولا يثق في النخب السياسية التقليدية، لكنه أيضًا لا يقبل بالاستسلام.

لقد أدرك أن الديمقراطية ليست حدثًا سياسيًا، بل سيرورة وعي، وأن الحرية لا تُكتسب بقرارٍ فوقي بل تُبنى بالتراكم والتجربة.

في الجامعات والمبادرات الثقافية، في المنصات الرقمية والفن والموسيقى، بدأ هذا الجيل يُعبّر عن نفسه بلغةٍ جديدة لا تخضع للرقابة.

هو لا ينتظر إذنًا من السلطة ليحلم، بل يمارس حلمه كموقفٍ يوميٍّ ضد القمع، ويحوّل الإحباط إلى وقودٍ للبحث والمعرفة.

وهكذا، من رحم الهزيمة وُلد جيلٌ أكثر واقعية، لكنه أيضًا أكثر عنادًا، يرفض أن تُكتب نهايته في فصلٍ لم يبدأ هو بكتابته.

 

 

 

السلطة كآلة إعدام رمزي — من قمع الأجساد إلى قمع الأحلام

إذا كانت الأنظمة قد استعادت السيطرة على الشارع، فإنها فعلت ذلك عبر أدواتٍ قانونية صُمّمت لتقنين الخوف.

فما يُسمّى بـ”التشريعات الأمنية” لم تعد تُعنى بحماية الدولة، بل بحماية السلطة من مجتمعها.

و في دفاعها عن البقاء، لم تعد السلطة بحاجة إلى ممارسة القتل المباشر؛ فقد طوّرت أدوات أكثر دقة وأقل تكلفة: قتل المعنى، وإعدام الأمل, فالتشريعات القمعية باتت تُستخدم لتجريم التعبير لا لتنظيمه.

حيث مثّل المرسوم عدد 54 في تونس مثالًا صارخًا على هذا التحوّل، إذ وُظّف لملاحقة الصحفيين والمدونين، وتحويل حرية التعبير من حقٍّ دستوري إلى خطرٍ جنائي.

في مصر، تُستخدم قوانين مكافحة الإرهاب لتجريم المعارضين السياسيين، بينما تُبرَّر الرقابة الشاملة على الفضاء الرقمي بـ”حماية الأمن القومي”. اما في الخليج، أدت تشريعات “الأمن المعلوماتي” و“الجرائم الإلكترونية” إلى تكميم الأفواه وتجريم حتى التعليقات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وهكذا، باتت الرقابة الذاتية هي الشكل الأقصى من نجاح السلطة، حين يصبح المواطن رقيبًا على نفسه.

من جهةٍ أخرى، أعادت الأنظمة هندسة المجال الرمزي نفسه: التعليم، الإعلام، والخطاب الديني.

تم تفريغ المناهج الدراسية من أي مضمون نقدي، واستُبدلت مفاهيم المواطنة والحقوق بمفاهيم الطاعة والانضباط.

أما الإعلام، فتحوّل إلى أداةٍ لإعادة إنتاج الخوف وتبرير القمع، عبر تصوير الشباب كطائشين أو عملاء أو “مغرّر بهم”.

 

ما قبل الديمقراطية — مرحلة الوعي التحضيري

قد يبدو المشهد العربي وكأنه تراجع عن مسار الديمقراطية، لكن الحقيقة أعمق من ذلك: نحن أمام مرحلة ما قبل الديمقراطية. إنها لحظة تشكّلٍ بطيئة لكنها ضرورية، حيث يجري تفكيك البنية النفسية والثقافية التي رسّخها الاستبداد لعقود.

فالديمقراطية ليست صناديق اقتراعٍ فقط، بل ثقافة مشاركة، ومفهوم للمواطنة، وإيمانٌ جماعي بقدرة الناس على إدارة مصيرهم.

ما قبل الديمقراطية هي المرحلة التي تُولد فيها “الذات الحرة” من رماد الخوف. وهي تشبه في جوهرها، المراحل الانتقالية التي عرفتها أمريكا اللاتينية أو أوروبا الشرقية قبل سقوط الأنظمة الشمولية. لكن في الحالة العربية، المعركة أكثر تعقيدًا لأنها تُخاض على جبهات متعددة: ضد التسلّط، وضد الجهل، وضد ثقافة الاستسلام.

