مقدمة
قبل أكثر من عقد من الزمن، اهتزّت المنطقة العربية على وقع هتافات صدحت من شوارع تونس، ثم انتشرت كالنار في هشيم الجغرافيا السياسية: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
لم تكن مجرد عبارة ثورية، بل كانت إعلانًا عن لحظة تاريخية كسرت جدار الخوف وأسقطت صورة “الأنظمة الأبدية”.
في لحظات 2011 بدا وكأن العالم العربي يقف على أعتاب مرحلة جديدة: دولة القانون، التداول السلمي على السلطة، الحريات الفردية والجماعية، وعدالة اجتماعية طال انتظارها.
حتى أن بعض مراكز الأبحاث الغربية حينها وصفت ما جرى بأنه “اللحظة المؤسسة لديمقراطية عربية ممكنة”، فيما شبّهها آخرون بسقوط جدار برلين بالنسبة للمنطقة.
لكن ما بدا في لحظته وعدًا بميلاد عهد جديد، سرعان ما تحوّل إلى واقع أكثر تعقيدًا. فبعد مرور أكثر من عشر سنوات، تتضح مفارقة كبرى: بدل أن تُترجم تلك الثورات إلى مؤسسات راسخة ومسارات ديمقراطية متينة، وجدت كثير من المجتمعات نفسها في قلب معادلة مُغايرة، حيث برزت الشعبوية كخطاب طاغٍ، وتجدّدت السلطوية بأشكال محدثة، بينما تآكلت الثقة الشعبية في النخب السياسية التي عجزت عن تقديم بدائل واقعية.
الربيع العربي لم يُنتج “ربيعًا سياسيًا” بمفهومه الكلاسيكي، بل فتح الباب أمام سلسلة من التحولات المتناقضة:
• دول انزلقت نحو الحروب الأهلية والتفكك
• دول شهدت انتقالات انتخابية ودستورية قصيرة العمر انتهت بارتداد سلطوي
• تجربة فريدة مثل تونس، بدت لسنوات “الاستثناء الديمقراطي” قبل أن تعود بدورها إلى مسار يثير جدلًا حول الشعبوية وتركيز السلطة.
على المستوى الاجتماعي، أُثقل المواطن العربي بأزمات اقتصادية متراكمة: بطالة تجاوزت 30% بين الشباب في بعض البلدان، تضخم متسارع، مديونية خانقة، وانسداد في آفاق الهجرة أو التنمية. أما على المستوى الدولي، فقد اصطدم الحلم العربي بازدواجية المواقف الغربية: بين خطابات داعمة للحريات وممارسات واقعية تمنح الأولوية للأمن، مكافحة الإرهاب، وضبط موجات الهجرة، حتى ولو على حساب الديمقراطية الناشئة.
ومع ذلك، لم يكن العقد الماضي مجرد “خسارة للثورات”. فالحقيقة الأعمق أن الشعوب اكتسبت وعيًا سياسيًا جديدًا، وأن مفهوم “الشرعية” تغيّر جذريًا.
لم يعد بإمكان أي سلطة أن تدّعي الحصانة المطلقة، لأن الذاكرة الشعبية أثبتت أن الشارع قادر على إسقاطها متى توفرت الشروط. وهذا ما يفسّر تجدد موجات احتجاجية في عديد الدول العربيّة.
إن السؤال المحوري اليوم لم يعد: “هل انتهى الربيع العربي؟” بل “إلى أين يمكن أن يقودنا إرثه؟”. هل نحن أمام موجة ثالثة أكثر تنظيمًا ونضجًا من موجة 2011؟ أم أن الشعوب ستنزلق مجددًا إلى فوضى جديدة تكرّس مسار الانحدار؟ أم أن الإصلاح التدريجي قد يكون الخيار الأكثر واقعية؟
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى الربيع العربي كـ “حدث عابر”، بل كتاريخ مفتوح: بداية لمسار طويل من الصراع بين الحلم الثوري والواقع الشعبوي، بين إصرار الشعوب ومرونة السلطويات، وبين طموحات الحرية وقيود الجغرافيا السياسية.
