img
img

مقال: نصرة المستضعفين: قضية الأمة الأولى وفريضة لا تسقط بالزمن

img
الشبكة

مقال: نصرة المستضعفين: قضية الأمة الأولى وفريضة لا تسقط بالزمن

أ.د. عصام اشويدر
رئيس شبكة الرواد الإلكتورنية 
ورئيس المنصة العالمية للدفاع عن حقوق الانسان



حين تصبح القضية هوية


إن نصرة المستضعفين ليست مجرد موقف سياسي عابر أو شعار موسمي يُرفع ثم يُطوى، بل هي جوهر الهوية الإيمانية وعنوان حيوية الأمة ودليل صدق انتمائها لدينها. حين يقول الحق سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)، فإنه يضع نصرة المستضعفين في مرتبة الجهاد في سبيل الله، بل يجعلها معيارًا للإيمان الحقيقي.


إن الأمة التي تنسى مستضعفيها تفقد بوصلتها الأخلاقية، وتتحول من أمة رسالة إلى مجرد شعوب متفرقة تلهث خلف مصالحها الضيقة. والعلماء والمصلحون الذين لا يجعلون هذه القضية في صدارة اهتماماتهم يخونون الأمانة الشرعية التي حملوها.


 من الاستضعاف إلى التمكين: مسار لا ينقطع 


السياسة الشرعية الإصلاحية تنظر إلى نصرة المستضعفين كمشروع تاريخي متكامل لا كردود أفعال آنية. فالمطلوب ليس مجرد التعاطف العاطفي أو البيانات الإعلامية، بل استراتيجية شاملة تبدأ بكسر الاستضعاف، وتمر بتحقيق التكافؤ، وتصل إلى التمكين الحقيقي. هذا المسار يتطلب:


أولاً: بناء قوة حقيقية في الأمة - معرفية واقتصادية وسياسية وإعلامية - لأن النصرة الفعّالة تحتاج إلى أدوات التأثير لا مجرد النوايا الطيبة.


ثانياً: إبقاء القضايا حية في الوعي الجمعي للأمة، فالنسيان هو الموت الحقيقي للقضايا. وهنا تأتي مسؤولية العلماء والمفكرين والإعلاميين في التذكير الدائم والتوعية المستمرة.


ثالثاً: تنويع أساليب النصرة بين الدعوي والسياسي والإنساني والقانوني، فكل ساحة تحتاج إلى أدواتها الخاصة.


 قضايا لا يجوز أن تُنسى 

 تركستان الشرقية: المحنة الصامتة


إن ما يجري في تركستان الشرقية (شينجيانغ) من إبادة ممنهجة للهوية الإسلامية - من هدم المساجد ومنع الصيام والصلاة، وزج مليون مسلم في معسكرات الاعتقال، وفرض التعقيم القسري على النساء - يمثل واحدة من أخطر المحن في عصرنا. لكن صمت العالم الإسلامي الرسمي المخزي يجعل المسؤولية على العلماء والمصلحين أعظم: أن يكونوا الصوت الذي لا يُكتم والضمير الذي لا يموت.


 الروهينجا: شعب بلا حقوق


مأساة الروهينجا تكشف هشاشة المنظومة الدولية وانتقائية حقوق الإنسان. مئات الآلاف قُتلوا أو شُردوا، ومع ذلك تبقى قضيتهم على هامش الاهتمام الدولي. إن نصرتهم تبدأ بفضح هذا الظلم وتوثيقه والضغط السياسي والقانوني لإيقافه.


غزة: النصرة لا تتوقف بتوقف الحرب


توقف القصف لا يعني انتهاء المعركة. غزة تحتاج النصرة في إعادة الإعمار، وفي كسر الحصار، وفي تثبيت الحقوق، وفي مواجهة محاولات التهجير والتصفية. النصرة الحقيقية هي التي تستمر في السراء والضراء، في الحرب وبعدها، لأن الصراع على الحق لا ينتهي بهدنة عسكرية.


 المعتقلون الإسلاميون ذوو الرأي: الاستضعاف خلف القضبان


ومن أشد صور الاستضعاف وأكثرها إيلامًا: ما يتعرض له المعتقلون الإسلاميون أصحاب الرأي الذين زُجّ بهم في السجون ظلمًا وعدوانًا وتعسفًا، لا لجريرة اقترفوها، بل لأنهم امتلكوا الجرأة على قول الحق أو الدعوة إلى الإصلاح أو رفض الفساد والاستبداد.