جيل اليوم — الذي لم يعش الديمقراطية لكنه يفكر بها — يقوم بعملٍ تأسيسي غير معلن: بناء وعيٍ جماعي جديد يقوم على المساءلة، ورفض عبادة الزعيم، والإيمان بأن الحرية لا تُستورد بل تُصنع.

إنه جيل “التمهيد التاريخي”، الذي يُعبّد الطريق لما سيأتي بعده، حتى وإن لم يشهد ثماره.

وتمامًا كما كان الفكر النقدي في أوروبا نواة لثورات القرن التاسع عشر، فإن الوعي العربي اليوم هو نواة الديمقراطية القادمة، مهما طال الزمن.

 

جيل لا يخاف — مقاومة الوعي بدل مقاومة العنف

على الرغم من آلة القمع، لم يمت الحلم. فجيلٌ جديد من الشباب العربي يعيش اليوم في فضاءٍ رقمي مفتوح يرفض الخضوع لمنطق الخوف.

لقد أدرك هذا الجيل — بفضل التكنولوجيا والعولمة — أن العالم أوسع من حدود الرقابة، وأن الحرية لم تعد منحةً سياسية بل حالة وعيٍ تتجاوز السلطة.

نرى ذلك في موجات جديدة من المقاومة الناعمة:

في تونس، ظهرت ترتيبات جديدة في الاوساط الشبابية تتجاوز الخلافات التاريخية الى جانب التحركات السياسية

في السودان، قادت النساء والشباب حركةً ثورية أعادت تعريف معنى القيادة.

وفي لبنان والعراق، خرج الشباب متحدّين الهويات الطائفية القديمة، رافعين شعارًا جامعًا: “نريد وطنًا”.

بل حتى في الأنظمة المغلقة، ظهرت أشكال من المقاومة الثقافية والفنية — من الموسيقى الملتزمة إلى السينما المستقلة والمحتوى الرقمي الجريء — تعيد للناس صوتهم المسلوب.

هذا الجيل لا يخاف من الخسارة لأنه لم يولد في الامتياز، ولا يخاف من السلطة لأنه أدرك هشاشتها.

لقد تجاوز فكرة الثورة كفعلٍ عنيف إلى الثورة كوعيٍ يومي، كإصرارٍ على التفكير النقدي، ورفضٍ للغة الخضوع. إنها مقاومةٌ ذكية، تستبدل الحجارة بالكلمات، والشوارع بالشبكات، وتحوّل الهزيمة السياسية إلى رصيدٍ معرفيٍّ لبناء وعيٍ جماعي جديد.

 

حين يُعدم الحلم… يُولد وعي لا يُقهر

إعدام الحلم الديمقراطي ليس نهاية التاريخ، بل بداية دورته الجديدة. فالسلطة يمكن أن تُسكت الأصوات، لكنها لا تستطيع أن تُسكت الأسئلة.

لقد فشلت في إقناع جيلٍ كامل بأن الحرية ترف، وفشلت في جعل الخوف بديلاً عن الأمل. وما يُخيف الأنظمة اليوم ليس “الثورة” في الشوارع، بل الثورة الهادئة في العقول.

إن ما يحدث اليوم في العالم العربي هو إعادة تشكّل للوعي الجمعي، يتجاوز الأيديولوجيا نحو إدراكٍ أعمق لمفهوم الكرامة والمواطنة.

جيلٌ لا يخاف لم يعد ينتظر الإذن بالحلم، لأنه أدرك أن الحلم نفسه فعل مقاومة، وأن الأمل ليس شعارًا بل استراتيجية بقاء.

وذلك الوعي الجديد، الذي لا يُقهر، هو أخطر ما تواجهه السلطة؛ لأنه لا يحتاج إلى زعيم ولا إلى حزب، بل إلى قناعةٍ راسخة بأن الإنسان وُلد حرًا، وأن من يَخشى الحرية لا يستحقها.

فالوعي الذي نجا من القمع لا يمكن قتله، والجيل الذي جرّب الخوف ثم تجاوزه، لن يعود إلى الوراء.

حين تُعدم السلطة الحلم، فهي لا تقتل الفكرة بل تُؤجلها.

فالتاريخ، مهما تعثّر، لا يعود إلى الوراء، ووعي الحرية الذي وُلد في هذه الأرض — رغم القمع والخذلان — لن يموت، لأنه لم يعد شعارًا سياسيًا، بل معرفةً وجودية بأن الكرامة لا تُمنح… بل تُنتزع.

تعليقات