من الثورة إلى الدولة: انتقال لم يكتمل
أحد أهم الدروس من الحراك الشعبي هو أن إسقاط نظام لا يكفي لبناء دولة — المؤسسات هي التي تصنع الاستقرار والقانون والحقوق. في عدد من دول الربيع حدث فراغ مؤسساتي: عندما سقطت أنظمة مركزية تفتقر النخب والقوى السياسية لتقديم بدائل مؤسساتية مكتملة، كان الفراغ الأمني والسياسي بيئة خصبة للصراعات الأهلية والسطو على الدولة تحولت في بعض الدول إلى حروب أو صراعات مسلحة ممتدة أدت إلى نزوح جماعي وتفكك أجهزة الدولة
في دول أخرى، كان التحدّي مختلفًا: وجود تجربة دستورية وانتقالية لم يُترجم بالضرورة إلى استقرار مؤسسي طويل الأمد، بل واجه اختلالات اقتصادية وسياسية دفعت إلى تآكل ثقة الجمهور في المؤسسة السياسية.
غياب النخب السياسية وبناء المشروع الوطني
التحول الديمقراطي يحتاج نخبًا قادرة على التفاوض والحوكمة وصياغة بدائل واقعية. في كثير من الحالات، فشلت الأحزاب التقليدية الجديدة أو القديمة في تقديم مشاريع قابلة للتطبيق: انعدام تجربة الحكم، انقسام الأيديولوجيات، وغياب برامج اقتصادية ملموسة جعل المواطن يربط بين التغيير والصعوبة الاقتصادية—فتراجعت شرعية البديل الديمقراطي في أعين شريحة واسعة من الجمهور، هذا الفضاء السياسي الضعيف سمح لخطابات بسطية تحمل وعودًا سريعة بأن تأخذ مركز الصدارة.
الشعبوية كبديل زائف: كيف جرى تحويل «إرادة الشعب» إلى مركزية سلطة؟
مصطلح «الشعبوية» هنا لا يعني بالضرورة الاحتجاج الشعبي، بل خطابًا سياسيًا استُخدم لتبرير تركيز السلطة وإقصاء الخصوم باسم تمثيل «الإرادة الشعبية».
فيستند جزء من خطاب السلطة إلى فكرة «ترسيخ إرادة الشعب» عبر "إجراءات استثنائية انقلابية " ثم تعديل للنظام الدستوري، ما أثار نقاشًا حول تراجع الضوابط والموازين وصلاحيات الرئيس، مؤسسات حقوقية وإعلامية سجلت تقلصًا في حرية التعبير وبيئة قانونية أكثر تقييدًا في أعقاب تلك التحولات.
على مستوى المقارنة، شهدت مناطق أخرى في العالم صعود قوى شعبوية استخدمت اللغة نفسها («محاربة النخبة»، «استعادة السيادة»…) لكنها مالت إلى تحويل أوضاع مؤسساتية لصالح مركزة القرار (أوروبا الوسطى مع نماذج هنغاريا وبولندا، وأمريكا اللاتينية في موجات سابقة من الشعبوية). هذا التطابق الأسلوبي يوضح كيف يمكن للشعبوية أن تكون بديلاً مظهريًا عن التمثيل دون ضمانات دستورية أو مؤسساتية.
دور العوامل الدولية: ازدواجية المواقف وصراع المصالح
العوامل الخارجية لعبت دورًا مركزيًا: القوى الإقليمية والدولية أعادت ترتيب أولوياتها بين الأمن، مكافحة الهجرة، والمنافسة الجيوسياسية. في كثير من الحالات، واجهت الشعارات الغربية حول الديمقراطية تباينًا بين الخطاب والدعم المادي أو السياسي لأطراف توفر «الاستقرار» أو تتعاون في قضايا أمنية وهجرة، مما قلّص الضغط الدولي على تهيئة ظروف انتقال ديمقراطي مطمئن.
ورصدت مراكز بحثية هذا المردود العملي على سياسات التصدير الديمقراطي، خصوصًا حين تتصادم المصالح الأمنية والاقتصادية مع دعم الحركات الشعبية.
أثر هذا الازدواج أن بعض الأنظمة اتّجهت إلى إقامة تحالفات إقليمية جديدة أو إلى التسويق القسري لنموذج «الاستقرار مقابل التعاون» مع الجهات الدولية، وهو ما أعاق في أحيان كثيرة تحوّلاً سلمياً نحو آليات حكم شاملة ومستدامة.