هؤلاء المعتقلون يُحرمون من أبسط حقوقهم: من المحاكمة العادلة، ومن الزيارات الأسرية، ومن العلاج الطبي، بل يتعرضون في كثير من الأحيان للتعذيب الجسدي والنفسي والحرمان المتعمد. إنهم مستضعفون خلف الجدران، تُكمّم أصواتهم وتُصادر حرياتهم، ويُترك أهلهم في محنة مضاعفة.


أهالي المعتقلين: المنسيون في المعادلة


وإن من أعظم صور الظلم المركب: ما يصيب أهالي هؤلاء المعتقلين من ضياع وحاجة وفقر. فكم من زوجة فقدت معيلها وباتت تصارع الحياة وحدها مع أطفالها! وكم من أولاد حُرموا من حنان أبيهم وعطائه في أحرج سنوات نموهم! وكم من والدين كُسر قلبهما بفراق ولدهما وهما في أمس الحاجة إليه!


إن نصرة المعتقلين لا تكتمل إلا بنصرة أهليهم ورعايتهم. فهذه مسؤولية شرعية وأخلاقية على الأمة وعلى علمائها ومصلحيها. يجب أن تُنشأ صناديق دعم وكفالة لأسر المعتقلين، وأن تُوفر لهم الرعاية المادية والنفسية والتعليمية، حتى لا يشعروا بأنهم منسيون أو متروكون.


إن قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" يعني أن نكون سندًا حقيقيًا لإخواننا في محنهم.

 ونصرة المعتقلين وأهليهم تشمل:

- الدعم القانوني والحقوقي: المتابعة المستمرة لملفاتهم والضغط لإطلاق سراحهم وفضح ما يتعرضون له من ظلم

- الدعم المادي والمعيشي: كفالة أسرهم ورعاية أطفالهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية

- الدعم النفسي والمعنوي: زيارتهم ومواساة أهليهم وإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم

- الدعم الإعلامي: نشر قضاياهم وإحياء ذكرهم وعدم نسيانهم مهما طال زمن اعتقالهم


دور العلماء والمصلحين: القيادة الأخلاقية 


في زمن الضعف السياسي للأمة، يصبح دور العلماء والمصلحين أكثر حيوية وإلحاحاً. عليهم أن:

- يحيوا الوعي بقضايا المستضعفين - في الخارج والداخل - ويربطوها بالواجب الشرعي والأخلاقي

- يفضحوا الظلم بالحجة والبيان ولا يخافوا في الله لومة لائم، سواء كان الظلم من عدو خارجي أو من حاكم مستبد

- يبنوا التحالفات بين القوى الإصلاحية والخيّرة لتكثير الجهود وتوحيد الصفوف

- يربّوا الأجيال على عدم نسيان قضايا الأمة ومعتقليها مهما طال الزمن

- يخططوا استراتيجياً لتحويل التعاطف إلى برامج عملية مؤثرة

- يُنشئوا المؤسسات التي ترعى أهالي المعتقلين وتكفل أطفالهم وتدافع عن حقوقهم


 خاتمة: الأمل الذي لا ينطفئ


مهما اشتدت الخطوب وتكالبت الأمم، يبقى وعد الله حقاً: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). لكن هذا النصر يحتاج إلى أمة تعمل له وتسعى وتصبر وتثابر. إن نصرة المستضعفين - في تركستان والروهينجا وغزة وخلف قضبان السجون - ليست رفاهية فكرية بل فريضة شرعية وضرورة حضارية، وهي المقياس الحقيقي لحيوية الأمة وصدق انتمائها لدينها.


فلنجعل من نصرة المستضعفين قضية دائمة في خطابنا ومناهجنا وسياساتنا وتربيتنا، ولنتذكر أن من أعظم القربات إلى الله: فك الأسير، وإطعام الجائع، ونصرة المظلوم، وكفالة اليتيم والأرملة. حتى يأتي يوم ينكسر فيه الظلم وتُستعاد الحقوق ويتحقق التمكين بإذن الله. وما ذلك على الله بعزيز.



تعليقات

الكلمات الدلالية