الشعوب بين التعب والإصرار: المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية
الضغط الاقتصادي هو عامل مشحون سياسياً: معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تضاؤل فرص العمل، ارتفاع في نسب التضخم، وعبء ديون عام متزايد. في تونس، على سبيل المثال، توقّعت تقارير مؤسسات دولية نموًا اقتصاديًا منخفضًا (حوالي 1–2% في 2024–2025) في حين ارتفع الدين العام إلى مستويات تقارب أو تتجاوز 80% من الناتج المحلي وبعض التقديرات تشير إلى ضغوط تمويلية حادة. التضخم السنوي بلغ مستويات مرتفعة في 2023–2024 قبل أن يتراجع تدريجيًا في 2025، بينما لا تزال احتياجات التشغيل لدى الشباب كبيرة مقارنة بمؤشرات التوظيف العامة.
لكن في المقابل لم تمت ذاكرة الشارع: احتفظت الحركات الشبابية بقدرة على الحشد و نوع آخر من التنظم في موجات احتجاجية متجددة في عديد الدول بمساحات متباينة، وإن اختلفت شروط التنظيم والقيادة عما حصل في 2011.
أدوات العصر: شبكات التواصل والوعي الرقمي
أُدخلت أدوات رقمية جديدة على ميزان القوى: شبكات التواصل قد تُسرِّع من تعبئة الجماهير، لكنها أيضًا تمنح الدولة أدوات مراقبة وقمع عبر تشريعات وسياسات رقابية على الإنترنت.
النطاق الرقمي في المنطقة ازداد (اختراق الهواتف الذكية، ارتفاع استخدام وسائل التواصل)، ما يرفع من فاعلية تحشيد الحركات، لكنه يضاعف أيضًا أفق القمع باستخدام القوانين والأدوات التقنية. تقارير الرقمنة وحرية الإنترنت تُظهر ازدواجية: انتشار أكبر للاتصال لكن تقليلًا لمساحات الحرية الرقمية في دول عديدة.
سيناريوهات المستقبل
يمكن اختزال المسارات المستقبلية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. موجة ثالثة واسعة وداعمة لتغيير حقيقي: تفرض نفسها عبر شبكات متماسكة وبرنامج سياسي واضح — لكنها ستصطدم مجددًا بفراغ مؤسساتي إن لم تُبنى هياكل بديلة ومستدامة. (الاحتمال قائم لكن يتطلب تنسيقًا بين القوى المدنية والسياسية).
2. إصلاح تدريجي ومؤسسي: طريق طويل يتطلب تعزيز استقلال القضاء، إصلاحات دستورية متدرجة، سياسات اقتصادية اجتماعية لاستيعاب الغضب الشعبي؛ نموذج هذا المسار شُهد في بلدان مرت بمراحل انتقالية عبر سنوات طويلة.
3. ركود سياسي مع انفجارات اجتماعية متفرقة: السيناريو الذي تراهن عليه بعض الأنظمة؛ استمرارية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع قمع مساحات المعارضة، ما يولّد احتجاجات متقطعة لا تؤدي إلى تحوّل فعلي.
من الدرس إلى الخلاصة العملية
• الربيع العربي لم ينهِ طموح الحرية، لكنه كشف هشاشة التحولات المبنية على الإطاحة بالأنظمة فقط دون برنامج بناء دولة.
• الشعبوية ليست بديلًا للمؤسسات؛ بل يمكن أن تكون آلية لإضفاء شرعية على مركزیة السلطة. الأمثلة الإقليمية والقياسات الاقتصادية تُظهر أن المخرج ليس رجوعًا إلى الماضي ولا ثورة عارمة جديدة بلا خطة، بل مزيج من تعبئة مجتمعية منظمة وإصلاحات مؤسسية متدرجة.
• مستقبل المنطقة مرهون بثلاثة عوامل متقاطعة: قدرة الشباب على تحويل الاحتجاج إلى مؤسسات، فاعلية المجتمع المدني، وبيئة إقليمية ودولية تدعم التحول المؤسساتي بدل مصالح آنية.
إذا تعلمت النخب من العقد الأول، فقد يكون العقد الثاني عقد «النضج السياسي» لا عقد الخيبات
اكتب مراجعة عامة